فتحي غانم.. الكتابة الروائية من معجم الواقع إلى معجم الفن

فتحي غانم.. الكتابة الروائية من معجم الواقع إلى معجم الفن

في تجربة الممارسة الفنية بصفة عامة ارتقاء، محاولة لإيجاد عالم بديل أو لو شئنا قلنا عالما يوازي سياق الواقع، بمفردات ذات حضور مختلف، يأتي هذا تحت مظلة هي أشبه بقانون: الفن لا ينقل الواقع بطريقة حرفية ولكن بطريقة جمالية، هذه الجمالية تحتاج إلى البحث في جذورها الفلسفية وقوفا على محتواها الأيديولوجي، في محاولة لتفسير كنه العملية الفنية التي تقف عليها ذات توصف بأنها مبدعة على مستوى الصياغة الشكلية والدلالة(1).

فتحي غانم في عالم المرجع الواقعي

وفتحي غانم أحد أعلام السرد الروائي في عصرنا الحديث، الوقوف عند تجربة الكتابة عنده تأتي من هذه البوابة الحتمية، ألا وهي سيرته في عالم المرجع الواقعي التي تمارس سطوتها عليه وعلى غيره فيما يخرج من عوالم تنتمي إلى سياق الفن:

  • المولد بالقاهرة في العام 1924م.
  • تخرج في كلية الحقوق جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليا) عام 1944م.
  • عمل بالصحافة في مؤسسة روز اليوسف، ثم انتقل منها إلى جريدة الجمهورية، وعاد إلى روز اليوسف ثانية حتى وفاته في عام 1999م(2).

أهم رواياته “ الرجل الذي فقد ظله ” رواية من أربعة أجزاء، قامت على طباعتها دار الهلال بالقاهرة، كل جزء ترويه إحدى شخصيات الرواية: مبروكة الخادمة، و سامية الفنانة الشابة، وناجى رئيس التحرير، و يوسف عبدالحميد السيوفي الصحفي الشاب الذي تدور أحداث الرواية عنه، وقد باع نفسه ليصل على حساب أصدقائه اليسارين القدامى، وتُروى القصة من ثلاث وجهات نظر أخرى خلاف يوسف بطل الرواية، إنها الصورة التي قدمها فتحي غانم عن الشخصية الإقطاعية التي سبقت الثورة وقد تحولت إلى فيلم يحمل الاسم نفسه عام 1968 من بطولة كمال الشناوي و يوسف شعبان و وجيه شريف وصلاح ذو الفقار وماجدة الصباحى ومحمود يس ونيللي ومحمد وفيق و نظيم شعراوي سيناريو وحوار على الزرقاني وإخراج كمال الشيخ.

بين الرمز والواقع

ولا شك في أن الرمز الذي يميز اللعبة الفنية برمتها القائمة على الخيال تمنح هذه اللعبة ومن يمارسونها إبداعا قدرة على تشكيل معاجم خاصة بمفردات ودلالات مغايرة لما هي عليه في الواقع، كثير من كتاب القصة والرواية مارسوا مهنة الصحافة القائمة على مسألة التفاعل النشط مع الواقع وقضاياه؛ ومن ثم فإن معالجتهم له تنطلق من خطين متوازيين، الأول: تقديم أطروحات مباشرة بعيداً عن لعبة القناع والمراوغة، الثاني: تقديم معالجات فنية ترتقي فوق هذه الدلالات المباشرة وتسعى إلى إعادة تشكيل هذا الواقعي برؤى ذات طابع عمومي، معتمدة في ذلك على لعبة الرمز والقناع، وتوظيف ما هو كائن في عالم المرجع من شخصيات وأفكار وإعادة إنتاجها من جديد، في عملية يمكن تلخيصها في هذا القول: الفن رحلة انتقال/عروج مما هو خاص محدد في عالم الواقع الذي خرجت منه تجربة المبدع إلى ما هو عام غير محدد يصلح للاستمرار في أفضية زمانية ومكانية وثقافية مغايرة على مستوى الفن؛ فلو افترضنا أن الفكرة الموجودة في عالم الواقع وتتم صياغتها فنا كلمة معرفة بأل، فإننا في الفن نجردها من أل العهدية التي تلتصق بها في واقعها، ونجعلها نكرة تتسم بسمة العموم والانتشار/الشمول(3).

تلك الأيام.. والرجل الذي فقد ظله

وإلى جوار روايته الرجل الذي فقد ظله التي تجعل الحدث والفكرة الكائنة وراءه في مرمى رؤى متعددة يتقدم من خلالها، وذلك من خلال شخصيات العمل التي تتولى مهمة الحكي تأتي روايته " تلك الأيام"؛ فقد نشرت الرواية على حلقات في مجلة "روز اليوسف" عام 1963 ثم في سلسلة "الكتاب الذهبي" التي كانت تصدر عن المؤسسة، وسافر فتحي غانم إلي الخارج تاركا الرواية لتطبع ليفاجأ بعد عودته أن مدير تحرير "الكتاب الذهبي" قام باختصار نصف الرواية تقريبا قبل نشرها ودون الرجوع إليه. بعدها بفترة قام فتحي غانم بنشر الرواية كاملة في سلسلة "كتاب الجمهورية"، في طبعة محدودة.. موضوعها يناقش العلاقة الغريبة التي ربطت بين كاتب يعمل في خدمة السلطة وأحد الإرهابيين المعتزلين؛ تروي أزمة كاتب ومؤرخ وأستاذ جامعي مرموق يشعر أنه فقد شجاعته وقدرته على قول الحق ويشعر بالخزي في عيون زوجته الشابة زينب التي كانت طالبة لديه، ويعكس هذا القلق "الوجودي" الذي يعاني منه الدكتور سالم عبيد حالة كثير من المثقفين في تلك الفترة التي أعقبت فشل مشروع الوحدة وصعود الديكتاتورية وإرهاصات الهزيمة القادمة، وهي الفترة نفسها تقريبا التي كتب خلالها نجيب محفوظ روايات "اللص والكلاب" ( 1961) و"السمان والخريف" (1962) و"الشحاذ" (1964) كما أن فتحي غانم كان قد سبق "تلك الأيام" ب"الرجل الذي فقد ظله" عام 1961.

المثقف والإرهابي.. العجز والتمر

في "تلك الأيام" تتردد أيضا شخصية المثقف الذي فقد ظله، ولكنه هنا أكثر وعيا بأزمته ورغبة في الخلاص، وفي سعيه إلي هذا الخلاص يلجأ إلي "إرهابي" معتزل...مع ضرورة الانتباه إلي أن كلمة "إرهابي" في ذلك الوقت كانت تعني شيئا مختلفا تماما عما تعنيه اليوم، وبالتحديد كان يوصف بها الشباب المنتمون إلي الحركات اليسارية والفوضوية وكذلك الإخوان المسلمين وغيرهم من الذين يئسوا من إمكانية الحصول على الاستقلال بالمفاوضات واعتمدوا العنف والاغتيالات وسيلة في نضالهم ضد الإنجليز والملكية. يلجأ سالم عبيد إلي الإرهابي اليساري عمر النجار ليساعده في تأليف كتاب عن هذه الحركات الثورية التي انتشرت خلال الأربعينيات وحتى قيام ثورة يوليو...هؤلاء "الإرهابيون" الذين قام رجال الثورة باستبعادهم من الحياة السياسية وفرض الاعتزال المبكر عليهم أو وضعهم في السجون، هؤلاء الذين قال عنهم الرئيس جمال عبد الناصر في "الميثاق الوطني" عام 1962 زمن الرواية المرجعي: " لم تكن هذه هي الثورة وإنما كان ذلك التمهيد لها.

كانت تلك هي مرحلة الغضب التي تمهد لاحتمالات الثورة لأن الغضب مرحلة سلبية. والثورة عمل إيجابي" هذا هو أيضا رأي الدكتور سالم عبيد المؤرخ في الحركات "الإرهابية" كما يرد بالنص في الرواية منقولا عن "الميثاق"، والقراءة المنطقية للرواية تدين هذا الرأي لأن سالم عبيد يشعر أنه منافق، ومن الطريف أن فتحي غانم يشير إلي أن رجال الثورة عرضوا عليه إدارة "دار التحرير" الصحيفة عام 1966 "لتكوين منبر حر يؤدي إلي إعادة كتابة الميثاق على وجه ديموقراطي"، من الواضح، إذًا، أن النقد المبطن الذي تحمله الرواية قد وصل إلي السلطة وأنهم _ بشكل جاد أو ساخر _ طلبوا منه أن يشارك معهم في تعديل هذا الميثاق! سالم عبيد يلجأ إلي "الإرهابي" عمر النجار لسبب آخر شيطاني، وهو أنه يعلم أن زوجته النقية سوف تقع في حب هذا الشاب النقي، وهو يمهد لهذه العلاقة بينهما لسبب عجيب هو أنه يرغب في الموت ولا يجرؤ عليه، ولذلك يرى أن عمر النجار سينفذ له هذه الرغبة ويقتله للحصول على زوجته...ولكن ما لا يعلمه سالم عبيد هو أن عمر النجار أصبح عاجزا عن الجنس وعن القتل، وعندما يتواجه الاثنان في النهاية يعجز كل منهما عن قتل الآخر وعن أخذ زينب لنفسه، وهو ما يشير إلي المصير الذي آلت إليه كل القوي السياسية في مصر...وتشريح هذا العجز سيكون أيضا موضوع رواية "زينب والعرش" التي كتبها عام  1972م؛ ومن ثم فإن أفكار مثل: الوصولية، الإحساس بالعجز، المنحنى النزولي للشخصية الذي يجعلها تتحرك في عملية نزيف قيمي من مرتبة مثالية عالية إلى مراتب دونية.

وغيرها من الأفكار التي تطرحا رواية مثل: تلك الأيام- ذلك البناء اللغوي الناقص الذي يبحث عن إكمال، هل هو قوله تعالى "نداولها بين الناس"؟- تمثل مفردات مميزة للواقع الإنساني عموما، وتوظيف ما هو راهن محدد على مستوى اللحظة والمكان يأتي من بوابة الانطلاق بحثا عن العمومية التي ينشدها كل خطاب يرجو لنفسه حضورًا متواصلا، ومساحة من الانتشار الأفقي يحطم بها عتبة المحلية الضيقة(4).

الربط السياقي والارتهان للواقع

إن المعالجات الواقعية التي تتوسل بخطاب المباشرة تبقى دوما أسيرة الراهن الزماني والمكاني في إنجازها؛ لذا فإن قراءتها والحكم عليها يقتضي دوما الربط السياقي بينها وبين ملابسات اللحظة الواقعية التي خرجت فيها، أما المعالجات التي تتوسل بالفن فإنها ترنو دوما الانعتاق والتحرر من براثن ما هو واقعي على مستوى اللغة والرؤية إلى البحث عن مساحات أوسع وآفاق أبعد للحركة تتيح لها الالتحام بفضاءات للتداول بمعزل عن الذات المؤلفة وخصوصية تجربتها، بحكم ما تحمله من رموز تتجاوز أبعاد الزمان والمكان المحدودين إلى أطر تواصلية ترى فيما تحمله من رموز قابلة للقراءة وللتأويل(5).

الهوامش
  • 1 انظر: د. أحمد يحيى علي، هوية النص بين شخصية الأديب وشخصية الناقد، إبريل 2020م، الرافد الرقمي، دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة.
  • 2 www.wekipedia.org.
  • 3 انظر: د. أحمد يحيى على وآخرون، أعلام القصة العربية مجلد الجزء الثالث والرابع، الطبعة الأولى، 2014م، دار الآداب، القاهرة.
  • 4 المرجع السابق.
  • 5 انظر: د.أحمد يحيى علي، النص والقارئ وإنتاج المعنى، عدد يناير 2022م، مجلة ميريت، القاهرة.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة