قراءة في تصنيف الألفاظ في «البلغة إلى أصول اللغة»

الفصاحة في ميزان العلماء.. كيف نختار ألفاظنا؟

سعد الحسن

28 أكتوبر 2026

27

صورة لكتب متناثرة وبجوارها ميزان وشجرة

ليست الفصاحة أن نختار أغرب الألفاظ، ولا أن نملأ كلامنا بما يحتاج قارئه إلى معجم؛ فقد تكون الكلمة عربية الأصل، مرويةً في كتب اللغة، ثم لا تكون الاختيار الأنسب في مقام البيان. وبين صحة الرواية، وشيوع الاستعمال، وموافقة القياس، وسهولة اللفظ، تتشكل نظرة دقيقة إلى الكلام؛ نظرة لا تسأل عما تعنيه الكلمة وحده، بل تسأل كذلك: كيف نطقت بها العرب؟ وما منزلتها في استعمالهم؟ وهل يحسن وضعها في هذا السياق؟

وتكشف المادة التي عقدها صديق حسن خان في كتابه «البلغة إلى أصول اللغة» للضعيف والمنكر والمتروك، وللمطرد والشاذ، وللغريب والمهمل، عن جانب من عناية العلماء بتمحيص العربية؛ فقد جمعوا ألفاظها، وحفظوا اختلاف لغاتها، ثم ميّزوا مراتب المرويّ منها، فتركوا للكاتب والقارئ أدوات تعين على فهم النصوص وحسن الاختيار.

والمقصود بـ«اللغات» هنا وجوه التعبير والنطق داخل العربية، وما اختلفت فيه القبائل والرواة؛ فقد تتعدد الصيغ للمعنى الواحد، وتتفاوت في الشيوع والقوة، ويحتاج المتكلم إلى معرفة هذا التفاوت قبل أن يجعل ورود اللفظ في كتاب حجةً على ملاءمته لكل مقام.

الفصاحة ومراتب الاستعمال

يبدأ الكتاب بالتمييز بين ثلاثة أوصاف متقاربة في ظاهرها، مختلفة في دلالتها: الضعيف، والمنكر، والمتروك؛ فالضعيف ما انحط عن درجة الفصيح، والمنكر أشد ضعفًا وأقل استعمالًا، حتى أنكره بعض أئمة اللغة ولم يعرفه، أما المتروك فما كان مستعملًا في القديم ثم عُدل عنه إلى غيره.

ومن أمثلة الضعيف التي يوردها الكتاب قولهم: «أَنْبَذَ نبيذًا» في مقابل «نَبَذَ»، و«واخاه» في مقابل «آخاه». ومن أمثلة المنكر «جَرَعْتُ الماء» بفتح الراء؛ إذ ينقل إنكار الأصمعي لها، وأن المعروف عنده كسر الراء. وهذه النسبة إلى عالم بعينه جديرة بالانتباه؛ لأن عبارة «أنكرها الأصمعي» تحفظ لنا موقفه من الرواية، ولا يصح تحويلها، دون استقصاء، إلى إجماع لجميع اللغويين (ينظر البلغة إلى أصول اللغة: ١/٢١٤–٢١٩).

ويكشف وصف «المتروك» عن حضور الزمن في النظر اللغوي؛ فالعربية المروية ليست ألفاظًا متساوية الحضور، وإنما فيها ما استمر استعماله، وما تراجع، وما بقي محفوظًا في الكتب بعد انحساره عن الألسنة. وحفظ اللفظ المهجور يفيد في قراءة نص قديم وفهمه، وإن لم يكن دعوةً إلى إحيائه في كل كتابة معاصرة.

ثم يعرض الكتاب ظواهر نطقية أدرجها القدماء تحت عنوان «الرديء المذموم من اللغات»، ومنها الكشكشة، بزيادة شين بعد كاف خطاب المؤنث، نحو «عليكِش»، والشنشنة، بإبدال الكاف شينًا، نحو «لبَّيْش» في «لبَّيك»، والاستنطاء، بإبدال العين الساكنة نونًا عند مجاورتها الطاء، نحو «أنطى» في «أعطى».

وتسجل هذه التسميات دقة الملاحظة؛ إذ لم يكتف العلماء بالإشارة إلى اختلاف النطق، بل وصفوا الحرف المتغير وموضعه، ونسبوا الظاهرة إلى من رويت عنهم. وينبغي فهم أحكامهم في إطار المفاضلة بين وجوه الأداء بحسب معيار الفصاحة الذي اعتمدوه، مع التمييز بين تقويم الظاهرة اللغوية والحكم على أهلها؛ فموضوع البحث هو اللفظ وطريقة أدائه.

حين يفترق القياس والاستعمال

ومن أدق ما تعرضه المادة التمييز بين القياس والاستعمال؛ فالقياس يتعلق بالنمط الذي تنتظم فيه الأبنية والتراكيب، أما الاستعمال فيتعلق بما ثبت أن العرب نطقت به. وقد يلتقيان، وقد يختلفان، ولهذا جاءت القسمة رباعية: مطرد فيهما، ومطرد في القياس قليل الاستعمال، ومطرد في الاستعمال مخالف للقياس، وشاذ فيهما جميعًا. (البلغة، ص١٠٠؛ والإحالة فيه إلى الخصائص: ١/٩٦–٩٧).

وأقرب هذه الأقسام إلى الفهم ما اجتمع فيه القياس والاستعمال، نحو «قام زيدٌ»، و«ضربتُ عمرًا»، و«مررتُ بسعدٍ»؛ فهذه تراكيب توافق النظام النحوي، ويشهد لها الاستعمال.

لكن العربية لا تُختزل في قوالب ذهنية نصنع بها كل لفظ ممكن؛ فقد يسمح القياس بصورة، ثم لا تكون هي التي جرى عليها الكلام. وفي المقابل قد يثبت لفظ يخالف ما ينتظره المتعلم من القاعدة، فيُحفظ كما ورد، ولا يُغيَّر ليوافق توقعه.

ومن أمثلة ذلك «استحوذ»؛ فقد وردت ببقاء الواو على صورتها، خلاف ما يقتضيه القياس الصرفي في نظائرها. وليس وصفها بالشذوذ القياسي حكمًا بخطئها؛ بل بيان لعلاقتها بالقاعدة، مع بقاء استعمالها الثابت حجة في موضعه. ومن هنا يقرر ابن جني أن المسموع من هذا الباب يؤدَّى كما ورد، دون اتخاذه أساسًا لتغيير ألفاظ أخرى لم تُسمع على طريقته (الخصائص، باب القول على الاطراد والشذوذ).

وهذا التمييز يحمينا من التسرع في التصحيح والتخطئة؛ فمخالفة المألوف عند قارئ لا تكفي للحكم على الكلمة، كما أن إمكان بنائها قياسًا لا يكفي وحده لإثبات تداولها. والتحقيق اللغوي يحتاج إلى الجمع بين فهم القاعدة ومعرفة الشاهد.

وتظهر هنا قيمة المصطلح الدقيق: فـ«الشاذ» لا يعني دائمًا الفاسد، و«النادر» لا يعني بالضرورة المرفوض، و«المتروك» لا يعني أنه لم يكن مستعملًا قط. ولكل وصف جهة ينظر منها إلى الكلام، وإهمال هذه الجهة قد يحوّل المصطلح العلمي إلى حكم عام لا يدل عليه.

 غرابة اللفظ وحدود البيان

وفي حديث الكتاب عن الحوشي والغرائب والشوارد والنوادر، ننتقل من انتظام الأبنية إلى وقع الألفاظ في السمع، ومدى ألفة القارئ بها. وينقل عن ابن رشيق وصف الكلام الوحشي بما ينفر عنه السمع، وتكون ألفاظه خشنة مستغربة لا يعرفها إلا المتبحر في اللغة والأعرابي القح (العمدة: ٢/٢٦٥–٢٦٦).

وليست ثمرة هذا الكلام إقصاء كل لفظ قليل التداول؛ فالغريب قد يكون ضروريًا لفهم شعر أو خبر، وقد يؤدي معنى دقيقًا في سياق مخصوص. وإنما موضع النظر هو استعماله حيث يحجب المعنى، ويحمّل القارئ مشقة لا يقابلها نفع بياني.

فمن النوادر التي توردها المادة «العَيْقَة» بمعنى ساحل البحر. ومعرفة هذه الكلمة توسع الرصيد اللغوي، لكن الكاتب الذي يخاطب جمهورًا عامًا يحتاج إلى تقدير موضعها: هل يقتضيها النص؟ وهل يدل عليها السياق؟ أم يكون التعبير المألوف أوضح وأوفى بالغرض؟ فالثروة المعجمية تمنح صاحبها بدائل، وتظهر مهارته في اختيار الملائم منها.

ويبلغ البحث مستوى آخر عند التمييز بين المستعمل والمهمل؛ إذ ليس كل تركيب يمكن تأليفه من حروف العربية لفظًا استعملته العرب. وتمثل المادة لذلك بتركيب «عَضَخ»، في مقابل «خَضَع»: فاشتراك التركيبين في الحروف لا يمنحهما المنزلة اللغوية نفسها؛ لأن ترتيب الأصوات وثبوت الاستعمال عنصران أساسيان في بناء الكلمة (البلغة، ص١٠١).

كما تتناول المادة أثر تقارب المخارج واستثقال بعض التآليف في إهمال الأبنية. وهذا يلفت إلى أن الكلمة أصوات متتابعة يؤديها اللسان ويتلقاها السمع؛ فالفصاحة متصلة بالمعنى، وبالطريق الصوتي الذي يصل به إلى المتلقي.

وهكذا تمنحنا هذه التصنيفات درسًا في القراءة والكتابة معًا: نقرأ التراث بوعي بمراتب ألفاظه، ونكتب بقدرة على التمييز بين وفرة المحفوظ وحسن المختار. فليس أقدر الناس على البيان أكثرهم استدعاءً للغريب، وإنما من عرف وجوه الكلام، ثم وضع الكلمة حيث تؤدي معناها، وتنسجم مع سياقها، وتبلغ قارئها في وضوح وجمال.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة