بمناسبة «اليوم العالمي للغة العربية» وتتويجه بـ«جائزة الملك سلمان العالمية»..

سادن العربية ومجمع البحرين.. قراءة في فكر د. سعد مصلوح ومنهجه البلاغي

محرر سحر البيان

23 ديسمبر 2025

241

في 18 ديسمبر، وفيما كان العالم يحتفي بـ«اليوم العالمي للغة العربية»، أطلَّ أ.د. سعد مصلوح ضيفاً استثنائياً على مجلة «المجتمع» الكويتية في حلقة بودكاست «كاتب وكتاب».

وجاءت هذه الحلقة لتكون بمثابة احتفالية أدبية رفيعة، لا سيما أنها تلت حدثاً علمياً بارزاً؛ وهو تتويج د. مصلوح بـ«جائزة مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية» لعام 2025م.

هذا التكريم، يليه ذلك الحوار الفكري المعمق، لم يكن احتفاءً بشخص الدكتور فحسب، بل كان انتصاراً لمنهج علمي رصين حاول على مدار نصف قرن أن يلم شتات «العقل اللغوي العربي» بين تراثه التليد ومنجز الحداثة الغربية، ويُعد كتابه «البلاغة العربية والأسلوبيات اللسانية.. آفاق جديدة»، الذي كان محور النقاش خارطة طريق معرفية للخروج من مأزق الثنائية الحادة بين التراث والحداثة.

تكوين مغاير.. من كتاتيب الصعيد إلى مختبرات موسكو

لا يمكن فهم عبقرية د. مصلوح اللغوية دون تأمل مسيرته الحياتية؛ فقد نشأ في صعيد مصر، في بيئة يمتزج فيها حفظ القرآن الكريم بعشق اللغة والشعر، خاصة أن والده عبدالعزيز مصلوح كان شاعراً مفلقاً، يشهد بذلك إنتاجه الشعري الذي يتميز بالأصالة والجزالة؛ وهو ما كان له تأثيره على نشأة الفتى (سعد).

من صعيد مصر إلى موسكو.. رحلة مصلوح لعقلنة التذوق وإعادة الاعتبار للإمام السكاكي

انتقل إلى كلية دار العلوم بالقاهرة، تلك القلعة التي حافظت على هوية اللغة العربية، وتتلمذ على أيدي عمالقة من أمثال إبراهيم أنيس، وتمام حسان.

إلا أن النقلة «الإبستيمولوجية» الكبرى كانت في رحلته إلى موسكو في السبعينيات، هناك، لم يدرس مصلوح الأدب بمعناه الإنشائي، بل درسه بمعناه العلمي الصرف، حيث نال الدكتوراة في تخصص دقيق وهو «الأسس الأكوكستيكية للقافية في الشعر العربي»، وهنا نجده يضع القصيدة العربية تحت المشرط الفيزيائي، باحثاً في الذبذبات الصوتية والترددات الموجية، وهو ما منحه مناعة معرفية جعلته يتعامل مع النص الأدبي كبنية علمية محكمة وليس مجرد مشاعر عابرة.

مشروع «عقلنة التذوق».. رد الاعتبار للإمام السكاكي

في كتابه «البلاغة العربية والأسلوبيات اللسانية»، يتصدى د. مصلوح لواحدة من القضايا الجدلية في تاريخ النقد العربي، وهي قضية «جمود البلاغة»؛ حيث استقر في العرف النقدي الحديث أن الإمام يوسف السكاكي هو من حنّط البلاغة وحوّلها إلى قوالب منطقية جافة.

«البلاغة العربية والأسلوبيات اللسانية» منارة لقراءة النص العربي برؤية علمية رصينة

لكن د. سعد مصلوح يرى في هذا الحكم ظلماً تاريخياً، ويؤكد أن السكاكي كان صاحب مشروع جبار يهدف إلى «عقلنة التذوق»، ويطرح د. مصلوح سؤالاً جوهرياً: هل يكفي أن نقول: «هذا كلام جميل» لنبني علماً؟ الإجابة: لا؛ فالسكاكي أراد وضع معايير موضوعية للحكم الجمالي.

ويوضح د. مصلوح أن السكاكي لم يفرق بين علوم اللغة، بل اعتبرها «علوماً متآخذة»؛ فالأصوات تؤدي إلى الصرف، والصرف يقود إلى النحو، والنحو هو أساس علم المعاني.

فالجناية لم تكن من السكاكي، حسب د. مصلوح، بل من المتأخرين الذين اجتزؤوا القسم البلاغي من كتابه «مفتاح العلوم»، متجاهلين رؤيته الشمولية لعلوم الأدب.

إن دعوة مصلوح هي استعادة لـ«العقلانية البلاغية» التي تحمي النقد من الانزلاق في فوضى الانطباعات الذاتية.

مجمع البحرين.. استخدام الأدوات لا اقتراض الفلسفات

يرفض د. مصلوح ما يسميه «الصفر المنهجي» أو «القطيعة المعرفية» مع التراث، وهو يوجه نقداً لاذعاً لمن يحاولون محاكمة النص العربي -خاصة النص القرآني- بناءً على فلسفات وأيديولوجيات غربية غريبة عن طبيعة اللسان العربي.

منهجه العلمي يحرر البلاغة العربية من مأزق الانطباعات الذاتية الضيقة

والقاعدة الذهبية التي يرسخها د. مصلوح هي استخدام الأدوات لا اقتراض الفلسفات؛ والأدوات يقصد بها المناهج الإحصائية، والتحليل اللساني، وعلم لغة النص، والأسلوبيات، هذه أدوات محايدة (مثل المجهر) تساعدنا على كشف خصائص النص التي غابت عن المتقدمين لعدم توفر التقنيات لديهم.

أما الفلسفات فيقصد بها الرؤى الكونية والأيديولوجيات المصاحبة لبعض المدارس الغربية؛ حيث إن المنهج «المصلوحي» يرى أن الباحث الحق هو من يستفيد من المنجز الإنساني في التحليل المنضبط، ليطبقها على الخصوصية العربية؛ فالتراث الإنساني مشترك، لكن الهوية اللغوية ميثاق غليظ لا يجوز العبث بمرتكزاته.

الأسلوبية الإحصائية.. بصمة الأديب التي لا تخطئ

يُعد د. سعد مصلوح أبرز من نادى بـ«الأسلوبية الإحصائية» في العالم العربي، وتنهض هذه الفكرة على أن الأسلوب هو الاختيار؛ فالشاعر عندما يختار كلمة بدلاً من كلمة، فإنه يقوم بعملية انتخابية تعبر عن رؤيته للعالم، هذه الاختيارات تترك «تردداً إحصائياً».

.. ويرسخ قاعدة استخدام الأدوات اللسانية لا اقتراض الفلسفات الغربية

ومن خلال إحصاء توزيع الأدوات النحوية والروابط، يمكننا الوصول إلى ما يشبه الحمض النووي لأسلوب الكاتب، هذا المنهج لا يقتل الجمال، بل يمنحه سنداً علمياً؛ فبدلاً من أن يقول الناقد: «أشعر أن هذا الشاعر حزين»، يقول: «تكرار أدوات النفي وصور الانغلاق في نص الشاعر بنسبة إحصائية محددة يعكس بنية نفسية وتعبيرية واضحة».

نحو «أجرومية» للنص الشعري والقرآني

في كتابه، يفتح د. مصلوح آفاقاً لما يسمى «نحو النص»، وهو علم لا يقف عند حدود الجملة، بل ينظر إلى النص كوحدة كبرى متماسكة؛ حيث يتناول د. مصلوح كيف تتضافر القافية بموسيقاها الفيزيائية مع البلاغة لإنتاج الأثر الكلي.

ويشدد على أن أعلى درجات هذه التجربة تتجلى في النص القرآني؛ فاستخدام الأدوات اللسانية الحديثة في تحليل النص القرآني، عند د. مصلوح، لا يزيدنا إلا إيماناً بإعجازه؛ لأن المجهر اللساني يكشف عن تناسق مذهل في توزيع الحروف والكلمات يعجز عن الإتيان به البشر، ويؤكد أن القرآن هو المعيار الأعلى للفصاحة.

الأسلوبية الإحصائية تكشف عن الحمض النووي للإبداع في فكره

شاهد على العصر والأزمة التعليمية

لم يخلُ حديث د. مصلوح من مسحة شجن على واقع اللغة العربية المعاصر، وبوصفه شاهداً على الحركة الثقافية في الكويت لأكثر من أربعين عاماً، يشخص الأزمة في نوعية المخرج التعليمي؛ حيث يرى أن المشكلة تكمن في تسليع الشهادة؛ حيث أصبح الهدف هو الحصول على الورقة لا تحصيل العلم، ويدعو إلى ضرورة العودة لـ«روح التلمذة» الحقيقية، والاعتزاز بالهوية اللسانية في مواجهة تغول اللغات الأجنبية التي باتت تهدد البناء الذهني للأجيال الجديدة، مؤكداً أن اللغة وعاء الهوية.

خاتمة.. الأكاليل التي ينظمها التاريخ

في ختام لقائه، اقتبس د. سعد مصلوح بيت أمير الشعراء شوقي:

خلوا الأكاليل للتاريخ إن له     يداً تنظمها دراً ومخشلباً

إن تتويج د. سعد مصلوح بـ«جائزة الملك سلمان»، واختتام العام بلقائه في «اليوم العالمي للغة العربية»، شهادة من التاريخ بأن «الدر» العلمي الذي قدمه سيظل باقياً؛ حيث أثبت أن اللغة العربية ليست لغة ميتة، بل هي كائن حي، قادر على استيعاب أرقى نظريات العصر إذا ما وجدت عقولاً واعية تجمع بين إيمان التراثي ودقة الحداثي.

وسيظل كتاب «البلاغة العربية والأسلوبيات اللسانية» منارة لكل باحث يرجو قراءة النص العربي برؤية علمية رصينة، وسيبقى د. سعد مصلوح رمزاً للغوي والبلاغي الذي يحمل أمانة الكلمة، ويذود عن حمى اللسان الشريف بقلب المؤمن وعقل العالم.


- لمتابعة حلقة البودكاست كاملة اضغط هنا




اقرأ أيضاً:

سيدة اللغات.. 7 مقومات تحفظ لـ«العربية» أستاذيتها الرشيدة للعالم

خارطة طريق لمستقبل اللغة العربية في عصر الذكاء الاصطناعي

دُرَّة الغواص .. اللغة العربية في عيون الشعراء 

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة