بين التفقه في الدين واعتياد الخير.. وقفات بلاغية

النفس البشرية ميدان خصب للتربية والتهذيب، وهي على استعداد دائم للتأثر بما يُعوّدها الإنسان عليه؛ فتحصيل الخير ليس مجرد فعل عابر، بل هو عملية تحويل تستلزم المجاهدة والمثابرة، ليصبح الفعل الصالح جزءاً أصيلاً من السجية والطبع.

وقد أكد القرآن الكريم أهمية هذه المجاهدة كشرط للهداية والتوفيق، حيث قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69]. وقد أطلق عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم "جهاد النفس"؛ فالمداومة على الطاعة والتغلب على هوى النفس هو التمرين الروحي الذي يجعل النفس تألف أعمال الخير وتتعوَّد عليها.

وهذا ما يقرره الحديث النبوي الشريف (موضوع حديثنا) الذي رواه مُعَاوِيَةُ بن أَبِي سُفْيَانَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «‌الْخَيْرُ ‌عَادَةٌ، وَالشَّرُّ لَجَاجَةٌ، وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (سنن ابن ماجة 1/80).

وقفات لغوية ودلالية

يتميز الحديث الشريف ببناء لغوي مُحكَم يحمل دلالات عميقة حول طبيعة الخير والشر وعلاقتها بالنفس البشرية، وهذا ما يتضح من خلال ما يأتي:

أولا- دلالة الجملة الاسمية والتنكير

تتكون الجملة الأولى من شطرين، يفصل بينهما حرف العطف، هما "الْخَيْرُ ‌عَادَةٌ، وَالشَّرُّ لَجَاجَةٌ"، ومن دلالتهما:

1- دلالة الثبوت والاستقرار: استخدم الحديث الشريف الجملة الاسمية في كلا الشطرين (مبتدأ وخبر)، وهي في علم النحو تفيد الثبوت والاستقرار والديمومة. هذا الإسناد النحوي يقرر حقيقة ثابتة: أن الخير مهيأ ليصبح طبعاً راسخاً ومألوفاً للنفس إذا مارسته واعتادت عليه؛ فالنفس تألف ما اعتادت عليه حتى يصير جزءاً من سجيّتها.

2- التفريق الدلالي بين العادة واللجاجة: في المقابل، يصور الشر على أنه "لَجَاجَة"، وهي حالة من التردد وصعوبة الثبات. لا يمكن للشر أن يستقر ويدوم في النفس السوية إلا بمشقة وعناد داخلي؛ لأنه نقيض الفطرة السليمة. هذا يؤكد أن الشر ليس أصيلاً في النفس، بل هو طارئ يحتاج إلى لجاجة الشيطان والنفس الأمارة بالسوء ليتمكن من الاستمرار.

3- إيحاءات التنكير: جاءت الكلمات ("عادة" و"لجاجة" و"خَيرًا") نَكِرةً. وهذا التنكير قد يحتمل دلالتين:

- الشمول والعموم: ليشمل الخير القليل والكثير، ولينطبق على جميع أنواع العادات الحسنة واللجاجات السيئة.

- التعظيم: قد يكون التنكير هنا لتعظيم شأن الخير الذي هو الهدف الأسمى من التفقه في الدين؛ فالمَقامُ يَقتضي الإشارة إلى خير عظيم لا يحيط به الوصف المحدود.

ثانيا- الجانب الشرطي: ربط الفقه بإرادة الخير الإلهية

في الشطر الأخير: "وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ"، استخدم الحديث أسلوب الشرط وأداته (مَن). ومن دلالته:

1- عمومية الخطاب: فأداة الشرط (مَن) تفيد العموم والشمول، وهو ما يدل على أن هذا الحكم ينطبق على جميع المسلمين في كل زمان ومكان.

2- علاقة السببية والجزاء: يقرر الأسلوب علاقة سببية قوية وواضحة: إن أراد الله الخير بعبده (فعل الشرط)، كانت النتيجة الحتمية هي توفيقه للفقه في الدين (جواب الشرط).

3- الاصطفاء الإلهي: هذا يرفع مسألة التفقه من مجرد اكتساب بشري إلى هبة إلهية واصطفاء؛ فالتوفيق لفهم الدين وفقهه بعمق هو الدليل العملي على إرادة الله الخير لذلك العبد. هذا التأكيد القوي يجعل طلب العلم الشرعي عبادة تُطلب بنية خالصة لا مجرد تحصيل ثقافي.

 الأبعاد البلاغية والجمالية

يُعد هذا الهدي النبوي من أروع الأمثلة على جوامع الكلم؛ حيث يتألق البيان النبوي بجمال التعبير وقوة الإيجاز من خلال:

1- بلاغة المقابلة والطباق:

يشتمل الشطر الأول على طباقين يؤديان لتوضيح الفكرة وتأكيدها:

1.    الخير يقابل الشر.

2.    العادة تقابل اللجاجة.

وهو ما يبرز الفرق الشاسع بين طبيعة كل منهما، ويضع أمام المتلقي صورة واضحة ومؤثرة تيسر عليه التمييز بين المسارين.

2- التشبيه البليغ وعمق الدلالة:

يحتوي الحديث على تشبيهين بليغين هما قمة في الإيجاز والدلالة:

- تشبيه الخير بالعـادة: (الخير عادة). حُذف فيه وجه الشبه وأداة التشبيه، ليصبح الخير مساوياً للعـادة في سهولته وتكراره وأُلْفَة النفس له. فإذا تكرر فعل الخير أصبح طبيعيا وسجية، يُفعل دون تكلف أو مشقة.

- تشبيه الشر باللجاجة: (الشر لجاجة). هذا التشبيه يصور الشر بأنه ليس فعلاً طبيعياً ومريحاً، بل هو حالة من العناد والإصرار على الباطل تستدعي مشقة وجهداً نفسياً للاستمرار فيها، وهذا دليل على أن الشر ليس أصيلاً في الفطرة السليمة.

3- قوة البيان وعلاقة النتيجة بالسببية:

تتجلى قوة البيان في الربط بين الجملتين:

- الجملة الأولى (الخير عادة) تصف النتيجة التربوية (ترسخ الخير في النفس).

- الجملة الثانية (يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ) تصف السبب الإلهي والوسيلة العظمى لتحقيق هذه النتيجة.

فالفقه في الدين هو الذي يمنح البصيرة والمعرفة بمسالك الخير والشر، وهو الأساس الذي يمكن الإنسان من تعويد نفسه على الخير والاستمرار عليه، والوقاية من الوقوع في اللجاجة والشر.

الفقه في الدين مفتاح الخير المستديم

يُعد هذا الحديث الشريف منارةً توجيهية ودعوةً قوية للمسلم. إنه يحفز على طلب العلم الشرعي والتعمق فيه، معتبراً إياه العلامة الفارقة على إرادة الله للخير بعبده.

إن الهدف من هذه الملازمة بين الفقه والخير هو أن يتحول الإيمان إلى سلوك دائم وسجية طبيعية؛ فبفضل الفقه، يستطيع الإنسان أن يربي نفسه على كل خُلُق حسن؛ فتصبح الابتسامة المشرِقة، والكلمة الطيبة، والمنطِق العذب، عادةً لا تكلفاً.

وفي الختام، يؤكد النص النبوي على أن التفقه هو الأساس الذي يُمكّن المرء من تمييز الخير والالتزام بهدي الإسلام، ليصبح الخير متغلغلاً في الطبع ومستديماً في الحياة.

اقرأ أيضا:

-  سر الإيجاز النبوي.. 3 جمل تختصر منهج بناء الشخصية المسلمة المتوازنة

- تجليات البلاغة النبوية في حماية حقوق اليتيم والمرأة

- من التوبة إلى اليقين.. المنظومة الإيمانية والبلاغية لـ«سيد الاستغفار»

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة