قراءة في البيان النبوي..
شعبان مِعراج الأعمال وبلاغة الوصل
يطل علينا شهر
شعبان كل عام كنسيمٍ عليل يمهد الأجواء لموكب النور في شهر رمضان، وشعبان في
التقويم القلبي للمؤمن ليس مجرد رقمٍ في عداد الشهور، بل محطةٌ إستراتيجية ومنصة
انطلاق، لقد كان الهدي النبوي في هذا الشهر متميزاً بكثافة العبادة وخفاء الطاعة،
وفي تضاعف أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم حول هذا الشهر تتجلى لنا بلاغةٌ نبوية
تأسر القلوب، وتكشف عن فلسفة عميقة في تزكية النفوس.
فعن أسامة بن
زيد قال: قلت: يا رسول الله، لم أرَكَ تصوم شهراً من الشهور ما تصوم من شعبان؟
قال: «ذاك شهر يغفل الناس عنه، بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب
العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم» (حديث حسن، رواه النسائي، وأحمد).
فبين سؤال أسامة
وجواب النبي صلى الله عليه وسلم تتشكل لوحة بيانية ترسم لنا خارطة الطريق لمن أراد
أن يُرفع ذكره في السماء قبل أن يدرك رمضان في الأرض.
أولاً: بلاغة السؤال والدهشة في حديث أسامة:
يبدأ المشهد
بملاحظة أسامة: «يا رسول الله، لم أرك تصوم شهراً من الشهور ما تصوم من شعبان؟».
الرصد المحبّ:
تعكس لغة أسامة دقة الملاحظة الناتجة عن القرب والمحبة، «لم أرك» نفيٌ يفيد
التقصي، والسؤال هنا ليس للاستفهام المجرد، بل هو استفهام تعجبي يستبطن طلباً
للحكمة.
المقارنة
البيانية: قوله «ما تصوم من شعبان» فيه إيجاز بالحذف، والتقدير: «صياماً مثل صيامك
في شعبان»، وهذا الأسلوب يبرز استثنائية الفعل النبوي في هذا الزمن المخصوص.
ثانياً: فلسفة «بين رجب ورمضان» وبلاغة التوقيت:
حين أجاب النبي صلى
الله عليه وسلم بقوله: «ذاك شهر يغفل الناس عنه، بين رجب ورمضان»، وضع يدنا على
ملمح بلاغي ونفسي مذهل:
1- اسم الإشارة «ذاك»:
استخدم النبي صلى الله عليه وسلم اسم الإشارة للبعيد «ذاك» بدلاً من «هذا»، وفي
هذا تعظيم لشأن الشهر ورفع لمكانته، وكأنه يقول: ذلك الشهر العظيم الذي لا تدركون
قدره.
2- عبقرية
التوسط: جملة «بين رجب ورمضان» ليست مجرد تحديد جغرافي في الزمان، بل هي تعليل
بلاغي لسبب الغفلة؛ فالناس ينصرفون إلى رجب لمكانته في الجاهلية والإسلام كشهر
حرام، وإلى رمضان لعظمته كشهر صيام، فيضيع شعبان في الزحام.
3- قيمة العبادة
في وقت الغفلة: الغفلة سهو يعتري الإنسان، والإشارة إليها تحفيزٌ بلاغي للمؤمن
ليكون من «الأقلية المستيقظة»؛ فالمؤمن الذكي هو من يتاجر مع الله حين يغفل
التجار.
ثالثاً: الاستعارة الكبرى في «رفع الأعمال إلى رب العالمين»:
ينتقل الحديث
إلى ذروة البيان: «وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين».
1- الصورة
المتخيلة: «الرفع» هنا استعارة تمثيلية لعرض صحائف العبد على الله عز وجل؛ ففيها
انتقال من عالم الشهادة (الدنيا) إلى عالم الغيب (الملكوت).
2- اختيار الوصف
«رب العالمين»: لم يقل: «إلى الله» فحسب، بل قال «رب العالمين» لاستحضار عظمة
المالك، وشمولية العرض، وهو ما يضفي مهابة على الموقف تجعل العبد يراجع حساباته
قبل التقرير السنوي لأعماله.
رابعاً: اقتران الحال بالعبادة «وأنا صائم»:
يختم النبي صلى
الله عليه وسلم حديثه بجملة حالية بديعة: «فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم».
1- إرادة
المحبة: استخدام الفعل «أحب» يخرج العمل من دائرة التكليف الثقيل إلى دائرة الطلب
المحبوب، وهو مقام عالٍ في التعبد.
2- الجملة
الحالية: «وأنا صائم» جملة اسمية جاءت حالاً، وفائدتها البلاغية «المصاحبة»؛
فالصوم جُنّة وستر، وهو العبادة الوحيدة التي نسبها الله لنفسه «الصوم لي»؛ فكأن
النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يغلف أعماله كلها بغلاف الصوم حين تُعرض على
الله؛ ليكون الصوم شفيعاً لما قد يشوب العمل من تقصير.
خامساً: تكامل الرواية.. قراءة في حديث عائشة:
عندما نقرن هذا
بحديث آخر في هذا السياق وهو حديث عائشة رضي الله عنها: «كان أحب الشهور إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم أن يصومه شعبان، ثم يصله برمضان»، تكتمل الصورة:
1- بناء العادة:
حديث عائشة يثبت المداومة؛ فكلمة «كان» تفيد الاستمرار.
2- بلاغة «الوصل»:
«يصله برمضان» تعبير يوحي بالتحام العبادتين، فالوصل –في اللغة- ضد القطع، وهو ما
يشير إلى أن شعبان بمثابة النافلة الراتبة قبل الفريضة.
3- التدريب
النفسي: من الناحية التربوية، الصيام في شعبان يُذهب عن النفس وعثاء المفاجأة
بصيام رمضان، فيدخل المسلم رمضان وهو مستعدٌ وبقوة، لا متعبٌ ومندهش.
إن التحليل
اللغوي لبعض النصوص النبوية يكشف لنا أن شهر شعبان هو شهر جرد الحسابات وترميم
القلوب، وإن بلاغة النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن لمجرد الإعجاز اللفظي، بل كانت
توجيهاً ذكياً للنفس البشرية لاستثمار أوقات الفراغ والغفلة، فإذا كان العمل يُرفع
في هذا الشهر؛ فلتكن حالنا فيه كحال المحب الذي يتزين للقاء حبيبه.
إن شعبان الجسر
الذي نعبره نحو رمضان، وبقدر ما نبذل من جهد في الوصل بينهما، يكون جني الثمار في
ليلة القدر وفي نهاية شهر الخير؛ فلنجعل من ذاك الشهر الذي يغفل عنه الناس ربيعاً
لقلوبنا، ومستودعاً لأفضل أعمالنا.
اقرأ
أيضاً:
- التجارة
الرابحة.. تجلياتُ البيانِ النبوي في فضلِ عبادةِ الخفاءِ
- روعة
الاستهلال وجوامع الكلم.. قراءة بلاغية في ثنائية الصبر والشكر
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً