آيات الحج بين فقه العمل وفقه الدعوة
القرآن الكريم أول العوامل التي أثرت في تكوين الصحابة - رضوان الله عليهم – وأعظمها، ثم تأتي من بعده العوامل الأخرى، وهي: وجود الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بشخصه الكريم فيهم، والنشأة الجديدة التي امتلأت بالحيوية، والمنهج العظيم الذي اتبعوه في تلقي الوحي.
بهذه العوامل
الأربعة بلغ الصحابة – رضوان الله عليهم - المنزلة العظيمة التي من أجلها قال الله
تعالى فيهم: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعًا
سجدًا يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في
التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب
الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرًا
عظيمًا}.
والتي من أجلها
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم: "فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا لم
يبلغ مد أحدهم ولا نصيفه".
والتي من أجلها
صاروا في الرتبة التالية بعد أنبياء الله ورسله صلوات الله عليهم وسلامه، قال ابن
مسعود رضي الله عنه: "إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد صلى الله
عليه وسلم خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب
العباد بعد قلب محمد، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه،
يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسنًا، فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئًا، فهو
عند الله سيئ".
وهذه العوامل
كلها تتوفر - بحمد الله تعالى - لأجيال الأمة التي جاءت من بعد الصحابة – رضوان
الله عليهم – إلى قيام الساعة، وإن لم يكن توفرها في هذه الأجيال -بالطبع- على ذات
الدرجة التي كانت عليها في الصحابة رضوان الله عليهم.
وقد جعل الله
جيل الصحابة قدوة لكل أجيال الأمة – وهذا السبب في وجوده في مطلعها -، والطريق إلى
تحقيق هذه القدوة هو رعاية هذه العوامل الأربعة، ومن ثم وجب على الأجيال رعايتها
أمام كل حدث من الأحداث التي تعرض لها، لا سيما عامل القرآن الكريم الذي قدمنا أنه
أولها وأعظمها.
وفي هذه الأيام
يمر بنا حدث جليل وهو موسم "فريضة الحج"، وهو موسم فيه كثير من المعاني
العلمية والتربوية في ساحة العلم وساحة العمل وساحة التبليغ، وفي هذه الحلقة ننظر
إلى هذه الفريضة من خلال آيات القرآن الكريم، لنرى – من زاويته - كيف جاء القرآن
يعيد بناء البشرية ويردها إلى الفطرة الأولى التي فطرها الله عليها في التصورات
وفي العبادات وفي السلوك، وهذه الحالة هي الحالة الوحيدة التي تصلح معها البشرية
للفوز بالدنيا والآخرة.
الآية الأولى: (يسألونك عن الأهلة)
وأول آية يمر
عليها قارئ القرآن الكريم تذكر الحج هي قول الله تعالى: (يسئلونك عن الأهلة قل
هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى
وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون}.
كان الصحابة
رضوان الله عليهم يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه في أمور دينهم،
وكانت هذه إحدى طرقهم لتعلم الدين، وكانت لهم طريقتان:
1- الملازمة،
وهي أن يرافق أحدهم النبي صلى الله عليه وسلم يومه لا يفارقه إلا لما لا بد له
منه، مثلما فعل أبو هريرة رضي الله عنه، فقد روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله
عنه قال: "يقولون: إن أبا هريرة يكثر الحديث، والله الموعد، ويقولون: ما
للمهاجرين والأنصار لا يحدثون مثل أحاديثه؟ وإن إخوتي من المهاجرين كان يشغلهم الصفق
بالأسواق، وإن إخوتي من الأنصار كان يشغلهم عمل أموالهم، وكنت امرأً مسكينًا، ألزم
رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني، فأحضر حين يغيبون، وأعي حين
ينسون.." [البخاري (2223)].
ومن لم يستطع
فعل هذا كان يلازم النبي صلى الله عليه وسلم اليوم بعد اليوم، كما فعل عمر بن
الخطاب رضي الله عنه، روى البخاري عن عمر رضي الله عنه قال: "كنت أنا وجار لي
من الأنصار، في بني أمية بن زيد، وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على
رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينزل يومًا وأنزل يومًا، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك
اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك.." [البخاري (89)].
لكن هذا لا يأمن
أن يفوته شيء، فقد أخرج البخاري عن عبيد بن عمير قال: استأذن أبو موسى على عمر،
فكأنه وجده مشغولًا فرجع، فقال عمر: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس؟ ائذنوا له،
فدعي له، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: إنا كنا نؤمَر بهذا، قال: فأتني على
هذا ببينة أو لأفعلن بك، فانطلق إلى مجلس من الأنصار، فقالوا: لا يشهد إلا
أصاغرنا، فقام أبو سعيد الخدري فقال: قد كنا نؤمر بهذا، فقال عمر: خفي علي هذا من
أمر النبي صلى الله عليه وسلم، ألهاني الصفق بالأسواق [البخاري (6920)].
ومن لم يستطع
الملازمة التامة أو الملازمة الوقت بعد الوقت فإنه كان يأتي فيسأل ويجيبه النبي
صلى الله عليه وسلم، فعن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت: يا رسول الله قل لي
في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك ـ وفي رواية: "غيرك" ـ قال: قل
آمنت بالله ثم استقم" [مسلم (38)]، وعن عائشة أنَّ أسماء رضي الله عنهما سألت
النَّبي صلى الله عليه وسلم عن غسل المحيض فقال: "تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها،
فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكا شديدًا حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم
تصب عليها الماء، ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها"، فقالت أسماء: وكيف تطهر
بها!! فقال: "سبحان الله تطهرين بها"، فقالت عائشة: كأنها تخفي ذلك
تتَّبعين أثر الدم، وسألته عن غسل الجنابة، فقال: "تأخذ ماء فتطهر فتحسن
الطهور، أو تبلغ الطهور ثم تصب على رأسها، فتدلكه حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تفيض
عليها الماء". فقالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار لم يكن يمنعهن الحياء أن
يتفقهن في الدين. [مسلم (332)].
ففي هذه الكلمة (يسألونك}
من فقه العمل: أن يسأل العبد – الرجل والمرأة – عن دينه ويتعلم علمه قبل القول
والعمل، وهو واجب بقول الله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر..} وقوله تعالى: (فاعلم أنه
لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات}، وقوله تعالى: (يا أيها الذين
آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله}، وواجب بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"طلب العلم فريضة على كل مسلم" [ابن ماجه (224) وهو حسن].
وفيها من فقه
الدعوة: أن يبرز المسؤول – المصلح والعالم والداعية - للناس، فيسهل عليهم أن يجدوه
وأن يلاقوه وأن يسألوه وأن يعوا عنه وأن يناقشوه فيما يشكل عليهم.
وفي معنى (يسألونك
عن الأهلة} قولان:
الأول: أنهم
يسألون عن الحكمة مِن خلق الأهلة، ومما وردت به الروايات من أسئلتهم عن هذا قول
أبي العالية: "بلغنا أن بعض الناس قالوا: يا رسول الله، لم خلقت الأهلة؟
فنزلت، فأخبرهم الله سبحانه وتعالى أنه خلقها لتكون معالم يوقّت ويحدّد بها الناس
صومهم، وفطرهم، وزكاتهم، وحجَّهم ومناسكهم، وعدة نسائهم، ومدد حملهن، ومدة الرضاع،
ومحل دينهم، والشروط التي تنتهي إلى أجل معلوم، وغير ذلك مما يتعلق بأمور معاشهم،
والله أعلم بما يصلح خلقه [موسوعة التفسير المأثور (6022) بتصرف يسير].
والثاني: أنهم
يسألون عن السبب في تغاير شكل الهلال خلال الشهر.
ومما وردت به
الروايات من أسئلتهم عن هذا: عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح-
في قوله: (يسألونك عن الأهلة}، قال: نزلت في معاذ بن جبل، وثعلبة بن عنمة، وهما
رجلان من الأنصار، قالا: يا رسول الله، ما بال الهلال يبدو - أو يطلع - دقيقًا مثل
الخيط ثم يزيد حتى يعظم ويستدير، ثم لا يزال ينقص ويدق حتى يعود كما كان، لا يكون
على حال واحد؟ فنزلت هذه الآية [(6020)].
ومن يتأمل
الجواب (قل هي مواقيت للناس والحج} يجده لغير السؤال المذكور، وإنما هو جواب لسؤال
آخر أهم منه، وهذا الجواب يسميه العلماء أسلوب الحكيم، وهو: إجابة السائل بغير ما
يتطلَّبه سؤاله، بتنزيل سؤاله منزلة غيره، تنبيهًا له على أن ذلك الغير هو الأولى
بالسؤال؛ لأنه هو المهم بالنسبة له.
فهنا يسأل
السائلون عن سبب اختلاف الأهلة بالزيادة والنقصان، فجاء الجواب ببيان الحكمة من
خلقها، فكأنه سبحانه وتعالى يقول لهم: إن الصواب أن تسألوا عن الحكمة والفائدة من
خلق الأهلة؛ لأن هذا هو الأليق بحالكم وهو ما أسوق إليكم الجواب عليه، لا أن
تسألوا عن سبب تزايدها في أول الشهر وتناقصها في آخره؛ لأن هذا من اختصاص علماء
الفلك، وأنتم لستم في حاجة إلى معرفة ذلك في هذا الوقت [التفسير الوسيط (1/ 403)
بتصرف].
وفي هذا من فقه
العمل: أن يسأل الرجل عما به إليه حاجة، وما ينبني عليه عمل، وما هو أولى لوقته من
غيره.
وفيه من فقه
الدعوة: أن العالم يوجه السائل إلى ما ينفعه من العلم إذا سأل عن غير ذلك وقد ورد
في الحديث ما يدل على هذا، ففي البخاري من حديث أنس رضي الله عنه أن رجلًا سأل
النبي صلى الله عليه وسلم: متى الساعة يا رسول الله؟
قال: ما أعددت
لها؟
قال: ما أعددت
لها من كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله، قال: أنت مع من
أحببت" [البخاري (5819)].
قال الكرماني:
سلك مع السائل أسلوب الحكيم، وهو تلقي السائل بغير ما يطلب مما يهمه أو هو أهم
[فتح الباري (10/ 560) السلفية].
وكان الحامل
للناس على السؤال عن الأهلة أنهم قارنوا أحوالها بأحوال الشمس، فالشمس تشرق وتغرب
على صفة واحدة لا نقصان فيها ولا زيادة، بخلاف الهلال يبدأ رفيعًا دقيقًا وينتهي
إلى اكتمال يكون فيها بدرًا مستديرًا ثم يبدأ مرة أخرى في النقصان.
ولهذا جاء
السؤال عن الأهلة: (يسألونك عن الأهلة}، وكان الجواب: (قل هي مواقيت للناس والحج}
فلماذا ربط القرآن أعمال الناس في العبادات والمعاملات والعادات بالهلال وأشهره
دون الشمس وأشهرها؛ لأن الأشهر الهلالية تعرف برؤية الهلال بمراحله من المحاق إلى
المحاق، وذلك ما لا يخفى على أحد من الناس خاصتهم وعامتهم أينما كانوا، بخلاف
الأشهر المرتبطة بالشمس فإن معرفتها تنبني على تعلم النظر في حركات الفلك والخبرة
بتفسيراتها وهي لا تتيسر إلا للعارفين بدقائق علم الفلك.
وأيضًا فإن
انتقال الهلال من حالة إلى حالة بنظام ثابت يجعل عملية إحصاء الأهلة أيسر من عملية
إحصاء أيام الشهر.
وأيضًا فإن ما
تحدثت عنه الآية إنما هو شيء من أشياء، وهو ما يحتاج الناس إليه في ظاهر الأمر من
الأهلة ويمكنهم إدراك الحكمة منه بأدنى تأمل، وسكت عما دق من أمورها لأن عقولهم لا
تحتمله يومئذ، لكن في إثارة الأمر كله إشارة للأجيال التالية أن تبحث عن تلك
المنافع وتستكشف تلك الحقائق بحسب ما يتيسر لها في زمانها من معارف ووسائل.
وفي هذا من فقه
العمل: أن يتعلم العبد المسلم ما يحتاجه من الوسائل لقيام دينه من عقائد وعبادات
وسلوك، وكذا ما يحتاجه منها لقيام دنياه (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا
تنس نصيبك من الدنيا}، وهذا باب عظيم من أبواب العلم يقع تحت اسم فروض الكفايات
ومن الأئمة الفقهاء من يعتبره أفضل من فروض الأعيان.
وفيه من فقه
الدعوة: أن نعلق الناس بما يقرب من فهومهم، وأن نحدثهم بما يعقلون مما حولهم، وأن
نخاطبهم على قدر عقولهم، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "ما أنت
بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة" [مقدمة صحيح
مسلم (1/ 9)]، وقال علي رضي الله عنه: "حدِّثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذَّب
الله ورسوله" [البخاري (127)].
وأن نخص كل فئة
منهم بالحديث المناسب لهم، فعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم
ومعاذ رديفه على الرحل، قال: "يا معاذ بن جبل".
قال: لبيك يا
رسول الله وسعديك.
قال: "يا
معاذ".
قال: لبيك يا
رسول الله وسعديك، ثلاثًا.
قال: "ما
من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، صدقًا من قلبه، إلا حرمه
الله على النار".
قال: يا رسول
الله، أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟
قال: "إذا
يتكلوا".
وأخبر بها معاذ
عند موته تأثمًا" [البخاري (128)].
وأن نسوق إليهم
اليسير من أمور الدين الصحيح ما يغنى عن العسير، فعن عائشة زوج النبي صلى الله
عليه وسلم، أنها قالت: "ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا
أخذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه"
[البخاري (3367)].
وأن نزيل
الإشكال عنهم ونسكت عما يلتبس أمره عليهم، فنعينهم على تحقيق الإيمان ونحول بينهم
وبين الشكوك والجحود والكفران.
وفي هذه الجملة
من الآية (قل هي مواقيت للناس} إشارة إلى أن الزمن ذو قيمة، وفي تسخير الله تعالى
آيتي الشمس والقمر - وهما ما هما في أجرام الخلق – لضبط الزمن دليل على أنها قيمة
عظيمة.
وفي هذا من فقه
العمل: أن ينتبه الإنسان لوقته وأن يتبصر بزمانه وأن يقبل على ملئه بالعمل الصالح
وعن أبي برزة
الأسلمي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تزول قدما عبد يوم
القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيم فعل، وعن ماله من أين اكتسبه
وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه" [سنن الترمذي (2584) وقال: هذا حديث حسن
صحيح].
وفيه من فقه
الدعوة: أن ننشر ثقافة البحث عما وراء هذه الظواهر من أسباب تغرس الإيمان في النفس
وتعزز اليقين في القلب وتقوي تعلق العبد بربه.
فهذه الظاهرة
مثلًا دليل من أقوى الأدلة على أن الشمس والقمر - وهما أعظم أجرام المجرة – سخرهما
الله تعالى لمنافع الإنسان، وفي هذا تكريم له أي تكريم (ولقد كرمنا بني آدم
وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا
تفضيلًا}، فهل يليق بالإنسان بعد هذا أن ينحط برتبته إلى أن يتخذ هذه المخلوقات
المسخَّرة له آلهة يتوجه إليها بالعبادة ويتذلل بين يديها، إنما خلق الله تعالى
الكون بما فيه للإنسان وخلق الإنسان له وحده عز وجل.
ثم يقول تعالى
في الجواب عن السؤال: (قل هي مواقيت للناس والحج}، فأخبر أن الأهلة مواقيت لكل
شيء، ومنها: العبادات، وخص الحج بالذكر للتنبيه على أنَّ الحج يقتصر وقت أدائه على
الزمن الذي عينه الله سبحانه وتعالى ولا يجوز نقله إلى وقت آخر غيره كما كانت
العرب تفعل في ظاهرة النسيء المعروفة، وهي التي أنكرها عليهم الله عز وجل في قوله:
(إنما النسيء زيادة في الكفر..} الآية.
وفي هذا من فقه
العمل: أن يقف العبد على الشرب الأول، دون زيادة أو نقص، قال الإمام مالك: "لن
يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما
جاء به جبريل إلى محمد بجدل هذا؟" [مجموع الفتاوى (5/ 29)].
وقد سئل رحمه
الله تعالى عن رجل أحرم قبل الميقات، فقال: "أخاف عليه من الفتنة، فقال: قال
تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة}.
فقال السائل:
وأي فتنة في ذلك، وإنما هي زيادة امتثال في طاعة الله تعالى؟
قال: وأي فتنة
أعظم من أن تظن أنك خصصت بفعل لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أو كما قال
[مجموع الفتاوى (20/ 375)].
وفيه من فقه
الدعوة: اهتمام العالم والداعية بالخلل ليصلحه والعيب ليقومه والنقص ليكمله، وفي
الحديث عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما بعثت
لأتمم صالح الأخلاق" [أحمد (8952) صحيح].
قدمنا أن ذكر
الحج كان من أجل أن القوم خلطوا في مواقيته فأراد الإسلام أن يضبطها، وقد تم هذا
بالفعل يوم استقر الأمر لدولة الإسلام، وقد جاء هذا الضبط بفضل الله تعالى من جهة
كونية ومن جهة شرعية، وبين هذا النبي صلى الله عليه وسلم بقوله في خطبة الوداع:
أيها الناس، إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا
عشر شهرًا، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات؛ ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر
الذي بين جمادى وشعبان" [البخاري 4385].
فقوله: إن
الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض أي: أن السنة عادت كهيئتها
الأولى بعد أن كان العرب يؤخرون المحرم عن وقته حتى يتقاتلوا في الأشهر الحرم.
وهنا فائدة أخرى
هي أن الله عز وجل قدم الحج وليس يعنى هذا تقديمه على ما سواه من أركان الإسلام
العملية التي وردت في حديث ابن عمر: "بني الإسلام على خمس.." الحديث
[البخاري (8)]. وفي حديث عمر - حديث جبريل -: "قال: يا محمد أخبرني عن
الإسلام.." الحديث [مسلم (8)].
وإنما كان ذلك
لخصوصية في الحج دونها، فإن الصلاة يعرف وقتها بالشمس والحج يعرف وقته بالهلال،
والصلاة تتكرر في اليوم والليلة خمس مرات، والزكاة والصوم وإن كانت معرفتهما
بالهلال إلا أنهما يتكرران كل عام، بخلاف الحج فإنه يكون مرة واحدة في العمر، فهو
أشد حاجة إلى الضبط الدقيق والتحري الوثيق، فكانت العناية به من أجل ذلك.
وفي هذا من فقه
العمل: أن يعنى العبد المسلم بضبط العمل خاصة ما يطرأ عليه النسيان نتيجة كثرة
فروعه وطول العهد به وبعده عن النظر بسبب المكان وغيره وهذه كلها أمور موجود
معظمها في كثير من التكاليف بصفة عامة وهي موجودة بتمامها في الحج بصفة خاصة.
وفيه من فقه
الدعوة: أن يعتني العالم والداعية ببيان المعروف المشهور وبيان الخفي الغريب ويجعل
عنايته ببيان هذا الأخير أشد، ولو كان الأول أهم وأولى.
يهتم ببيان
الخفي الغريب ليقر ويتضح ويشهر، ويهتم بالمعروف المشهور من أجل ألا يجهل ومن أجل
أن لا يضعف.
وفي الآية
الكريمة تعليم المواقيت الزمانية للحج، ومواقيت الحج والعمرة قسمان:
- مكانية، وهي
واحدة فيهما، بحسب كل جهة من شام ومصر ومدينة ويمن وغيرها، والتفصيل في هذا مذكور
في كتب الفروع الفقهية.
- وزمانية، وهي
للعمرة: السنة كلها، وللحج: أشهر شوال وذو القعدة وذو الحجة، على اختلاف في هذا
الشهر الأخير هل هو كله أو العشرة أيام الأولى فقط منه، مذكور في كتب الفروع
الفقهية كذلك.
وفي هذا من فقه
العمل: تعلم هذه الأحكام، وما يلزم لها، وما يترتب على تركها.
وفيه من فقه
الدعوة: تعليمها، والكشف عن ألوان الحكمة منها، وصد عدوان المشبهين والمشككين
عنها.
وفي زمن نزول
هذه الآية الكريمة فائدة جليلة تعرضنا لها في مقالة سابقة أكتفي بالإحالة عليها،
لئلا يطول بنا الكلام في هذه المقالة، وقد طال [https://mugtama.com/a/az6g9KYD].
وأختم بهذه
اللمحة الأخيرة في الجملة التالية من الآية، وهي قوله - عز من قائل -: (وليس البر
بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا
الله لعلكم تفلحون}.
كانت العرب في
الجاهلية إذا أحرموا للعمرة والحج من بيوتهم يمتنعون عند عودتهم عن دخول البيوت من
الأبواب، ويدخلون من أي موضع منها آخر: الأسوار، النوافذ.. إلخ فنهاهم الله عز وجل
عن هذا وأمرهم أن يدخلوا على الجادة من الأبواب، وبين لهم أن البر الحقيقي هو تقوى
الله وليس ما يفعلونه فإنه ليس من البر في شيء.
وفي هذا من فقه
العمل: الحرص على نقاء العمل من البدع والمحدثات، وفي الحديث أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" [مسلم (17)]،
وفي رواية: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" [مسلم (18)]، أي:
مردود عليه.
وفيه من فقه
الدعوة: أن يحرص العالم والداعية على العلم بواقع الناس وما يفعلون، وتوجيههم إلى
ما يجب عليهم أن يتمسكوا به منه وما يجب عليهم أن يتركوه، وفي هذا ما فيه من
معايشة أحوالهم، والاهتمام بها، وتعليم الواجب فيها من الشريعة، وقد أمر الله عز
وجل هنا بدخول البيوت من أبوابها (وأتوا البيوت من أبوابها} رغم أنها عادة من
العادات من أجل بيان أن إظهار العادات إن كان من قبيل مخالفة البدع والمحدثات فهو
مطلوب محمود.
وبهذا القدر من
فوائد هذه الآية نكتفي، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه
أجمعين.
اقرأ أيضاً:
تعريف عام بفريضة الحج 1-2
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً