حديث على عتبة الهم

تصوير رمزي لحديث على عتبة الهم بين رجلين

كنت جالسًا على المكتب حين لفت انتباهي رواحُ جارتنا ومجيئُها أمام مقر الشركة، وكانت مستأجرةً للشقة المجاورة تزين بها النساء (كوافيرة)، أشرت لعامل النظافة أن ينظر ما شأنها، فذهب وعاد بصحبتها، فقد نسيت مفتاح شقتها، وهاتفت زوجها ليأتيها به.

قمت إليها ورحبت بها حتى جلست على مقعد أمامي، هي سيدة يبدو أنها استهلكت 50 عامًا من عمرها، وتباشير الكبر تطل من ملامحها.

جلست والخجل يكللها، فأطرقت ساكنة عن كل حراك، سوى أناملها التي تعبث بحقيبة يدها، أغلقت الحاسوب واستدرت إليها كي أحدثها؛ لأخفف عنها وطأة الحرج، وبعد شيء من المجاملة سألتها عن عملها، ومدى جدواه، وهل هو ذو عائد مجزٍ.

كانت تجيب بإيجاز وتحفظ، بيد أنه مع الاسترسال بدأت تنبسط في الحديث، وتتحلل من قيود الخجل، حتى إننا طفنا على كثير من شؤون الحياة، وبعد الطواف حط رحالنا عند الحديث عن حيواتنا الخاصة، فأوجزت لها تاريخي وشؤون حياتي، ثم لذت بالصمت، في إشارة مني إلى أن الدور عليها 

حديث على عتبة الهم

تنهدت بزفير كبير، ثم نظرت بعيون قد احتبس بها الدمع، وبصوت خفيض شرعت تحكي حياتها، وراحت في شكاية مما بينها وبين زوجها، وكيف أنه قريب من الجحيم؛ حب مفتقد، وخصام لا ينقطع، وشجار متواصل، والأولاد قد شبوا في ذلك المعترك الذي لا يخبو، حتى وقعت الجناية عليهم بحالات من الاضطراب النفسي والعزوف عن مباهج الحياة، فشاخوا في شبابهم، وأيسوا من كل أمل.

تذكر ذلك، ولا تدري أن ما لدي قد يكون أضعاف ما عندها من موجبات الأسى، وعلى ذلك أرخيت العنان لها لتستفرغ مكتوم الهم من جوفها، حتى بلغت حد الاختناق، فما قدرت على الكلام، فأخرجت من حقيبتها ما تجفف به دمع عينيها، فقد انساب على وجنتيها لكثرته.

قمت من مقعدي وابتعدت قليلًا، وأمهلتها حتى هدأت من هياجها، فعدت إلى مجلسي، هدأت من روعها حتى ذهب عنها وسكنت، فقلت لها سائلًا: «أتدرين يا سيدتي ما الذي بلغ بك هذا المبلغ من الهم والحزن؟».

رفعت رأسها ولم تجب، قلت: «لأنك تعتقدين أنك متفردة فيما أنت فيه من الآلام، وأن كل الخلق من حولك يرفلون في الهناء والسرور، وليس من شيء يضاعف وطأة الهم مثل هذا الاعتقاد الخاطئ، فمن فطن للدنيا من حوله لأدرك أن أكثر من على الأرض بائسون، ولهم من الأحزان نصيب معلوم.

يا سيدتي، أترين إلى تلك البيوتات من حولنا؟ لو قدر لك أن تقفي على أحوال ساكنيها، لوجدت أنك، قياسًا على أحوال بعضهم، لفي نعيم وعافية.

يا سيدتي، إن هذه الدنيا مطبوعة على الكدر، فلا صفاء لها، ومن رام صفاءها كمن يروم السراب أو الظفر بالأوهام، ولا عقل لمن لم يعقل تلك الحقيقة الماثلة لكل ذي عينين.

أنا لست أدري كيف أن طول العشرة بينك وبين حليلك لم يفض بكما إلى التفاهم والتناغم، فطولها كفيل بالإبانة عن كل خصلة، ولو اجتهد أي منكما في مواراتها، فالذي أراه متوجب الحدوث أن تكوني قد عرفتيه تمام المعرفة، وفهمتيه كامل الفهم.

وهمت أن تجيب، إلا أنني لم أعطها فرصتها، وواصلت الحديث: «أنا لن أجادل فيما لا يفيد، وأتحقق منك من مثالب الرجل أو معايبه، فذاك لا ينفعني بشيء، كما أنني -مع كامل التقدير لشخصك الكريم- لا يمكنني الوثوق باتهامات يغيب صاحبها، فلا دفاع عن نفسه.

إنما أود أن أفترض معك صحة ما ذكرت، فهل يعني ذلك أن زوجك قد آل إلى خلق آخر لا يشابه فيه بني آدم؟ فإنه في النهاية بشر، وكل بشر له مفتاح يمكننا منه الولوج إليه، والتغيير منه إلى حد كبير، فما الذي يحول بينك وبين الوقوف على الجانب الرخو من شخصية زوجك، والنفاذ إليه من خلاله؟».

أجابت: «أنت لا تعرف الرجل، ولو عرفته لالتمست لي العذر، فهو أقسى مما تتصور، وأسوأ مما تتخيل، ولو أنني أبصرت فيه جانبًا من الخير، لعزيت نفسي عن جوانب السوء لديه، لكنني لم أجد.. لم أجد».

تنهدت أنا؛ لأغالب نفسي ألا أبوح بتكذيبي لها، ثم قلت: «سأفترض صواب رأيك فيه، وأنك أخفقت السعي في تفهمه أو النفاذ إليه، فما عساك تصنعين؟ أتقيمين في هذا البؤس البغيض؟ أتتجاوبين مع الآلام، وإن عظمت وكدرت عليك الحياة؟ ليس هذا بمحتمل ولا يطاق».

قالت: «وما عسى يصنع من بالعجز قد ابتلي؟».

قلت لها: «اجتهدي في أن تولي اهتمامك بعيدًا عن ساحة الصدام، وانظري لنفسك مجالًا تفرغين فيه ما كبت من همك، ويعود عليك بالنفع.

أفرغيه في اهتمامك بأولادك، وأكثرِي من مخالطة الأمينات من صديقاتك، واستفرغي الوسع في عملك، وتخيري ما يشغل بالك بما يجعل شغلك بزوجك ينزوي ويتضاءل في حياتك، ولا تبقيه مهيمنًا عليك، آسرًا لك ببقائه في صميم اهتمامك، وتقربي إلى أولادك، وتوددي إليهم، وأفيضي عليهم بالحنان، حتى لا يصيروا طحينًا بين شقي الرحى، وعساهم أن يكونوا العوض لك عما تكابدين».

قالت: «وهذا ما آمله وأرجوه».

قالت مقالتها، وبوادر من الراحة لاحت في عينيها، وكأنها أبصرت ما لم تكن تراه، أو علمت ما كانت تجهله.

سمعت خفق نعل قادم، وكان زوجها، فقامت إليه في خطو متثاقل كسول، وقبل الخروج رمقتني بنظرة مع ابتسامة شاكرة لما كان بيننا من حديث، انتبهت للعامل وهو يلقي بنظرة خبيثة، فاقترحت عليه أن نذهب لنحتسي كوبين من الشاي.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة