قراءة في منجز الأستاذ الدكتور سعد مصلوح النقدي
قد يبدو هذا العنوان غريبا للوهلة الأولى؛ فسعد مصلوح هو أحد أبرز علماء اللسانيات والدراسات اللغوية الحديثة خاصة الأسلوبية الإحصائية، وهو شديد الاعتزاز بهذا التخصص الدقيق، ويذكر ذلك في أكثر من موضع وفي كثير من المناسبات. يقول في مقالة له بعنوان: لست ناقدا بنيويا ولا في نيتي أن أكون:" أعتز بانتمائي إلى المدرسة اللغوية المعاصرة، وأوثر دائما أن أحسب في عداد اللغويين المتخصصين، على أن أعد من هواة النقاد" (مصلوح: في النقد اللساني، ص 209).
والحق أن الذي يقرأ هذا النص قراءة دقيقة، يدرك أن مصلوح يرفض هذا النوع الساذج والسطحي من النقد، الذي يكتفي فيه الناقد بالملاحظة العابرة والوقوف عند تخوم النص، والتصدي للنصوص الأدبية دون ضوابط ومعايير علمية صارمة وواضحة المعالم، تجعل من الناقد حكمًا وقاضيًا ومفسرًا دون منهج واضح ومحدد. أما النقد بمعناه الصحيح والدقيق والمنضبط، فقد سَخَّرَ مصلوح كل مواهبه ومعارفه وذوقه الخاص لتأصيله وتثبيت أركانه، وكان أبرز ما قام به في هذا الصدد، توظيفه وتطويعه لعلم اللغة وعلم الأصوات خاصة، بما يملكانه من دقة وقدرة على انضباط المنهج ودقة الوسائل، ولا شك أن حق العالم اللغوي – كما يقول مصلوح – في معالجة النصوص الأدبية وتفسيرها ثابت ومشروع كحق المتخصصين في العلوم الإنسانية الأخرى، بل إن علم اللغة هو الأقرب إلى طبيعة الأدب من علم النفس وعلم الاجتماع. (السابق: ص 209).
ويشير مصلوح في أكثر من دراسة إلى خطورة اعتماد الناقد على الذوق الشخصي في فحص النصوص، والركض وراء التفسيرات النفسية والاجتماعية وغيرها من المناهج التي لا تأتي عادة من داخل النص الأدبي، ويرى أن هذه القضية من أخطر القضايا التي تواجه دارسي الأدب في العصر الحديث، وليس قضية الحداثة أو غيرها من القضايا التي تثار من وقت لآخر، ومن ثم يجب على أهل العلم والتخصص أن يتنادوا لدراستها والبحث عن حلول لها قبل أن يستفحل خطرها، وقد اعتمدت إسهاماته في هذا المجال على تطبيق المنظور الإحصائي عند تحيل النصوص، باعتباره أداة منهجية ووسيلة مهمة تساعد الناقد على عقلنة التذوق، وعلمية التناول، والتسويغ المنطقي للأحكام، والتفسير المنضبط للظاهرات الأدبية. (سعد مصلوح: في النص الأدبي، ص 12).
سجال المنهج: تفنيد تحفظات صلاح فضل على الأسلوبية الإحصائية
ويعد كتابه (الأسلوب: دراسة لغوية إحصائية)، من أهم الدراسات الداعية إلى تطبيق هذا المنهج العلمي في تحليل النصوص الأدبية، وقد أثار هذا الكتاب عند صدوره العديد من النقاشات الجادة حول المنهج، لعل من أهمها ما دار بين المؤلف والناقد المعروف الدكتور صلاح فضل، فقد أبدى فضل العديد من التحفظات على منهج الأسلوبية الإحصائية عند مصلوح، وكانت تحفظاته على منهج الأسلوبية الإحصائية هي الأكثر وضوحا، وقد فندها مصلوح جميعا وقام بالرد عليها في كتابه: (في النقد اللساني: دراسات ومثاقفات في مسائل الخلاف)، وأنا أعتبر هذا الكتاب واحدا من أهم الكتب في مسائل الحجاج وتفنيد آراء الخصوم بطريقة علمية هادئة وعميقة ومجدية، ولا غنى عنه لمن أراد أن يتعلم فن الحوار والمناقشة ونقض الأفكار بصورة واضحة وجلية، حيث ينصب اهتمامه فيه على القضية وليس على الشخص أو الانتصار لوجهة نظره بأي ثمن، وهو يذكر في مقدمة هذا الكتاب أن اختلافه مع خصومه لا يخرج عن إطار من السماحة وإيثار روح المودة، وهذا نابع من احترامه للعقول التي أنتجت هذه الأفكار، كما أنه يقتفي في ذلك أثر السلف وأئمة العلم الذين أُثِر عنهم مثل هذا القول: رأينا هذا صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب. (انظر: مصلوح: في النقد اللساني: ص 8).
ومن أهم تحفظات صلاح فضل على الأسلوبية الإحصائية ما ذكره عن: جفاف المنهج، وبدائيته، وعجزه عن كشف الإيقاعات والإيحاءات والتأثيرات النفسية والموسيقية الدقيقة، كما اعتبرها نظرية ذات طابع سلبي وتصادر على المطلوب، ولا تتسم بالشمول والإحاطة بكل جوانب العملية الإبداعية. وقد فند مصلوح هذه المزاعم؛ فذكر تجربته الشخصية في هذا المجال، حينما قام بدراسة الاستعارة في أشعار البارودي وشوقي وأبي القاسم الشابي، منوها إلى أن حساب معامل (بوزيمان) الذي أقام على أساسه كتابه: الأسلوب، قد راعى الفروق القائمة بين الرسالة المنطوقة والمكتوبة، وبين الفصحى واللهجة المحلية، وبين الذكورة والأنوثة، وبين صغر السن وتقدمه، كما راعى الفروق من جهة الجنس الأدبي ونوع الخطاب وسمات الشخصية، وكل أولئك عوامل من صميم مكونات السياق. (انظر: في النقد اللساني: ص 176)، كما أن الفحص الأسلوبي يقوم عادة على اختبار عدد محدود من المتغيرات الأسلوبية، قد يقل حتى يكون واحدا لا غير، وقد يتعدد إلى ما شاء الباحث، أما الفحص الشامل الذي ينشده فضل وغيره فأمر غير وارد بالكلية. (السابق: ص 178).
ويؤكد مصلوح على أنه لا سلطان للفاحص على النص، حتى يفترض فيه الاتساق والتجانس أو يفرضهما عليه؟ إن الباحث يفحص النص ولا يبدعه. كما أن هناك فرقا جوهريا بين الإحصاء اللغوي والإحصاء الأسلوبي، لا يفطن إليه كثير من الباحثين؛ فالأول يجريه العلماء لأغراض تعليمية ونفعية مختلفة؛ كإعداد قوائم المفردات الشائعة، أما الإحصاء الأسلوبي فهو لا يقنع بالكشف عن هذا التكرار الظاهري الساذج. (السابق: من ص 179 – 181).
أما عن الطابع السلبي أو المصادرة، فيوضح مصلوح أن هناك خلطا بين المصادرة والفرض العلمي، فالمصادرة في الأصل مغالطة، بينما الفرض العلمي قضية يسلم بها الباحث في أول بحثه ليتخذها أصلا يستخرج منه جملة من القضايا. والحقيقة أن تحفظات فضل جاءت مكتظة بالعموميات والإطلاق والأحكام المرسلة، وهو ما كشفه مصلوح في رده وفنده بطريقة علمية ماتعة. (انظر: السابق: ص 189).
ومن اللافت حقا، أن فضل رغم معارضته لمنهج الأسلوبية الإحصائية كما ذكرنا، قد عاد وطبقها في بعض دراساته وتحليلاته، ومنها تحليله لرواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ، الذي نشره في كتابه (شفرات النص). فمن أجل البت في مسألة التوافق والتخالف بين النص الروائي عند محفوظ والنصوص الدينية، قام صلاح فضل بدراسة المشاهد القصصية في الفصل الأول التأسيسي، وعددها ثلاثة وعشرون مشهدًا، فوجد أن نصوص التوافق هي ستة مشاهد فقط، أما باقي المشاهد وعددها سبعة عشر مشهدًا، فهي مادة روائية بكر، ابتدعها خيال الكاتب دون أن تكون خلفها أية عناصر تراثية، بل تتمتع بحرية قصوى في التوصيف والتوظيف، كما أن النصوص القليلة الأخرى التي تتوافق مع النصوص الدينية من الممكن تأويلها في ضوء البنية الكلية لتتمتع باستقلالها، وخلص فضل من ذلك إلى أن رواية أولاد حارتنا هي عمل إبداعي بكر لا يستنسخ النص الديني كما يذهب كثير من النقاد، معتمدا في ذلك على منهج الأسلوبية الإحصائية. (انظر: فضل: شفرات النص، ص 277)، ولعل في هذا ما يؤكد على تأثير منهج الأسلوبية الإحصائية الذي يعد مصلوح من أوائل الداعين لتطبيقه في حقل الدراسات الأدبية والنقدية، في كبار النقاد ودارسي الأدب رغم معارضة كثير منهم له في البداية.
معايير القياس الموضوعي: نحو علمية دراسة الأدب
ويستحق كتاب الأسلوب وقفة مطولة ودراسة متأنية للوقوف على أهميته وريادته في هذا الباب، فعلى الرغم من صغر حجمه، لكنه يمتاز بالوضوح ودقة المنهج وإحكام الصنعة، على العكس من كثير من الكتابات التي طرقت هذا الموضوع واكتنفها الغموض وغلفت لغتها عجمة حالت دون فهمها ووضوح رؤيتها. يؤكد مصلوح في بداية هذه الدراسة على الاختلاف الجوهري بين القارئ العادي ومن يتصدى لدراسة الأدب، فالأدب فن ولكن دراسته يجب أن تكون علما منضبطا، له معاييره الموضوعية في القياس والوصف والاستنباط، وعنده أن المنهج اللغوي هو الأقدر على القيام بذلك، حتى نتجنب التعميمات والأحكام الجاهزة والمقولبة. (انظر: مصلوح: الأسلوب دراسة لغوية إحصائية، ص 29).
ولأن العمل الأدبي هو رسالة لغوية في جوهره، فإن النفاذ إلى أسراره وفض مغاليقه لا يتم إلا من خلال تحليل لغته، أما استخدام مصطلحات وأوصاف لا يمكن ضبطها مثل: جزالة الألفاظ وسلاسة الأفكار وقوة العاطفة وجدة المعنى وغير ذلك من الأوصاف، فيراها مصلوح غير دقيقة، وغامضة، ولا يمكن التأكد من صحتها أو الاحتكام إليها. وقد شاعت هذه الأحكام في كتابات كثير من النقاد، حتى أولئك الذين يُعرَفون بتكوينهم العلمي المميز. (السابق: ص 31).
ويأخذ مصلوح على كثير من النقاد ودارسي الأدب اهتمامهم المفرط بالمضمون في العمل الأدبي، حتى إذا عالجوا لغة النصوص الأدبية استخدموا تعبيرات ذاتية مرنة، لا ترقى أن تكون مصطلحات علمية دقيقة، ويكمن علاج هذا العيب الخطير عنده في علم الأسلوب الذي لا يراه بديلا للنقد بالكلية، ولكنه يجب أن يكون إجراء أساسيا لدى الناقد، وأداة يقوم من خلالها بأداء مهمة الوصف والتحليل الدقيق. السابق: ص 33
إن دراسة المعايير الموضوعية من خلال القياس الكمي والتحليل الإحصائي للنصوص أمر وارد وممكن، حيث تمتاز النصوص باستخدام صيغ معينة وتبرز بها سمات لغوية واضحة، كالوحدات المعجمية، وإيثار تراكيب أو مجازات بعينها، وغير ذلك من الصيغ التعبيرية التي يمكن قياسها، فحين تحظى هذه السمات بنسب عالية من التكرار أو ترتبط بسياقات معينة، تصبح خواصَّ أسلوبية، وتكون بذلك معيارا موضوعيا منضبطا قادرا على تشخيص النزعات السائدة في نص معين. (السابق: ص 34).
ويرى مصلوح أن هذه المعايير يمكن أن تتحقق من خلال تطبيق معادلة (بوزيمان) التي يميز فيها بين النصوص الأدبية وغيرها من النصوص، وذلك من خلال مظهرين من مظاهر التعبير؛ هما التعبير بالحدث والتعبير بالوصف، فقد لاحظ (بوزيمان) أن الإنسان الشديد الانفعال يتميز بزيادة عدد كلمات الحدث أو الأفعال على عدد كلمات الوصف، كما أن اللغة المنطوقة تمتاز بالانفعال وكثرة الحدث عن اللغة المكتوبة. (السابق: ص 75)، وقد قام مصلوح بتطبيق هذه المعادلة عند طه حسين في كتاب الأيام ومستقبل الثقافة في مصر، وعند العقاد في حياة قلم، ولاحظ وجود فروق جوهرية بين الأسلوبين، ينعكس على نسبة الأفعال إلى نسبة الصفات لدى الكاتبين؛ ذلك أن أسلوب العقاد في كتابته أسلوب كتابي خالص، أما أسلوب طه حسين فيقع وسطا ما بين أسلوب الحديث وأسلوب الكتابة، نظرا لأن جميع كتبه مملاة بطبيعة الحال. (السابق: ص 90).
المختبر الإحصائي: آليات قياس الثراء المعجمي والتنوع الأسلوبي
ويعرض مصلوح لمفهوم الأسلوب أو بالأحرى لمفاهيمه حسب المذاهب المختلفة؛ إذ يتجلى لدى بعضهم في قدرة الكاتب على الاختيار أو الانتقاء، سواء كان هذا الانتقاء نفعيا مقاميا أو انتقاء نحويا، يُؤْثِر فيه الكاتب كلمة أو تركيبا بعينه، وينصرف مصطلح الأسلوب عند الكثيرين إلى النوع الثاني عادة، كما يُنظَر للأسلوب من زاوية ما يتولد لدى المتلقي من ردود فعل، وكذلك من زاوية المفارقة أو الانحراف عن النمط المعياري واللغوي، وغير ذلك من المفاهيم. ويكمن السبب في اختلاف هذه المفاهيم إلى نظرة كل فريق إلى جانب أو زاوية من زوايا العملية الإبداعية؛ فالذين ركزوا على العلاقة بين المنشئ وبين النص التمسوا مفاتيح الأسلوب في شخصية المنشئ، والذين اهتموا بالعلاقة بين النص والمتلقي التمسوا مفاتيح الأسلوب في ردود الأفعال والاستجابات التي يبديها القارئ، وهناك من عزل المنشئ والقارئ ورأى وجوب التماس مفاتيح الأسلوب في وصف النص وصفا لغويا، وهذه المناهج الثلاثة في نظر مصلوح هي مناهج متكاملة أكثر من كونها بدائل. (السابق: ص 46).
كما أنه بإمكان أي نمط من تلك الأنماط، أن يكون أساسا للبحث ولكن وفق شروط وضوابط محددة؛ منها قدرة هذا النمط على وصف التنوع في اللغة، وأنْ تتوافر له صفة الاتساق، وأن يكون وافيا بالمراد، فيمكنه وصف جميع معالم الأسلوبية الداخلة في مقارنة النصوص، وأن يسمح بالتمييز بين القواعد الجبرية والقواعد الاحتمالية في لغة النصوص. (السابق: ص 49).
وقد طبق مصلوح هذا المنهج في أكثر من بحث، منها على سبيل المثال: (قياس خاصية التنوع في الأسلوب عند العقاد والرافعي وطه حسين)، وذلك بغرض البحث عن الثراء المعجمي لدى هؤلاء الكتاب الكبار، والوقوف على كيفية استخدامهم خاصية التنوع بين مفرداتهم. ولضمان الحصول على نتائج دقيقة اختار مصلوح نصوصا متساوية الطول: جاء النص في حدود ثلاثة آلاف كلمة تقريبا، وتنتمي معظمها إلى مجال الأدب الإسلامي – وإن كان ذلك ليس شرطا ضروريا كما يرى مصلوح لأنه يبحث عن ثراء المعجم والأسلوب بصرف النظر عن طبيعة الموضوع – وأما طريقة قياس تنوع المفردات، فقد طبق مصلوح طريقة (و. جونسون)، وذلك من خلال قياس نسبة الكلمات المتنوعة التي أسماها "الأنماط" إلى المجموع الكلي للكلمات وهو ما يعرف بـ "التحققات"، وذلك في حدود العينة المختارة. فلو افترضنا أن لدينا نصا يتكون من 1000 كلمة، وكان عدد الأنماط فيه 250 كلمة، فإن النسبة الكلية للتنوع تحسب بقسمة العدد 250 على العدد 1000 وتساوي 0.25 (في النص الأدبي: ص 101).
والحق عندي أن ما نعت به فضل هذا المنهج من جفاف غير دقيق، وربما الأوفق أن يوصف بالصعوبة، لكنها صعوبة تُحتَمل في سبيل الوصول لنتائج مرضية يمكن الاطمئنان إليها. فقد قام مصلوح بفحص نحو تسعة آلاف كلمة، وفق إجراء واضح وإحصاءات دقيقة، حيث صنع تسعين جدولا لاستيعاب هذه الكلمات، وضع في كل جدول مائة كلمة، وقام بشطب الكلمات المتشابهة وفق أسس وضوابط معينة، لمعرفة التشابه أو التخالف بين الأنماط والكلمات الأصلية، وقد قام بهذا الإجراء في مختبره بعيدا عن القارئ دون أن يُطلِعه على تلك التفصيلات، ثم قام بعرض النتائج التي وصل إليها على القارئ، دون الدخول في تفاصيل، إلا بالقدر الذي يبعث الاطمئنان في نفسه إلى سلامة الإجراءات. ومن ثم لا يُنعَت هذا الإجراء بالجفاف وإنما بالصعوبة كما ذكرت، ولا يخفى علينا أن هذه الأوراق التي لا تزيد عن الخمسين، قد لا تحتاج إلى أكثر من جلسة من الناقد التقليدي لكي يصدر عشرات الأحكام غير المعللة وغير المبررة باطمئنان عجيب. (انظر: في النص الأدبي: ص 111).
نزاهة النقد: قراءة موضوعية في "رسالة الطريق" للشيخ شاكر
إن النقد في جوهره يقوم منذ نشأته على الذوق السليم والتحليل الدقيق، من خلال اتباع الناقد منهجا واضحا يفسر على أساسه النصوص الأدبية، كما يجب أن تتوافر في الناقد شروط أساسية على رأسها: الحياد والموضوعية وسعة الأفق والموهبة، وكل أولئك موجود في شيخنا العالم الكبير الدكتور سعد مصلوح، بل هي صفات ملازمة له ولا تفارقه، ولعلها قد تغضب بعض المحبين له أحيانا، حين لا يظفرون من الشيخ بكلمة ثناء على عمل لهم، يرى شيخنا محقا أنه لا يستحق الثناء.
لقد تجلى الجانب الموضوعي في نقد سعد مصلوح بوضوح من خلال نقده لمنهج الشيخ شاكر رحمة الله عليه في رسالته الشهيرة: رسالة في الطريق إلى ثقافتنا، وحين طالعت هذا النقد وهذه المآخذ عليه رغم ما أعرفه عنه من محبة شديدة للرجل، قلت لنفسي: حقا إنه سعد مصلوح الذي لا يعرف المحاباة في العلم، ولا يستطيع قلب الحقائق مهما يكن الشخص الذي يكتب عنه. فهو يرى أن الشيخ شاكر في رسالته تلك التي أراد بها تقديم شهادته على واقع الثقافة العربية، قد جانبه الصواب في أكثر من وجه، وأنه قد ضَيَّق واسعا ولم يراع طبيعة الاختلاف والتفاوت بين البشر، وهو ما قاد الشيخ في النهاية إلى أحادية النظرة. (انظر: في النقد اللساني: ص 21).
ومن أمارات هذه النظرة الأحادية عند الشيخ شاكر؛ رده جميع أشكال الصراع بين الأمم والشعوب إلى عامل واحد وهو العامل الديني، بينما يعزو مصلوح أسباب الصراع إلى أكثر من عامل، ويذكر العديد من الشواهد التي تُظهِر أسباب الصراع في وجوهه المتعددة التي تتجاوز الصراع الديني، ومنها الأسباب السياسية والاجتماعية والنفسية والاقتصادية، فقد خاض نابليون صراعات شرسة في أوربا مع أهل دينه، وقتل الآلاف منهم من أجل إقامة مشروعه الخاص ومجده الذاتي. (السابق: ص 23).
أما رأي الشيخ شاكر ودعوته لما أسماه بالثقافة المتكاملة، وخوفه على الثقافة العربية والإسلامية من الغزو الثقافي والانفتاح على الآخر، فيرى مصلوح أنه لا يوجد ما يعرف بالثقافة المتكاملة، ولا يوجد خوف على الثقافة العربية من الانفتاح على الآخر فقد كان أسلافنا منفتحين على ثقافة اليونان، لكنهم كانوا على علم بما يأخذون وما يدعون، كما أنه ليس كل دارس للثقافة الغربية على خصومة وعداوة مع الحضارة العربية والإسلامية كما يرى الشيخ شاكر، بل هناك من هو شديد الإيغال في الاتصال بالغرب والنهل من علومه ومعارفه، مع شدة انتمائه لحضارته والاعتزاز بها، وتوظيفه لكل معارفه في خدمة قضايا أمته. (السابق: ص 27).
استحضار التراث: ربط الأصالة البلاغية بآفاق الحداثة اللسانية
ولعل أهم ما يميز شخصية مصلوح هضمه للقديم واستيعابه للمدارس النقدية الحديثة، ومن ثم فهو في كل دراساته يسعى لربط الماضي بالحاضر، فهو يقاوم بشدة فكرة الانقطاع المعرفي والقطيعة بين الماضي والحاضر التي يدعو لها بعض الباحثين، ويرى أن هذه الدعوة خطيرة ومدمرة ولا يقول بها إلا الأشخاص الذين يجهلون التراث، أو الذين رضوا لأنفسهم بموقف العبودية أمام قشور الحداثة، مفتونين بمقولات لو دققوا النظر فيها لوجدوا صداها حاضرا غير غائب في تراثنا العريق، وما كتابه: (في البلاغة العربية والأسلوبيات اللسانية آفاق جديدة) الذي صدر عن مجلس النشر العلمي بجامعة الكويت عام 2003م إلا شاهد على ذلك، فقد أعاد الاعتبار لجهود البلاغيين القدماء، وعلى رأسهم الإمام السكاكي صاحب مفتاح العلوم، الذي حَمَّلَه كثير من الباحثين وِزْرَ ما أصاب علومَ البلاغة من جمود وتعقيد وخضوع لسلطان الفلسفة والمنطق، واعتبر مصلوح ما ذكره هؤلاء من عيوب للإمام هي عين محاسنه عنده. كما يشيد بدور الشيخ أمين الخولي أكبر الداعين إلى التجديد في مناهج البلاغة، ويذكر بعض لفتاته التي سبق بها غيره من الباحثين في الشرق والغرب، فهو من أوائل من دعا إلى مجاوزة البحث البلاغي مستوى الجملة إلى مستوى ما وراء الجملة في الفقرة والنص، وكان ذلك عام 1931م " والمرء يكون أشد إحساسا بعظمة هذه اللفتة حين يعلم أن هذه الفكرة لم تكن قد تحددت لها قسمات وملامح واضحة في أدبيات الدرس اللساني في أوروبا حتى ذلك الوقت" وكان ذلك حتى عام 1952م. (سعد مصلوح: في البلاغة العربية، ص 45).
إن إسهامات سعد مصلوح في خدمة قضايا النقد الأدبي واضحة وذات أهمية كبيرة، لا يستطيع الباحث جحودها وإنكارها، وما ذكرناه هنا لا يمثل سوى قراءة أولية، تحتاج إلى مزيد من تسليط الضوء على مشروعه الكبير والممتد عبر السنين، ومن خلال مؤلفاته الكثيرة التي تغطي جوانب متنوعة وثرية في تراثنا الأدبي والبلاغي والنقدي.
اقرأ أيضا:
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً