حين يصبح الغسيل معركة.. مأساة مرضى الكلى في غزة تتفاقم
تعد أمراض الكلى
من أكثر الأمراض المزمنة التي تتطلب رعاية صحية متواصلة وأبرزها الفشل الكلوي،
الذي يحتاج فيه المريض إلى جلسات غسيل منتظمة للبقاء على قيد الحياة، ففي غزة تضاعف معاناة مرضى الكلى نتيجة الحصار ونقص الأدوية والانقطاعات المتكررة
للكهرباء، وتضرر المرافق الصحية بسبب العدوان المتكرر.
وبين أنين
المرضى وصافرات الأجهزة المتهالكة، تحولت أقسام غسيل الكلى في مستشفيات غزة إلى
محطة وداع بلا عودة، في ظل تكدس أعداد كبيرة من المرضى وعدم توفر العلاج الكافي
لهم، وصعوبة استيعاب أجهزة الغسيل الأعداد الكبيرة من المرضى، الذين يتوافدون إلى
أقسام الغسيل المتهالكة، حيث يحتاج مريض الكلى إلى 3 جلسات أسبوعياً لمدة تزيد على
ساعتين، لكن قلصت هذه الجلسات لعدد كبير من المرضى.
وشكل تدمير
الاحتلال كافة مستشفيات شمال غزة بما فيها المستشفى الإندونيسي وكمال عدوان
والعودة، أزمة كبيرة على مرضى الفشل الكلوي، حيث يعمل مستشفى الشفاء وحده على
تقديم خدمات الغسيل الكلوي للمرضى، ويتوافد جميع مرضى الشمال على المجمع الذي يعمل
فيه 34 جهاز غسيل كلوي، بعضها متهالك ويحتاج إلى صيانة دورية.
مرضى الكلى في غزة.. بين الألم والموت البطيء
ومنذ بدء حرب الإبادة، فقَدَ أكثر من 150 مريض فشل كلوي حياتهم، بسبب تراجع المستشفيات عن تقديم
جلسات الغسيل والعلاج بشكل منتظم للمرضى، بسبب شح الأدوية والمحاليل الخاصة
بالغسيل، إلى جانب انقطاع الكهرباء المتكرر عن المستشفيات ونقص إمدادها بالوقود،
فيما لا تزال هناك خطورة كبيرة على حياة العشرات من المرضى، الذين يجدون صعوبة في
تنظيم جلسات الغسيل أسبوعياً.
داخل مجمع
الشفاء الطبي، يعمل قسم غسيل الكلى على استقبال عشرات الحالات يومياً، وذلك في
ظروف إنسانية صعبة للغاية، وفقدان العديد من المرضى وعيهم على أبواب غرف الغسيل،
بعد الانتظار لساعات طويلة دون وجود حلول لسد العجز في الخدمات المقدمة للمرضى،
نتيجة الحصار «الإسرائيلي» المتواصل وتدمير الاحتلال القطاعات الصحية.
المواطن أبو
سليم، مريض يعاني من فشل كلوي منذ 7 سنوات، تزداد حالته الصحية تدهوراً بشكل كبير،
بعد أن قلص القسم الطبي عدد أيام جلسات الغسيل له، بسبب الضغط الكبير على الأجهزة،
إلى جانب عدم توفر العلاجات الكاملة، وهو ما تسبب بخلل في جسده وتراكم الأملاح،
وحدوث حالات إغماء وفقدان للوعي.
يقول، في حديثه
لـ«المجتمع»: في الأوقات الطبيعية قبل الحرب، كنت أحصل على 3 جلسات غسيل أسبوعياً،
من خلالها أواصل روتين حياتي بشكل طبيعي مع الالتزام بتناول العلاجات اللازمة بشكل
منظم، أما اليوم فقد تم تقليص جلسات الغسيل إلى يومين، ومع نقص الأدوية تدهور وضعي
الصحي.
ولفت إلى أنه يتمنى
الموت في كل لحظة بدلاً من الأوجاع والإرهاق الذي يعاني منه في كل لحظة، بسبب ضعف
الخدمات الصحية وعدم توفر غذاء صحي في غزة، واعتماد السكان على المعلبات في تناول
الطعام، وهذه المعلبات تهدد حياة الإنسان الطبيعي وغير المريض بالخطر، فأما عن
مريض الفشل الكلوي، فإن تكرار تناول تلك المعلبات يهدد حياتنا كمرضى نعاني من ضعف
المناعة بالموت.
أجهزة متهالكة وأدوية مفقودة
حال المريض أبي
محمد أسوأ من سابقه، فهو يأتي إلى المستشفى من خلال سيارة الإسعاف، بسبب عدم قدرته
على الوقوف والمشي، نتيجة تدهور وضعه الصحي لعدم توفر العلاج الخاص به، وتقليص
ساعات وأيام جلسات الغسيل الخاصة به، حيث يعيش أبو محمد في ظروف صعبة، ويتخوف من
فقدان حياته في أي لحظة، في ظل صعوبة تلقي العلاج بشكل منتظم.
يقول، في حديثه
لـ«المجتمع»: الوضع الصحي في غزة منهار بشكل كامل، ولا أحد يستجيب لصرخات المرضى
في غزة، الذين يموتون في كل لحظة بسبب ضعف الخدمات وعدم توفر الأدوية، والضمير
العالمي ما زال صامتاً وغائباً، لا سيما مرضى الفشل الكلوي الذين حياتهم معلقة
بجلسات الغسيل، إن توفرت بقوا على قيد الحياة وإن توقفت غابوا عن الحياة.
وأشار إلى أن غرف
الغسيل الكلوي في مستشفى الشفاء غير مؤهلة بشكل كامل لراحة المرضى، بل أن الأسرّة
والأجهزة متهالكة، ويعاني المرضى خلال فترة جلوسهم الطويلة من آلام وأوجاع، لكن
هذه الأسرّة السبيل الوحيد لإنقاذ حياتهم من السموم التي تغزو أجسادهم.
انهيار المنظومة الصحية
في سياق ذلك، يقول
الطبيب في قسم غسيل الكلى محمود الأسمر: إن المنظومة الصحية في غزة تعاني من
انهيار حاد، بسبب تعمد الاحتلال «الإسرائيلي» تدمير المستشفيات والمرافق الطبية،
إلى جانب منع أصناف عديدة من الأدوية الخاصة بأصحاب الأمراض المزمنة من الدخول إلى
غزة، وهذا كرس من معاناة المرضى، وفقَدَ الكثيرون حياتهم نتيجة الإجراءات العقابية
التي تمارسها «إسرائيل» بحق المدنيين العزل.
ويشير، في حديثه
لـ«المجتمع»، إلى أن أجهزة غسيل الكلى غالبًا تعمل فوق طاقتها الاستيعابية وبإمكانات
محدودة، نتيجة زيادة عدد المرضى ونقص الفلاتر والأنابيب والمواد المعقمة اللازمة
لكل جلسة، وتآكل الأجهزة وعدم استبدالها نتيجة الحصار «الإسرائيلي»، فيزيد من
معاناة المرضى ويهدد ذلك بفقدان حياة العديد منهم.
وبين أن أعداد
المرضى آخذة في الارتفاع مقابل ثبات أو تراجع عدد الأجهزة والكادر الطبي، حيث يتم
تقليص مدة الجلسة أو عدد الجلسات الأسبوعية لعدد من المرضى؛ ما يؤدي إلى تراكم
السموم في الجسم طول ساعات الانتظار، كما أن الإرهاق الجسدي والنفسي للمرضى يزيد
من تدهور أوضاعهم الصحية.
وتظهر معاناة
مرضى الكلى في غزة مدى هشاشة النظام الصحي تحت الظروف الإنسانية الصعبة، وتبرز
الحاجة الماسة إلى دعم عاجل ومستدام يضمن توفر العلاج والأدوية والأجهزة اللازمة،
كما إن تحسين أوضاع هؤلاء المرضى ليس مسؤولية إنسانية فحسب، بل هو حق أساسي من
حقوقهم في الحصول على رعاية صحية آمنة وكريمة.
اقرأ أيضاً:
الأسوأ في قطاع غزة لم يأت بعد!
من قسم «الأورام» بغزة.. «المجتمع» توثق معركة إيمان ضد السرطان والفقْد
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً