; مرتكزات وجوب تعلُّم اللغة العربية في الإسلام | مجلة المجتمع

العنوان مرتكزات وجوب تعلُّم اللغة العربية في الإسلام

الكاتب حامد العطار

تاريخ النشر الخميس 01-فبراير-2018

مشاهدات 230

نشر في العدد 2116

نشر في الصفحة 22

الخميس 01-فبراير-2018

تلمُّس اهتمام الإسلام باللغة العربية في حديث أو آية من القرآن ليس هو الطريق الأصوب

فلسفة الإسلام في التعامل مع اللغة تتمثل في شدة احتياج المسلمين إليها

لما كان فهم القرآن والسُّنة متوقفاً على فهم العربية كان العلم بها من أهم الواجبات

ابن تيمية: إن نفس اللغة العربية من الدين ومعرفتها فرض واجب

أغنى الله أمتنَا بلغة هي أفضل اللغات فمن تركها وتسول لغة غيره فهو متسول مستكبر عن عطية الله

عندما سكن المسلمون بلاداً أخرى عوّدوا أهلها العربية حتى غلبت على أهل هذه الأمصار مسلمهم وكافرهم

الرافعي: القرآن جنسية لغوية تجمع أطراف النسبة إلى العربية فلا يزال أهله مستعربين به متميزين بهذه الجنسية

وحَّد الإسلام القبلة فجعلها قبلة واحدة للمسلمين جميعاً شرقيهم وغربيهم يتوجهون إلى بيت الله الحرام.

وكما وحَّد قبلتهم فقد وحَّد اللغة، وأعلن أن العربية هي لسان القرآن (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ {3}) (الزخرف)، وأن القرآن هو لسان المؤمنين.

وبهذا حازت اللغة العربية شرفاً عظيماً؛ إذ نزل القرآن الكريم بلسانها المبين، فقد اصطفاها الله سبحانه لوحيه مِنْ بين لغات البشر، وفي إنزال القرآن الكريم باللغة العربية مَرْتَبَةٌ رفيعة لها.

لم يكن اختيار الله اللغة العربية لكتابه اختياراً باعتبارها لغة من اللغات، ولا بد من اختيار لغة فحسب، فقد أخبر الله تعالى أنه أنزل القرآن عربياً في سياق التمدُّح، والثناء على الكتاب بأنه مبين لم يتضمن لَبْساً، عزيزٌ لا يأتيه الباطل مِنْ بين يديه ولا مِنْ خلفه، وذلك يدلُّ دلالة ظاهرة على شرف اللغة التي أُنْزل بها.

أين الآيات والأحاديث التي أوجبت تعلم العربية؟

إن تلمس اهتمام الإسلام باللغة العربية في حديث أو آية من القرآن، ليس هو الطريق الأصوب، فإن الأحاديث التي وقفت عليها في ذلك إما ضعيفة وإما مكذوبة.

وقد كانت فلسفة الإسلام في ذلك أنه أحوج المسلمين إلى اللغة إحواجاً، ففرضها فرضاً على المؤمنين في صلواتهم وعباداتهم، وجعل الخطبة الأسبوعية التي لا تصح صلاتهم إلا بها، جعلها باللغة العربية، ومن قبل ذلك كله، كان حديث الله إليهم بهذه اللغة، وحديث نبيه صلى الله عليه وسلم بها، فأيما مسلم أراد أن يتعرف إلى كلمات الله إليه، فلا سبيل لذلك إلا بتعلم العربية، ومهما قُدّم له من تراجم لمعاني كلمات الله، فسوف تظل ألفاظاً بشرية ليس لها سطوة القرآن الذي يسطو القلوب ويأسرها أسراً.

يقول الشيخ إبراهيم السكران: حين قدمت للمجتمع الغربي أول مرة اعتنيت عناية بالغة بتتبع قصص وأخبار «حديثي العهد بالإسلام»، كنت أحاول أن أستكشف سؤالاً واحداً فقط: ما أكثر مؤثر يدفع الإنسان الغربي لاعتناق الإسلام؟ (حتى يمكن الاستفادة منه في دعوة البقية)، كنت أتوقع أنني يمكن أن أصل إلى نظرية معقدة حول الموضوع، أو تفاصيل دقيقة حول هذه القضية لا يعرفها كثير من الناس، وقرأت لأجل ذلك الكثير من التجارب الذاتية لشخصيات غربية أسلمت، وشاهدت الكثير من المقاطع المسجلة يروي فيها غربيون قصة إسلامهم، وكم كنت مأخوذاً بأكثر عامل تردد في قصصهم، ألا وهو أنهم «سمعوا القرآن وشعروا بشعور غريب استحوذ عليهم»، هذا السيناريو يتكرر تقريباً في أكثر قصص الذين أسلموا، وهم لا يعرفون اللغة العربية أصلاً! إنها سطوة القرآن الكريم.

فإذا كانت هذه سطوة القرآن معهم وهم لا يفهمون منه شيئاً، فكيف إذا فهموه؟!

ويمكننا أن نعدد أسباب أهمية تعلم اللغة العربية للمسلمين في النقاط التالية:

1- تعلم العربية اتباع للنبي العربي:

يقول الإمام الشافعي: لسان العرب أوسع الألسنة مذهباً وأكثرها ألفاظاً، وأولى الناس بالفضل في اللسان من لسانه لسان النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز -والله أعلم- أن يكون أهل لسانه أتباعاً لأهل لسان غير لسانه في حرف واحد، بل كل لسان تبع للسانه، وكل أهل دين قبله فعليهم اتباع دينه(1).

2- لا سبيل إلى فهم القرآن والسُّنة إلا بتعلم اللغة العربية:

لما كان القرآن والسُّنة المطهرة واردين بلغة العرب، وكان العلم بهما متوقفاً على العلم بها، ولا سبيل إلى طلب فهمهما من غير هذه الجهة كان العلم بها من أهم الواجبات(2).

فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغ جهده حتى يشهد به أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، ويتلو به كتاب الله، وينطق بالذكر فيما افترض عليه من التكبير، وأمر به في التسبيح والتشهد وغير ذلك(3).

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: إن نفس اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب، فإنَّ فهم الكتاب والسُّنة فرض، ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ثم منها ما هو واجب على الأعيان، ومنها ما هو واجب على الكفاية.

وهذا معنى ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عيسى بن يونس عن ثور عن عمر بن يزيد قال: «كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: أما بعد، فتفقهوا في السُّنة، وتفقهوا في العربية، وأعربوا القرآن فإنه عربي».

وفي حديث آخر عن عمر رضي الله عنه أنه قال: «تعلموا العربية فإنها من دينكم، وتعلموا الفرائض فإنها من دينكم».

وهذا الذي أمر به عمر رضي الله عنه من فقه العربية وفقه الشريعة يجمع ما يُحتاج إليه؛ لأن الدين فيه فقه أقوال وأعمال، ففقه العربية هو الطريق إلى فقه أقواله، وفقه السُّنة هو الطريق إلى فقه أعماله(4).

3- اللغة العربية شعار المسلمين:

التسول في نظر الإسلام رذيلة كبرى، يرفضها ويحاربها، فلا يجوز للغني أن يتكفف الناس، وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الصدقة لا تحل لغني ولا لذي مرة سوي» (رواه الخمسة إلا ابن ماجه والنسائي).

والصدقة الممنوعة لا تقف عند تكفف الغني أموالَ الناس فحسب، بل تمتد لتشمل تكفف الغني كلَّ ما استغنى به عن الناس، وقد أغنى الله أمتنَا بلغة هي أفضل اللغات، فمن تركها وتسول لغة غيره؛ فهو متسول مستكبر عن عطية الله إياه.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: اللسان العربي شعار الإسلام وأهله، واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون، ولهذا كان كثير من الفقهاء، أو أكثرهم، يكرهون في الأدعية التي في الصلاة والذكر، أن يدعى الله أو يذكر بغير العربية.

وأما الخطاب بالأعجمية من غير حاجة في أسماء الناس والشهور، كالتواريخ ونحو ذلك، فمنهي عنه مع الجهل بالمعنى بلا ريب.

وأما مع العلم به، فكلام الإمام أحمد بَيّنٌ في كراهته أيضاً، فإنه كره «آذرماه» ونحوه، ومعناه: ليس محرماً، وأظنه سئل عن الدعاء في الصلاة بالفارسية فكرهه، وقال: لسان سوء.

وهذا قول الإمام مالك أيضاً، فإنه قال: لا يُحْرِم بالعجمية ولا يدعو بها، ولا يحلف بها، وقال: نهى عمر عن رطانة الأعاجم وقال: «إنها خِبَّ» (المكر والغش، المدونة 1/62-63)، فقد استدل بنهي عمر عن الرطانة مطلقاً.

وقال الشافعي فيما رواه السلفي بإسناد معروف إلى محمد بن عبدالله بن الحكم قال: سمعت محمد بن إدريس الشافعي يقول: «لا نحب ألا ينطق بالعربية فيسمي شيئاً بالعجمية، وذلك أن اللسان الذي اختاره الله عز وجل لسان العرب، فأنزل به كتابه العزيز، وجعله لسان خاتم أنبيائه محمد صلى الله عليه وسلم، ولهذا نقول: ينبغي لكل أحد يَقدِرُ على تعلم العربية أن يتعلمها؛ لأنها اللسان الأَوْلَى بأن يكون مرغوباً فيه، من غير أن يحرم على أحد أن ينطق بالعجمية؛ فقد كره الشافعي لمن يعرف العربية أن يسمي بغيرها، وأن يتكلم بها خالطاً لها بالعجمية.

وهذا الذي قاله الأئمة مأثور عن الصحابة والتابعي؛ فقد روى أبو بكر بن أبي شيبة في «المصنف» (9/11) حدثنا وكيع عن أبي هلال عن أبي بريدة قال: قال عمر: ما تعلم الرجل الفارسية إلا خَبَّ (صار خَدَّاعاً)، ولا خَبَّ رجل إلا نقصت مروءته.

وقال حدثنا وكيع عن ثور عن عطاء قال: لا تعلموا رطانة الأعاجم، ولا تدخلوا عليهم كنائسهم، فإن السخط ينزل عليهم.

وهو ما جاء أيضاً عن عمر بن الخطاب قال: «لا تعلَّموا رطانةَ الأعاجِمِ» (انظر مصنف عبدالرزاق الصنعاني (1/ 411) بسند صحيح).

وفي مصنف ابن أبي شيبة: أن محمد بن سعد بن أبي وقاص سمع قوماً يتكلمون بالفارسية فقال: ما بال المجوسية بعد الحنيفية (مصنف ابن أبي شيبة (9 / 11)، رقم 6333).

التحدث ببعض الكلمات الأجنبية:

ونقل عن طائفة من التابعين أنهم كانوا يتكلمون بالكلمة بعد الكلمة من العجمية:

قال أبو خلدة: كلمني أبو العالية بالفارسية.

وقال منذر الثوري: سأل رجل محمد بن الحنفية عن الجبن، فقال: يا جارية، اذهبي بهذا الدرهم فاشتري به نبيزاً، فاشترت به نبيزاً، ثم جاءت به، يعني الجبن.

وفي الجملة: فالكلمة بعد الكلمة من العجمية أمرها قريب، وأكثر ما كانوا يفعلون إما لكون المخاطب أعجمياً، أو قد اعتاد العجمية، يريدون تقريب الأفهام عليه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص -وكانت صغيرة قد ولدت بأرض الحبشة لما هاجر أبوها- فكساها النبي صلى الله عليه وسلم خميصة وقال: «يا أم خالد، هذا سنا»، والسنا: بلغة الحبشة الحسن. (البخاري، 5845).

ورُوي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال لمن أوجعه بطنه: أشكم بدرد.

وأما اعتياد الخطاب بغير العربية التي هي شعار الإسلام ولغة القرآن، حتى يصير ذلك عادة للمصر وأهله، ولأهل الدار، وللرجل مع صاحبه، ولأهل السوق، أو للأمراء، أو لأهل الديوان، أو لأهل الفقه، فلا ريب أن هذا مكروه، فإنه من التشبه بالأعاجم، وهو مكروه، ولهذا كان المسلمون المتقدمون لما سكنوا أرض الشام ومصر ولغة أهلهما رومية، وأرض العراق وخراسان ولغة أهلهما فارسية، وأهل المغرب ولغة أهلها بربرية، عوّدوا أهل هذه البلاد العربيةَ، حتى غلبت على أهل هذه الأمصار مسلمهم وكافرهم، وهكذا كانت خراسان قديماً.

ثم إنهم تساهلوا في أمر اللغة، واعتادوا الخطاب بالفارسية حتى غلبت عليهم، وصارت العربية مهجورة عند كثير منهم، ولا ريب أن هذا مكروه.

وإنما الطريق الحسن اعتياد الخطاب بالعربية حتى يتلقنها الصغار في الدور والمكاتب، فيظهر شعار الإسلام وأهله، ويكون ذلك أسهل على أهل الإسلام في فقه معاني الكتاب والسُّنة وكلام السلف، بخلاف من اعتاد لغة ثم أراد أن ينتقل إلى أخرى، فإنه يصعب عليه، واعلم أن اعتياد اللغة يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيراً قوياً بيناً، ويؤثر أيضاً في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومشابهتهم تزيد العقل والدين والخلق(5). 

4- تعلُّم العربية يمنح الجنسية لمتعلميها:

روى الحافظ ابن عساكر، قال: جاء قيس بن مطاطية إلى حلقة فيها سلمان الفارسي، وصهيب الرومي، وبلال الحبشي فقال: هؤلاء الأوس والخزرج، قد قاموا بنصرة هذا الرجل (يعني النبي صلى الله عليه وسلم)، فما بال هذا وهذا؟ (مشيراً إلى غير العرب من الجالسين)، فقام إليه معاذ بن جبل رضي الله عنه فأخذ بتلابيبه، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بمقاله، فقام النبي صلى الله عليه وسلم مغضباً يجر رداءه حتى أتى المسجد، ثم نودي: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس فخطبهم قائلاً: «يا أيها الناس، إن الرب واحد، وإن الدين واحد، وليست العربية بأحدكم من أب ولا أم، وإنما هي اللسان، فمن تكلم العربية فهو عربي»(6).

فالحديث –على ما به من كلام من حيث السند- يدل على منح الجنسية العربية لكل من نطق بلغة العرب وجرى لسانه بها، باعتبار أن العربية هي اللسان.

يقول مصطفى صادق الرافعي: «إنما القرآن جنسية لغوية تجمع أطراف النسبة إلى العربية، فلا يزال أهله مستعربين به، متميزين بهذه الجنسية حقيقةً أو حكما».

ويقول د. طه حسين: «إن المثقفين العرب الذين لم يتقنوا لغتهم ليسوا ناقصي الثقافة فحسب، بل في رجولتهم نقص كبير ومهين أيضاً».

الهوامش

(1) الرسالة للشافعي، ص42، 46.

(2) الموافقات 2/ 64 بتصرف بسيط.

(3) الرسالة للشافعي، ص48.

(4) اقتضاء الصراط المستقيم.

(5) اقتضاء الصراط المستقيم بتصرف كبير.

(6) رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق (21/407)، والحديث قال عنه الششيخ الألباني: ضعيف جداً، انظر: السلسلة الضعيفة (2/325).

الرابط المختصر :