لماذا احتل نتنياهو قلعة «الشقيف» اللبنانية صاحبة إرث الحروب الصليبية؟

لماذا احتل نتنياهو قلعة «الشقيف» اللبنانية صاحبة إرث الحروب الصليبية؟

بالتزامن مع سقوط 14 جندياً صهيونياً بطائرات «حزب الله» المسيرة (من بين 27 قتلوا منذ استئناف الحرب في لبنان أبريل الماضي)، واقتراب توقيع اتفاق بين إيران وأمريكا يتضمن وقف القتال في لبنان، سارع رئيس الوزراء «الإسرائيلي» بنيامين نتنياهو وقادة جيشه لحشد القوات البرية والجوية، وغطاء ناري لاحتلال قلعة الشقيف التاريخية العائدة إلى حقبة الحملات الصليبية باسم «أرنون»، ولأنه يبحث عن صورة انتصار، سارع لاحتلال قلعة الشقيف ونشر صورة وضع جنوده العلم «الإسرائيلي» فوقها كأنه مشهد سينمائي دعائي، ثم غادرها خشية استهداف الطائرات المسيرة لهم.

استهداف هذه القلعة خصوصاً جاء بهدف تحقيق صورة نصر، فأهميتها ليست عسكرية، وإنما بسبب رمزيتها السياسية والتاريخية والإعلامية.

فالقلعة التي تعاقب عليها الصليبيون والأيوبيون والمماليك، ثم تحولت إلى موقع عسكري «إسرائيلي» خلال احتلال جنوب لبنان، تحمل دلالات كبيرة؛ لذا سعى لتوظيفها سياسيًا وإعلاميًا.

وهي واحدة من أكثر القلاع ارتباطاً بتاريخ الصراع في منطقة الشرق الأوسط، منذ الحروب الصليبية والدولة الأيوبية والمماليك وحتى الحروب العربية «الإسرائيلية».

كما أن القلعة تقع على تلة مرتفعة تتجاوز 700 متر فوق سطح البحر؛ ما يمنحها موقعاً إشرافياً استثنائياً على مجرى نهر الليطاني ووادي السلوقي، وتشرف على محاور حيوية، وهذا جعلها عبر التاريخ نقطة مراقبة طبيعية تتحكم بخطوط الحركة والتموضع في محيطها الواسع وذات أهمية في ادعاء النصر لمن يسيطر عليها.

وتعد قلعة الشقيف واحدة من أبرز المواقع التاريخية والعسكرية في جنوب لبنان، إذ تجمع بين القيمة الأثرية الممتدة منذ العصور الصليبية، والأهمية الجيوسياسية التي فرضتها طبيعة موقعها الجغرافي المطل على مساحات واسعة من المنطقة الحدودية.

تكتسب القلعة أهمية إستراتيجية بارزة بحكم موقعها الجغرافي المشرف على مساحات واسعة من جنوب لبنان وشمال فلسطين؛ ما يجعلها نقطة مراقبة وتحكم مؤثرة في مسار الميدان لأنها تكشف مساحات تمتد إلى الحدود الجنوبية، بما في ذلك مناطق قريبة من شمال فلسطين.

أهمية قلعة الشقيف

جاء سعى «إسرائيل» لاحتلالها مؤخراً ليس لقيمتها العسكرية، فالدافع الحقيقي استغلال رمزيتها التاريخية للحصول على صورة نصر يمكن تسويقه داخلياً وخارجياً قبل طي صفحة الحرب، فبين أسوار الشقيف التي تعاقبت عليها جيوش وإمبراطوريات عبر قرون، تبدو المعركة اليوم أقرب إلى صراع على الرموز والرسائل السياسية منها إلى صراع على بضعة أمتار من الأرض.

وتكتسب القلعة أهمية رمزية وعسكرية بالنسبة لـ«إسرائيل»، إذ إنه خلال الاجتياح «الإسرائيلي» للبنان عام 1982م، شهدت مواجهات عنيفة بين قوات الاحتلال ومقاتلين فلسطينيين تحصنوا داخلها، وقتل فيها قرابة 100 جندي صهيوني، وقد استخدمتها «إسرائيل» أيضاً قاعدة مراقبة رئيسة في لبنان حتى انسحابها عام 2000م.

تقديرات «إسرائيلية» ترى أن السيطرة على قلعة الشقيف التي تبعد 4 كم عن الحدود، تمنحها أفضلية ميدانية واستخباراتية مهمة، لمراقبة منطقة النبطية أحد أبرز مراكز ثقل «حزب الله»، كما أنها تعطي الاحتلال صورة انتصار تكتيكية، لكنها لا تحسم الحرب.

كما تنظر المؤسسة العسكرية إلى السيطرة على الأراضي اللبنانية باعتبارها وسيلة ضغط على طاولة المفاوضات، بهدف تحقيق مسألتين أساسيتين؛ فصل الملف اللبناني عن المفاوضات الأمريكية الإيرانية، والدفع نحو نزع سلاح حزب الله، أو على الأقل تقليص حضوره العسكري جنوبي لبنان من خلال ضغوط لبنانية و«إسرائيلية» متزامنة.

وتقول صحيفة «يديعوت أحرونوت» أن التفكير في الانسحاب من القلعة وجنوب لبنان لو تم اتفاق بين أمريكا وإيران يؤرق قادة الاحتلال ويطرح أسئلة مفتوحة داخل الجيش بشأن مستقبل المناطق التي احتلوها وأن يضطروا إلى الانسحاب منها بعدما خسروا في احتلالها عشرات الجنود.

قلعة «أرنون».. وصلاح الدين

سُميت قلعة الشقيف باسم «قلعة أرنون» أو «بيوفورت»؛ لأنها تقع قرب بلدة أرنون على ارتفاع يقارب 700 متر فوق سطح البحر، وتشرف على وادي الليطاني وأجزاء واسعة من جنوب لبنان وشمال فلسطين.

وتعود أصل التسمية إلى أن كلمة «الشقيف» تعني الصخرة العالية أو الجرف الصخري، وهو وصف يعكس طبيعة الموقع الحصين الذي بنيت عليه القلعة.

وقد أطلق عليها الصليبيون عليها اسم «بيوفورت»؛ أي الحصن الجميل أو القلعة الجميلة؛ بسبب موقعها المهيب وإطلالتها الواسعة، ويرجح المؤرخون أن تكون القلعة بصورتها المعروفة اليوم تعود إلى القرن الثاني عشر الميلادي خلال فترة الحروب الصليبية، وقبل ذلك تم استخدام موقعها لأغراض دفاعية منذ عصور قديمة.

وقد أصبحت إحدى أهم القلاع الدفاعية التابعة لمملكة القدس الصليبية، حيث كانت تشكل خط الدفاع الشمالي الشرقي للمملكة، ولكنها سقطت في يد القائد صلاح الدين الأيوبي بعد انتصار المسلمين في معركة «حطين»، وسقطت معها معظم المواقع الصليبية في المنطقة.

ففي عام 1190م تمكنت قوات صلاح الدين الأيوبي من السيطرة على القلعة بعد حصار طويل، لكنها عادت لاحقاً إلى الصليبيين في إطار الترتيبات التي أعقبت الحملة الصليبية الثالثة.

وقد ظلت القلعة أحد أهم المعاقل الصليبية حتى تمكن السلطان المملوكي الظاهر بيبرس من فتحها نهائيًا عام 1268م، وبسقوطها انتهى الوجود الصليبي في هذا الموقع الإستراتيجي، وأصبحت القلعة جزءًا من المنظومة الدفاعية الإسلامية في بلاد الشام.

أما في العصر الحديث، فعادت القلعة لتؤدي دوراً عسكرياً مع نشأة الدولة الصهيونية عام 1948م، وما تلاها من حروب مختلفة، فبعد قيام «إسرائيل» عام 1948م، اكتسب الموقع أهمية استثنائية بسبب إشرافه على الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة، وخلال سبعينيات القرن الماضي استخدمتها منظمة التحرير الفلسطينية موقعًا عسكريًا ومركز مراقبة.

وأثناء الاجتياح «الإسرائيلي» للبنان عام 1982م، خاضت القوات «الإسرائيلية» واحدة من أصعب معاركها للسيطرة على القلعة، ورغم القصف الجوي والمدفعي المكثف، واجهت القوات المهاجمة مقاومة شرسة بسبب الطبيعة الجبلية والتحصينات القوية للموقع.

وبعد السيطرة عليها حولتها «إسرائيل» إلى قاعدة مراقبة رئيسة ضمن الشريط الحدودي المحتل، لكن القلعة ظلت خلال سنوات الاحتلال هدفاً دائماً لهجمات «حزب الله» حتى الانسحاب «الإسرائيلي» من جنوب لبنان عام 2000م، ومنذ ذلك الحين عادت القلعة إلى السيادة اللبنانية، وتحولت إلى معلم تاريخي وسياحي.

لكنها تظل مهمة حتى اليوم لأنها تجمع بين ثلاثة أبعاد: البعد التاريخي؛ كأحد أبرز معاقل الحروب الصليبية في المشرق.

والبعد الجغرافي؛ كموقع مرتفع يتيح مراقبة مساحات واسعة من جنوب لبنان وشمال فلسطين، والبعد الرمزي؛ حيث ارتبطت بصراعات متعاقبة من الصليبيين والأيوبيين والمماليك وصولًا إلى الصراع العربي «الإسرائيلي».

ولهذا بقيت القلعة، على مدى نحو 9 قرون، رمزًا للسيطرة على جنوب لبنان وممرًا تتقاطع عنده ذاكرة الحروب القديمة وصراعات الشرق الأوسط الحديثة.

ورغم ادعاء «إسرائيل» السيطرة على قلعة الشقيف قرب بلدة يحمر في جنوب لبنان، يؤكد «حزب الله» بصور طائراته المسيرة أن الاحتلال تركها واختبأ في مناطق حولها خشية استهدافه وأنه قام فقط باحتلال مؤقت لها للحصول على صورة يروج لها على أنها انتصار ساحق، على غير الحقيقة.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة