بالفساد والدعم الأمريكي.. كيف فاز انقلابيو الأرجنتين بمونديال 1978؟!
بضوء أخضر من أمريكا، قاد الجنرال الدموي خورخي فيديلا انقلاباً عسكرياً في 24 مارس 1976م، أطاح بالرئيسة المنتخبة للأرجنتين، آنذاك، إيزابيلا بيرون، وتولى الحكم من خلال ترؤسه لمجلس عسكري ابتداء من 29 مارس 1976م، حيث عاشت البلاد سنوات وصفتها المنظمات الحقوقية بالسوداء أثناء حكمه، وقتل -وفق منظمات حقوقية- مقتل ما بين 15 و30 ألف شخص.
تظهر وثائق أمريكية رفعت عنها السرية أن إدارة «جيرالد فورد» و«CIA» كانتا على علم مسبق بالانقلاب العسكري في الأرجنتين عام 1976م؛ حيث التقى السفير الأمريكي بقادة الجيش الذين أكدوا قرب تدخلهم، ورغم تحذيرات الخارجية لوزيرها، آنذاك، هنري كيسنجر، من انتهاكات واسعة مرتقبة لحقوق الإنسان، فضلت واشنطن، كعادتها تأييد الانقلاب الدموي، وأعطى كيسنجر الضوء الأخضر للانقلابيين لحسم الأمر سريعًا، من خلال تصريح قال فيه: «إذا كان هناك ما يجب فعله، افعلوه بسرعة»، في إشارة إلى حملة القمع التي عُرفت لاحقًا بـ«الحرب القذرة».
وفور وقوع الانقلاب، سارعت الولايات المتحدة بالاعتراف بالنظام العسكري ودعمه سياسيًا، متجاهلة تقارير مأساوية عن اختفاء عشرات الآلاف من المعارضين.
غسيل الدم بالكرة
لم يكن مونديال الأرجنتين عام 1978م مجرد حدث رياضي يترقبه عشاق الساحرة المستديرة، بل كان بؤرة قذرة تجلت فيها أبشع صور الفساد السياسي والرياضي المشترك، فقد استغل الدكتاتور فيديلا البطولة العالمية كأداة دعائية كبرى لتبييض صورته الملطخة بالدماء، مستندًا إلى دعم أمريكي سافر تجسد من خلال شركات العلاقات العامة الكبرى، وحضور شخصيات أمريكية وازنة مثل ثعلب السياسة الخارجية هنري كيسنجر، وصولاً إلى إبرام صفقات مالية وسياسية مشبوهة خلف الكواليس لتأمين الفوز باللقب بأي ثمن.
وفيما يلي رصد لبعض الحقائق الدامغة التي تؤكد حدوث الفساد الممنهج بدعم ورعاية أمريكية:
أولاً: تلميع الإرهاب بأموال عامة وشركات أمريكية:
تعاقد النظام العسكري الأرجنتيني مع شركة بيرسون ومارستيلر الأمريكية مقابل 500 ألف دولار لتلميع صورته دولياً، وهدفت الحملة لتقديم المونديال كواجهة حضارية براقة تعكس استقراراً مزعوماً، بغرض التعمية على المجازر وحملات القمع والتعذيب الوحشية ضد المعارضين.
ثانياً: فضائح وصفقات مشبوهة خلف الكواليس:
تجسد الدعم السياسي الأمريكي السافر في حضور وزير الخارجية السابق هنري كيسنجر، شخصياً لمباريات البطولة، ولم يقتصر دوره على التواجد الشرفي في المنصات، بل تجاوز ذلك إلى دخوله المثير للجدل لغرفة ملابس منتخب بيرو قبل مباراتهم الشهيرة والحاسمة ضد الأرجنتين، هذا المشهد اعتبره المؤرخون والمحللون الرياضيون بمثابة ضغط سياسي مباشر وتوجيه مبطن لصالح أصحاب الأرض؛ ما أضفى طابعاً سياسياً صارخاً على مجريات اللعبة.
وقد كشفت وثائق رسمية رفعت عنها السرية لاحقاً عن وجود اتفاق سياسي واقتصادي سري بين الحكومتين الأرجنتينية والبيروفية تضمن تزويد بيرو بشحنات ضخمة من القمح وقروض مالية ميسرة من الأرجنتين، مقابل تسهيل خسارة منتخب بيرو في تلك المباراة الشهيرة بنتيجة ثقيلة وغريبة بلغت 6–0، هذه النتيجة بالتحديد كانت الرقم السحري المطلوب الذي أهّل الأرجنتين مباشرة للنهائي على حساب غريمتها التقليدية البرازيل، في واحدة من أكبر فضائح التلاعب في تاريخ المونديال.
ثالثاً: بروباجندا موجهة وميزانيات فلكية:
تحت شعار «الأرجنتينيون نحن شعب مستقيم وإنساني»، أطلق النظام العسكري الحاكم حملة دعائية واسعة النطاق ومدروسة بدقة، وقد حظيت هذه الحملة بدعم لوجستي وفني كبير من شركات إعلامية وإعلانية غربية متواطئة، تم من خلالها توجيه العدسات وتزييف الحقائق لإخفاء معالم الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والاعتقالات القسرية التي بلغت ذروتها تزامناً مع إقامة البطولة العالمية.
وأنفقت الطغمة العسكرية المجرمة في الأرجنتين ميزانية خرافية بلغت حوالي 700 مليون دولار أمريكي لتنظيم هذا الحدث، وهذا المبلغ يعادل 4 أضعاف ما أنفقته دولة مثل إسبانيا على تنظيم مونديال 1982م اللاحق، وقد كان الهدف الحقيقي من هذا الإنفاق المرعب إبهار الرأي العام العالمي، ودعم شرعية المنقلبين في الأرجنتين.
رابعاً: إرهاب وقمع في ظلال الملاعب:
في تناقض صارخ ومأساوي يعكس قسوة المشهد، أقيمت بعض أهم مباريات البطولة على بعد أقل من ميل واحد فقط من مدرسة الميكانيكا البحرية الشهيرة التي كانت تُستخدم في ذلك الوقت كأكبر سجن سري ومركز تعذيب وإبادة تابع للنظام العسكري، فبينما كانت الجماهير تهتف وتصفق للأهداف في المدرجات، كان المعارضون يتعرضون لأبشع أنواع التنكيل والقتل على بعد أمتار قليلة، في مفارقة مرعبة تلخص كيف وظفت الرياضة لدفن الصراخ.
خامساً: تلاعب تنظيمي وتواطؤ من المؤسسات الرياضية الدولية:
مارس النظام نفوذه بقوة على اللجان التنظيمية لتغيير مواعيد جدول المباريات، بحيث كانت الأرجنتين تلعب جميع مبارياتها في الفترة المسائية بعد معرفة نتائج منافسيها المباشرين بشكل مسبق، هذا التلاعب الفج منح أصحاب الأرض ميزة رياضية وتكتيكية غير عادلة، حيث دخلوا المباريات وهم يعلمون تماماً كم الأهداف المطلوبة بدقة للتأهل؛ ما نسف مبدأ تكافؤ الفرص في بطولة دولية.
ورغم تصاعد الصيحات والاحتجاجات الدولية العارمة المطالبة بمقاطعة البطولة أو نقلها بسبب السجل الأسود للنظام في ملف حقوق الإنسان، اختار الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) غض الطرف وتجاهل تلك الأصوات تماماً، وبدلاً من حماية قيم الرياضة، منح «فيفا» الدكتاتور فيديلا ونظامه منصة عالمية ذهبية مجانية لتلميع صورتهم واستغلال الشغف الشعبي بالكرة لتثبيت حكمهم الاستبدادي.
ما أشبه الليلة بالبارحة!
والآن تعيد قرارات الحكم الفرنسي المنحازة والمتحاملة على مصر في مباراتها مع الأرجنتين، وحرمان الفريق المصري من ركلة جزاء مستحقة وإلغاء هدف زيكو الصحيح، للأذهان اتهامات «فيفا» بالمحاباة والفساد، ولا شك أن هذا الانحياز الفج يربط ما حدث مع الفريق المصري بالجذور البنيوية لتسييس كرة القدم وتوظيفها كأداة نفوذ.
فاستقراء مونديال 1978 يثبت كيف تحولت البطولة بفسادها التنظيمي وتلاعبها بالنتائج إلى واجهة لتثبيت نظام الدكتاتور فيديلا العسكري الدموي، عندما نال الانقلابيون حينها دعماً أمريكياً خبيثاً انساب عبر شركات العلاقات العامة وحضور كيسنجر للتغطية على سفك دماء الأبرياء وحجب المجازر خلف هتافات المدرجات.
سيبقى ذلك المونديال شاهداً تاريخياً قاتماً على المدى الذي وصل إليه تداخل المصالح السياسية القذرة، والفساد الدولي، واستغلال الرياضة لشرعنة الاستبداد وصناعة أبطال مزيفين على حساب النزاهة الكروية.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً