وجع لا يُرى.. غزة تواجه كارثة نفسية بلا دواء ولا أطباء
يشهد قطاع غزة في السنوات الأخيرة أزمة إنسانية مركبة، لم تقتصر على الدمار المادي وفقدان
الأرواح، بل امتدت لتشكل أزمة نفسية عميقة ومتفاقمة بين السكان، فمع استمرار الحرب
منذ عام 2023م، وتدمير البنية التحتية الصحية ونقص الأدوية، أصبح المواطن الغزي
يواجه ما يمكن وصفه بكارثة نفسية صامتة، تتفاقم يوماً بعد يوم في ظل غياب الإمكانيات
العلاجية الأساسية.
والأزمة النفسية
في قطاع غزة ليست عرَضاً جانبياً للحرب، بل هي إحدى أخطر نتائجها وأكثرها استدامة،
ومع غياب الطب والدواء، تتحول المعاناة النفسية إلى أزمة إنسانية عميقة، تهدد حاضر
المجتمع ومستقبله، كما أن التعامل مع هذه الأزمة يتطلب استجابة عاجلة وشاملة،
تعترف بأن الصحة النفسية ليست رفاهية، بل ضرورة للبقاء.
وأقدم الاحتلال
«الإسرائيلي» على قصف وتدمير المستشفى النفسي الوحيد في مدينة غزة، وهذا المستشفى
كان يوفر علاجاً للحالات الحادة مثل الفصام والاضطرابات الشديدة، كما كان فيه مبيت
للمرضى ورقابة طبية مستمرة وأدوية نفسية تخصصية نادرة، وبعد تدميره ضاعت السجلات
الطبية للمرضى، وانقطع وصولهم للأدوية، والنتيجة مرضى بلا رعاية، بل وكثير من
المرضى أصبحوا في الشوارع أو مخيمات النزوح دون علاج أو متابعة.
عجز في الخدمات
وتعاني المنظومة
الصحية في غزة من انهيار شبه كامل نتيجة الحصار والحرب، فهناك نحو 50% من
المستشفيات تعمل بشكل جزئي، فيما تعرض عدد كبير منها للتدمير، كما أن هناك 299
نوعاً من الأدوية الأساسية غير متوفر في غزة، بالإضافة إلى أن هناك 52% من الأدوية
رصيدها صفر، خاصة أدوية الأمراض المزمنة، إلى جانب النقص الحاد في الكوادر الطبية
والمستلزمات العلاجية، هذا الانهيار لا يؤثر فقط على المرضى العضويين، بل ينعكس
بشكل مباشر وخطير على خدمات الصحة النفسية، التي تعد أصلاً محدودة في القطاع.
وتشير التقارير
الحديثة إلى وجود انتشار واسع وغير مسبوق في أعداد الحالات المصابة بأمراض نفسية
في غزة، نتيجة الظروف المعيشية الصعبة، حيث سجل ارتفاع حاد في الاكتئاب والقلق
واضطراب ما بعد الصدمة، فهناك نحو 71% من السكان يعانون من الاكتئاب، وحوالي 98% يعانون
من القلق، وأكثر من 93% يعانون من ضغوط نفسية مزمنة، في حين هناك أكثر من مليون
طفل يعانون من صدمات نفسية عميقة، كما أن النساء والأطفال هم الفئات الأكثر هشاشة.
هذه الأرقام
تعكس حالة صدمة جماعية مستمرة وليست مجرد اضطرابات فردية، في حين أن أسباب تفاقم
الأزمة النفسية يتمثل في التعرض المستمر للصدمات والقصف، وفقدان الأحبة، ومشاهدة
الموت، والإصابات والإعاقات الدائمة، والخوف الدائم من الموت.
تفاقم الأزمة النفسية
في سياق ذلك،
يقول د. عايش سمور، مدير مستشفى الطب النفسي في غزة سابقاً: يعاني غالبية السكان
في غزة من ضغوط وآثار نفسية متفاقمة، تؤثر بشكل سلبي على مجريات حياة المواطنين
اليومية، لا سيما الرجال والنساء، حيث انتشرت حالات العنف والقتل والتفكك مؤخراً
داخل المجتمع الغزي، وهذا ناجم عن تعرض المواطنين لضغوط نفسية.
وأشار، في حديثه
لـ«المجتمع»، إلى أن هناك عجزاً كبيراً في تقديم الرعاية للمرضى، بسبب غياب
المراكز المختصة، حتى الأدوية النفسية، هناك شح كبير في العديد من الأصناف المهمة،
إلى جانب تدمير المستشفى النفسي الوحيد في غزة، الذي يعد من أخطر مظاهر الأزمة
الإنسانية الحالية؛ لأنه لا يتعلق فقط بمبنى دُمر، بل بانهيار كامل لمنظومة رعاية
شديدة الحساسية.
كما أن استمرار
الوضع الحالي على ما هو عليه، فإن غزة قد تواجه جيلاً كاملاً يعاني من اضطرابات
نفسية مزمنة، وهو ما سيؤدي إلى تراجع القدرة على التعلم والإنتاج، وتفكك اجتماعي
وأسري، وزيادة العنف المجتمعي.
وبين أن هناك
العديد من الأسباب المهمة التي تزيد من إصابة المواطنين بالأمراض النفسية، وهي
العيش في مراكز إيواء تفتقر للخصوصية والخدمات، إلى جانب فقدان العديد من أرباب
الأسر مصدر دخلهم، وصعوبة توفير الغذاء ومستلزمات عائلاتهم، هذا الوضع يعزز مشاعر
القلق والعجز وفقدان السيطرة.
وأوضح أن هناك
العديد من التوصيات والحلول للحد من تفاقم الأزمة، من خلال إدخال الأدوية النفسية
بشكل عاجل، ودعم برامج الصحة النفسية كأولوية إنسانية، وحماية المنشآت الصحية،
وإنشاء مراكز دعم نفسي، وتأهيل كوادر محلية في الدعم النفسي الأولي، ودمج الدعم
النفسي في المدارس ومراكز الإيواء.
تكثيف جهود الدعم النفسي
وتحاول مؤسسات
دولية تنفيذ مشاريع دعم نفسي للرجال والنساء والأطفال خاصة داخل مخيمات النازحين،
أو من خلال إنشاء نقاط طبية، من أجل تفريغ الضغوط الواقعة عليهم، حيث تعمل الكوادر
على تقديم برامج توعية للحد من أخطار العنف، التي تسببها الضغوط النفسية المتراكمة.
تقول الاختصاصية
النفسية براء جديلي: هناك انتشار واسع في أعداد الحالات المصابة بالضغوط النفسية،
وبالأخص ممن دمرت بيوتهم وفقدوا أفراد عائلاتهم، حيث تشهد غزة حالات متزايدة في الانفصال
بين الأزواج، نتيجة العنف الأسرى وعدم قدرة أرباب الأسر على التكيف مع الواقع
الصعب.
وأشارت، في
حديثها لـ«المجتمع»، إلى أن غياب الأطباء والدواء النفسي يؤدي إلى تفاقم الحالات
النفسية البسيطة، ويزيد من الاضطرابات المزمنة، وزيادة السلوكيات الخطرة مثل العنف
أو الانعزال ارتفاع، واحتمالات الانتحار وفقدان القدرة على التكيف لدى الأفراد
والأسر، كما أن نقص أدوية الأمراض الجسدية كالسكري والضغط يزيد العبء النفسي، إذ
يعيش المرضى في خوف دائم من تدهور حالتهم أو الموت، في حين بعض الحالات تحتاج إلى
مراقبة مستمرة، لتجنب إيذاء النفس أو الآخرين، لكن غياب مراكز المبيت والمتابعة
يفاقم الأزمة.
وتوضح أن النازحين
يواجهون مستويات عالية من اليأس والعجز، وغياب الدعم النفسي والاجتماعي، في حين أن
الفئات الأكثر تضرراً الأطفال، وتتمثل معاناتهم في اضطرابات نوم وكوابيس وتبول لا
إرادي، وسلوك عدواني، وفقدان الشعور بالأمان، ثانياً النساء، وتتمثل معاناتهن أيضاً
في ضغوط نفسية مضاعفة، بسبب مسؤوليات الأسرة وارتفاع معدلات القلق والاكتئاب.
اقرأ أيضاً:
حين يصبح الغسيل معركة.. مأساة مرضى الكلى في غزة تتفاقم
حين يصبح العلاج حلماً.. مرضى السرطان في غزة يواجهون المصير وحدهم
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً