شذرات من عناية الأمويين بالقدس وعمارة «الأقصى»
في المقالين السابقين، تناولنا فتح بلاد الشام وبيت المقدس، وسلطنا الضوء
على العهدة العمرية، كما استعرضنا دور الصحابة رضي الله عنهم في القدس وفلسطين،
واستجابتهم لإشارات النبي صلى الله عليه وسلم في السكنى ببيت المقدس، وعمارة
مسجدها المبارك.
وفي هذا المقال، نسلط الضوء على عناية الدولة الأموية بالقدس، والدور الذي مارسه معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه في الاهتمام بالمدينة وعمارتها، خاصة أنه كان واليًا على بلاد الشام طيلة عهدي عمر، وعثمان، رضي الله عنهما، ثم بايعه أهل الشام بالخلافة في بيت المقدس.
دولة مترامية الأطراف
تأسست الدولة الأموية عام 661م، واتخذت مدينة دمشق عاصمةً لها، واتسعت حدود
الدولة الإسلامية خلال العهد الأموي بشكلٍ كبير، فقد امتدت من شواطئ المحيط
الأطلسي غربًا وصولًا إلى نهر السند شرقًا، واقتربت من قلب غربيّ أوروبا بعد
انسياح المسلمين في الأندلس، ولكن علاقة الأمويين بالقدس بدأت مع الفتح العمري
للمدينة.
فقد كان كل من يزيد بن أبي سفيان، وأخيه معاوية، ممن حضر الفتح، وامتدت
فترة الحكم الأموي في القدس بين عامي 40ه/661م و132هـ/ 750م، وخلال تلك السنوات،
اكتسبت المدينة أهمية كبيرة، فمع نقل عاصمة الخلافة من المدينة المنورة إلى مدينة
دمشق، أصبحت مدينة القدس أقرب إلى حاضرة الخلافة، وحظيت بعناية مباشرة من خلفاء
بني أمية وأمرائهم، وشهدت اهتماماً على الصعد الإدارية والعمرانيّة.
ويرى عدد من المؤرخين بأن الأمويين تعاملوا مع القدس على أنها عاصمة
سياسيّة وإدارية لدولتهم، فقد اختارها معاوية بن أبي سفيان لتلقي بيعة أهل الشام
بالخلافة، كما أنشأ الأمويون في القدس قصورًا ملاصقة للمسجد الأقصى، وطوروا شبكات
الطرق داخلها، التي تصلها بالمدن الإسلامية الأخرى، وكانت درة أعمالهم في المدينة
عمارة المسجد الأقصى، وما ضمه المسجد من روائع عمرانية.
من الفتح العمريّ إلى الاهتمام الأمويّ
إثر ضم الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه مدينة القدس، بدأ مع
كبار قادته ترتيب شؤون المدينة وأوضاعها، فأعاد إعمار المسجد الأقصى، الذي يُعدّ
من أوائل المساجد التي بناها المسلمون في بلاد الشام، وأمّر على القدس يزيد بن أبي
سفيان يأتمر بأوامر أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم، وبعد وفاة يزيد بن أبي
سفيان تولى معاوية البلقاء والأردن وفلسطين وأنطاكية وقلقيلية وغيرها من مدن الشام.
وتُشير الروايات إلى أن عمر رضي الله عنه جمع الشام كلها لمعاوية قبل وفاته
نحو 21هـ/ 641 م، وهو ما يُشير إلى سيرة معاوية الحسنة في سياسة شؤون البلاد، فقد
كان عمر شديدًا على ولاته، وأقام معاوية على القدس عاملًا وهو سلامة ابن قيصر،
واستمر معاوية واليًا على بلاد الشام في خلافة عثمان بن عفان (35-24هـ/ 656-644م)،
وبدأ اهتمام معاوية بالقدس منذ أن كان أميرًا على المدينة.
معاوية يعمّر القدس
على أثر تسلّم معاوية الخلافة عام 41ه/ 661م، تلقى بيعة الشاميين للخلافة
في القدس، تأكيدًا على أهميتها وموقعها، فعن عمرو بن عثمان عن جابر قال: «اجتمع
الناس ببيت المقدس، قد هموا أن يبايعوا معاوية بيعة على ما اجتمعت عليه الأمة»،
وذكر ابن عساكر (ت 571 هـ) أن وفدًا من أهل العراق قدموا على معاوية فقال: مرحباً
بكم وأهلاً، قدمتم خير مقدم، قدمتم على خليفتكم وهو جنة لكم، وقدمتم أرضاً بها
قبور الأنبياء، وقدمتم الأرض المقدسة وأرض المحشر، وجاء في الآحاد والمثاني من
رواية أبو عمير عن أبو ضمرة قال: «بويع معاوية رضي الله تعالى عنه سنة أربعين ببيت
المقدس».
واهتم معاوية بالقدس اهتمامًا كبيرًا، إن من حيث الإدارة والتنظيم، أو
الاهتمام بالعمارة والبنيان، فحرص على تطبيق العهدة العمرية، كان للمسيحيين في
القدس موقع مميز، حافظوا فيه على كنائسهم وعباداتهم، بالعهد الذي أعطاهم إياه عمر
بن الخطاب، وفي سياق فرض الأمن والأمان في المدينة، حرص معاوية على تقوية أسوار
القدس، ففي عهده كان يحيط بالقدس سور قويّ، عليه 84 برجاً، وله 6 أبواب، منها 3
للدخول والخروج في الشرق والغرب والشمال من المدينة، وازدهرت التجارة في المدينة.
وبحسب المؤرخين، فقد استقرّ معاوية في القدس فترةً من الزمن، قبل انتقاله
إلى دمشق، إذ يذكر الإمام الذهبي (ت 748هـ) بأن الخوارج حاولوا اغتيال معاوية في
القدس بعد خروجه من الصلاة، وأورد أبو داود في سننه، في الحديث المرفوع عن يَعْلَى
بْنِ شَدَّادِ بْنِ أَوْس قَال: شَهِدْتُ مَعَ مُعَاوِيَة بَيْت المَقدِس
فَجَمَّعَ بنَا فَنَظَرْتُ، فَإِذَا جُلُّ مَنْ فِي الْمَسْجِد، أَصْحَابُ
النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
العمارة الأولى لـ«الأقصى»
تُشير الروايات التاريخية إلى وصف المسجد الأموي في هذه الفترة من الحكم
الأمويّ، في نحو عام 50هـ، بأنه مبني من ألواح الخشب وجذوع الأشجار، وذو أعمدة
عظيمة، وهو في شكله ومساحته على هيئة مربع يتسع لنحو 3 آلاف من المصلين، وتؤكد هذه
الرواية اهتمام الأمويين بعمارة «الأقصى»، على نمط عمارة المساجد في ذلك الزمن،
والإشارة إلى عدد المصلين الذين يستوعبهم المسجد دلالة على عظيم حجم البناء
المسقوف من مساحات «الأقصى»، إذا قيس بمعايير المساجد الأخرى الموجودة في ذلك
الزمن.
من المظاهر التي تعززت في عهد الأمويين، وخصوصًا مع اتساع رقعة الدولة،
الإحرام بالحج أو العمرة من المسجد الأقصى، وقد ذُكر ذلك عن عددٍ من الصحابة، وكان
حجاج المغرب الإسلاميّ والأندلس يقصدون القدس للإحرام منها في رحلتهم إلى حج بيت
الله الحرام.
ولم تقتصر أهمية بيت المقدس عند المركزية الدينيّة أو الحضاريّة فقط، بل
كان لها موقع سياسيّ مميز انبثق من مكانتها وموقعها، فمن مظاهر تعظيم خلفاء بني
أمية لمدينة القدس تعيين ولاة أكفاء عليها، واختيار صفوة الأمراء ممن سيتقلد
الخلافة لاحقًا، من أمثال عبدالملك بن مروان، وسليمان بن عبدالملك، إلى جانب عددٍ
من كبار رجال الدولة الأموية من أمثال عمر بن سعيد الأنصاري، الذي ولاه معاوية
إمارة القدس، وابن مجدل الكلبي خال يزيد الأول على عهد يزيد بن معاوية، وفي خلافة
عبد الملك بن مروان وابنه الوليد وصلت القدس إلى ذروة المكانة والاهتمام، وهو ما
سنتحدث عنه في المقال القادم بعون الله تعالى.
________________
1- مسند الإمام أحمد.
2- سنن أبي داود.
3- الحافظ ابن كثير، البداية والنهاية نسخة إلكترونية.
4- أبو عبدالله عمر الواقدي، فتوح الشام، نشر دار الجيل نسخة إلكترونية.
5- مهند حسن، تاريخ القدس عبر العصور، كنوز المعرفة، الأردن، 2010.
6- عارف العارف، تاريخ القدس، دار المعارف.
7- عبدالهادي العجمي، القدس ومكانتها التاريخيّة، المجلة العربية للعلوم
الإنسانية، عدد 289.