بين الواقعية والمثالية

قرة عين الديار الشامية المرحوم د. مصطفى السباعي له كلمة هادفة يقول فيها: «لا تعامل الناس على أنهم ملائكة فتعيش مغفلاً، ولا تعاملهم على أنهم شياطين فتعيش شيطاناً، ولكن عاملهم على أن فيهم بعض أخلاق الملائكة وكثيراً من أخلاق الشياطين»(1)، وهذه الكلمة جادت بها قريحته بعد طول خبرة وحنكة، وممارسة ودربة، وهي على وجازتها تعد من أسس التعامل مع الناس.

ففي الناس خير وشر، وجمال وقبح، فيهم الناصح والفاضح، فيهم اللص وشاهد الزور، وفيهم التقي النقي الوقور، فيهم من يتعامل بأخلاق المخلصين، وفيهم من يتعامل برذائل الشياطين، فاقبل الناس على ما هم عليه بواقعية لا بمثالية، باستقلالية لا تبعية؛ قال تعالى: (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (الأنفال: 63)؛ يقول صاحب «الظلال» رحمه الله: «لقد وقعت هذه المعجزة التي لا يقدر عليها إلا الله، التي لا تصنعها إلا هذه العقيدة، فاستحالت هذه القلوب النافرة، وهذه الطباع الشموس إلى هذه الكتلة المتراصة المتآخية الذلول بعضها بعضاً، المحب بعضها بعضاً، المتآلف بعضها مع بعض بهذا المستوى الذي لم يعرفه التاريخ، كما تشهد الأمة التي بناها على الحب أنها لم تكن مجرد كلمات مجنحة، ولا مجرد أعمال مثالية فردية، إنما كانت واقعاً شامخاً قام على هذا الأساس الثابت بإذن الله، الذي لا يقدر على تأليف القلوب هكذا سِواه»(2)، فسبحان من جمع القلوب بفضله، وعلى رحاب الود ألف بينها!

وأعرض عن الجاهلين

مجاراة السفهاء شر وبلاء، ومساواة بالجهلة الأغبياء، والعاقل أذكى من أن ينشغل بالرد على القيل والقال وسيئ القول والفعال، ومن الوصايا النافعات والآيات النيرات آية مباركة جمعت قواعد الشريعة في المأمورات والمنهيات، اشتملت على ثلاثة أوامر ربانية لم تبق حسنة إلا حوتها، ولا فضيلة إلا أرشدت إليها، ولا مكرمة إلا أتت عليها ونبهت عليها؛ (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (الأعراف: 199).

عن ابن عباس قال: قدم عيينة بن حصن، فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس -وكان من النفر الذين يدنيهم عمر- وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته -كهولاً كانوا أو شباباً- فقال عيينة لابن أخيه: يا بن أخي، لك وجه عند هذا الأمير، فاستأذن لي عليه، قال: سأستأذن لك عليه.

قال ابن عباس: فاستأذن الحر لعيينة، فأذن له عمر رضي الله عنه، فلما دخل عليه قال: هي يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل؛ فغضب عمر حتى هَمَّ أن يوقع به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين، قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)، وإن هذا من الجاهلين، والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافاً عند كتاب الله، عز وجل(3).

هذه أخلاق الكبار في المعاملة مع الصغار، فإياك أن تجاري السفيه في قيله وقاله، بل نزّه عرضك عن سماع ما لا يرضيك من ساقط القول ومرذوله.

بين الإيجابية والإمعية

كلنا بشر نخطئ ونصيب، فلا تتعامل مع الناس بمثالية زائفة، بل بواقعية متجردة؛ «فكل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون» (أخرجه الترمذي، 2499)، وليس معنى قبول الناس على ما هم عليه عدم نصحهم، وترك محاولة تغيير سلوكهم وتهذيب أخلاقهم، فالمؤمن له شخصية مستقلة يتجنب الهفوات ويعفو عن الزلات إرضاء لرب البريات.

قال تعالى: (وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (النحل: 76)؛ في الآية الكريمة مقارنة بين شخصين متناقضين في المجتمع تراهما بجلاء وتلمس آثارهما بوضوح، والفرق بينهما كالفرق بين الحي والميت، وبين الظلام والنور، وبين الظل والحرور؛ أحدهما سلبي (كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ)، والآخر إيجابي (يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ)؛ وشتان بينهما!

فالمسلم الإيجابي لا تنضب أفكاره، والسلبي لا تنضب أعذاره، والإيجابي طاقة فاعلة يصنع الأحداث، والسلبي طاقة راكدة تصنعه الأحداث، والإيجابي يرى في العمل والجد أملاً، والسلبي يرى في العمل والاجتهاد ألماً.

رحم الله السباعي الألمعي، صاحب الفهم الذكي، والنظم الأدبي في ميدان تجاربه البهي، والحمد لله بدءاً وختاماً، وصلاة على رسول الله وسلاماً.




___________________

(1) هكذا علمتني الحياة، ص209.

(2) في ظلال القرآن (2/ 1548).

(3) تفسير القرآن العظيم (2/ 1250). 

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة