إعداد الدعاة في الحضارة الإسلامية (37)
تحقيق الكفاية المادية
عن علي بن
الفضيل بن عياض، قَالَ: سمعت أبي وهو يَقُول لابن المبارك: يا ابن المبارك، أنت
تأمرنا بالزهد، والتقلل، والبلغة، ونراك تأتي بالبضائع من بلاد خراسان إلى البلد
الحرام، كيف ذا؟ فقَالَ ابن المبارك: يا أبا علي، إنما أفعل ذا لأصون به وجهي،
وأكرم به عرضي، وأستعين به على طاعة ربي، لا أرى لله حقاً إلا سارعت إليه حتى أقوم
به، فقَالَ له الفضيل: يا ابن المبارك، ما أحسن ذا، إن تم ذا(1).
إن الحضارة
الإسلامية لم تكن يوماً حضارة روح مجردة تنأى عن واقع الناس وضرورات معاشهم، بل
كانت مشروعاً متكاملاً يُقيم الإيمان في القلوب، ويُقيم معه الأرزاق في الأيدي،
ويحرص على أن يعيش الإنسان مكرّماً، قادراً على أداء رسالته دون أن يسحقه الفقر أو
يذله العوز.
ومن يتأمل مسيرة
هذه الحضارة، يجد أن تحقيق الكفاية المادية لم يكن ترفاً اجتماعياً، ولا مطلباً
اقتصادياً ثانوياً، بل كان واجباً شرعياً تبنّته الأمة، وسعت الدولة إلى إنجازه،
وتعاون المجتمع على حمله؛ ليظل كل فرد فيها آمناً على قوته، مطمئناً على غده،
مستقراً في حياته.
مظاهر حرص الدعاة في الحضارة الإسلامية على تحقيق الكفاية المادية
1- الحرص على
الكسب الحلال والأكل من الطيبات: عن أبي عثمان النَّهْدي أن سلمان الفارسي قال: إني
لأحب أن آكل من كدِّ يدي(2)، وقال سلام بن سليم: قال لي سفيان
الثوري: عليك بعمل الأبطال، الكسب من الحلال، والإنفاق على العيال(3)،
وَقَالَ مُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: دَخَلْتُ عَلَى سُفْيَانَ وَهُوَ يَأْكُلُ
طَبَاهِجَ (الكَبابُ) بِبَيْضٍ، فَقُلْتُ لَهُ، فَقَالَ: اكْتَسِبُوا حَلالاً
وَكُلُوا طَيِّباً(4).
وقال مسلم:
لقيني معاوية بن قرّة، وأنا جاءٍ من الكلأ، فقال لي: ما صنعت؟ فقلت: اشتريت لأهلي
كذا وكذا، قال: وأصبت مِن حلال؟ قلت: نعم. قال: لأن أغدو فيما غدوتَ به أحبّ إليّ
من أن أقوم الليل وأصوم النهار(5)، وَقَالَ شُعَيْبُ بْنُ حَرْبٍ:
قُلْتُ لِسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ: مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ قَصَّارٍ، إِذَا كَسَبَ
دِرْهَماً كَانَ فِيهِ مَا يَقُوتُهُ وَعِيَالَهُ، وَلَمْ يُدْرِكْ صَلاةَ
الْجَمَاعَةِ، وَإِذَا كَسَبَ أَرْبَعَةَ دَوَانِيقَ أَدْرَكَ الصَّلاةَ فِي
جَمَاعَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا يَقُوتُهُ وَعِيَالَهُ، أيُّهُمَا أَفْضَلُ؟
قَالَ: يَكْسِبُ الدِّرْهَمَ، وَيُصَلِّي وَحْدَهُ(6).
2- التمتع
بطيبات الحياة: قال وكيع بن الجراح: كان سفيان الثوري يلبس الفرو ويلبس العباء،
ومات وله بضاعة مائة وخمسون ديناراً(7).
3- ذم الفقر: عَنْ
عَبْدِاللَّهِ بْنِ أَبِي أَوَفِي قَالَ: الْفَقْرُ الْمَوْتُ الْأَكْبَرُ،
وعَنْ إِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: جَهْدُ الْبَلَاءِ: كَثْرَةُ
الْعِيَالِ، وَقِلَّةُ الشَّيْءِ(8)، وقال الحسن: قيل ذقت المرار
كلَّه، فلم أذق شيئاً أمرَّ من الفقر(9).
4- الحث على
صلاح المعاش: قال عمر بن الخطاب: أيها الناس، أصلحوا معايشكم؛ فإن فيها صلاحاً
لكم، وصلة لغيركم(10)، وعن عبدالله بن عمرو أنه قال: احرث لدنياك كأنّك
تعيش أبداً، واحرث لآخرتك كأنّك تموت غداً(11).
5- الحرص على
الاقتصاد والنهي عن الإسراف والتبذير: قَالَ مُعَاوِيَةُ: الْقَصْدُ قِوَامُ
الْمَعِيشَةِ، وَيَكْفِي عَنْكَ نِصْفَ الْمُؤْنَةِ، وَقَالَ أيضاً: مَا رَأَيْتُ
تَبْذِيراً إِلَّا وَإِلَى جَانِبِهِ حَقٌّ يُضَيَّعُ، وعَنْ هِشَامِ بْنِ
حَسَّانَ، أَنَّ مُحَمَّداً بْنَ سِيرِينَ، سُئِلَ عَنِ الْإِسْرَافِ؟ قَالَ:
الْإِنْفَاقُ فِي غَيْرِ حَقٍّ، وعَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ
الْخَطَّابِ: كَفَى بِالْمَرْءِ سَرَفاً أَنْ يَأْكُلَ كُلَّ مَا اشْتَهَى(12).
6- التوجيه إلى
النفع العام: عن عليّ بن الحسن بن شقيق، قال: سمعت ابن المبارك -وسأله رجلٌ- قال:
قُرْحَةٌ خرجتْ في رُكْبتي مذ سبْع سنين، وقد عالجتُها بأنواع العِلاج، وسألت
الأطبّاء، فلم أنتفع به، قال: اذهب واحفر بئراً في مكان حاجة إلى الماء، فإنّي أرجو
أن يُنْبِع هناك عيناً، ويُمسك عنك الدم، قال: ففعل الرجل، فبرأ(13).
7- الدعاء
بالسعة: عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّ سَعْداً بْنَ عُبَادَةَ كَانَ يَبْسُطُ
ثَوْبَهُ وَيَقُولُ: اللَّهمّ وَسِّعْ عَلَيَّ، فَإِنَّهُ لا يَسَعُنِي إِلا الْكَثِيرُ،
وعَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ سَعْداً بْنَ عُبَادَةَ كَانَ يَدْعُو:
اللَّهمّ هَبْ لِي حَمْداً وَمَجْداً، لا مَجْدَ إِلا بِفِعَالٍ، وَلا فِعَالٍ
إِلا بِمَالٍ، اللَّهمّ لا يُصْلِحُنِي الْقَلِيلُ، وَلا أَصْلُحُ عَلَيْهِ(14).
دوافع حرص الدعاة في الحضارة الإسلامية على تحقيق الكفاية المادية
1- صيانة
الكرامة الإنسانية والعافية من المذلة: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: جَهْدُ الْبَلَاءِ
أَنْ تَحْتَاجُوا إِلَى مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ، فَيَمْنَعُوكُمْ(15)،
وعن حماد بن زيد قال: قال لي أيوب: الزم سوقك، فإنك لا تزال كريماً على إخوانك
ما لم تحتج إليهم، وقال أيضاً: الزم السوق فإن الغنى من العافية(16)،
وعن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، أنه مات وترك ألفين أو ثلاثة آلاف دينار،
وقال: اللهم إنك تعلم أني لم أجمعها إلا لأصون بها ديني وحسبي، لا خير فيمن
لا يجمع المال فيقضي دينه ويصل رحمه ويكف به وجهه(17).
وعن يحيى بن
سعيد قال: سمعت سعيداً بن المسيب يقول: لا خير فيمن لا يريد جمع المال من
حله يعطي منه حقه ويكف به وجهه عن الناس(18)، وقيل لأبي الزناد: لِمَ
تُحبُّ الدراهم وهي تُدنيك من الدنيا؟ فقال: إنها وإن أدنتني منها، فقد صانتني
عنها، وقيل: من أصلح ماله فقد صان الأكرمين؛ الدين والعرض، وقيل في منثور الحكم:
من استغنى كرم على أهله(19).
2- الاستعانة
على العبادة: روى الطبراني في «المعجم الكبير» عن سالم مولى زيد بن صوحان، قال:
كنت مع مولاي زيد بن صوحان في السوق، فمر علينا سلمان الفارسي وقد اشترى وسقاً من
طعام، فقال له زيد: يا أبا عبدالله، تفعل هذا وأنت صاحب رسول الله صلى الله عليه
وسلم، فقال: إن النفس إذا أحرزت رزقها اطمأنت، وتفرغت للعبادة، وأيس منها
الوسواس، وعَن مُحَمَّد بْن المنكدر قَالَ: نعم العون على تقوى اللَّه؛
الغِنَى(20).
3- حماية الدين:
قال سفيان الثوري: من كان في يده شيء فليصلحه؛ فإنه في زمان إن احتاج فيه،
فأول ما يبذله دينه(21).
4- مواجهة أعباء
الحياة وبلوغ السلامة والرشد: قال ابن أبي الدنيا: حُسْنُ التَّدْبِيرِ مِفْتَاحُ
الرُّشْدِ، وَبَابُ السَّلَامَةِ الِاقْتِصَادُ(22)، وعن قيس بن عاصم
أنه قال عند الموت: يا بَنيَّ، عليكم باصطناع المال؛ فإنه مَنْبهة للكريم،
ويُستغنى به عن اللئيم(23)، وقال سفيان الثَّوري: كان المال فيما مضى
يكره، فأما اليوم فهو ترس المؤمن(24).
5- القيام
بعبادة الشكر: قيل لسفيان الثوري: أيكون ذو المال زاهداً؟ قال: نعم، إن كان إذا زيد
في ماله شكر، وإن نقص شكر وصبر(25).
6- الإنفاق
والإحسان: عن عبدالله بن المبارك قال: لا أرى لصاحب عشرة آلاف درهم أن يدع الكسب،
فإنه إن لم يفعل لم آمن ألا يعطف على جاره، ولا يوسع على عياله(26)،
وقَالَ الزُّبَيْر بن العوامُ: إِنَّ الْمَالَ فِيهِ صَنَائِعُ الْمَعْرُوف،
وَصِلَةُ الرَّحِمِ، وَالنَّفَقَةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَعَوْنٌ
عَلَى حُسْنِ الْخُلُقِ، وَفِيهِ مَعَ ذَلِكَ شَرَفُ الدُّنْيَا وَلَذَّتُهَا(27).
7- الخوف من
الاحتياج إلى الناس: قال عُمرُ بن الخطّابِ: مَكْسبةٌ فيها بعضُ الدَّناءَةِ،
خيرٌ من مَسْألةِ النّاسِ(28)، وقال سفيان الثوري: لأن أخلف عشرة آلاف
درهم أحاسب عليها، أحب إليَّ من أن أحتاج إلى الناس، وقال أيضاً: قدمت البصرة
فجلست إلى يوسف بن عبيد فإذا فتيان كأن على رؤوسهم الطير، فقلت: يا معشر القراء،
ارفعوا رؤوسكم فقد وضح الطريق، واعملوا ولا تكونوا عالة على الناس، فرفع يونس
رأسه إليهم فقال: قوموا فلا أعلمن أحداً منكم جالسني حتى يكسب معاشه من وجهه،
فتفرقوا، قال سفيان: فوالله ما رأيتهم عنده بعده(29).
اقرأ أيضا:
_________________
الهوامش
(1) تاريخ بغداد
(11/ 397).
(2) حياة
الصحابة: الكاندهلوي (3/ 532).
(3) حلية
الأولياء (6/ 381).
(4) تاريخ
الإسلام (4/ 391).
(5) صفة الصفوة
(2/ 152).
(6) شرح السُّنة:
البغوي (8/ 11).
(7) الجرح
والتعديل ابن أبي حاتم (1/ 105).
(8) إصلاح
المال، ص 122-125.
(9) مصنف ابن
أبي شيبة (7/ 74).
(10) إصلاح
المال، ص 38.
(11) عيون
الأخبار: الدينوري (1/ 351).
(12) إصلاح
المال، ص 70-101.
(13) تاريخ
الإسلام (4/ 887).
(14) المنتظم في
تاريخ الملوك والأمم (4/ 199).
(15) إصلاح
المال، ص 125.
(16) حلية
الأولياء (3/ 11).
(17) الآداب
الشرعية (3/ 269).
(18) سير أعلام
النبلاء (5/ 135).
(19) أدب الدنيا
والدين، ص 220.
(20) روضة
العقلاء: ابن حبان، ص 225.
(21) العقد
الفريد (2/ 350).
(22) إصلاح
المال، ص 101.
(23) المرجع
السابق، ص 48.
(24) حلية
الأولياء (6/ 381).
(25) مدارج
السالكين (1/ 463).
(26) المنتظم: ابن
الجوزي (9/ 61).
(27) إصلاح
المال، ص 47.
(28) التمهيد: ابن
عبد البر (11/ 576).
(29) حلية
الأولياء (6/ 381-382).