نقص الغذاء والوقود والجفاف.. مثلث الموت يطارد الأسر السودانية
يبدو أن آثار
الحرب المدمرة على الأسرة السودانية سوف تستمر لفترات طويلة، خاصة أن الظروف
المناخية ونقص الأمطار بل وانعدامها في مناطق أخرى بالسودان، أنتجت جفافًا ضرب
أرزاق السودانيين، وحوّل مدنهم وقراهم ونجوعهم إلى مشاهد شديدة القسوة، حيث تراصت
طوابير الباحثين عن الغذاء لتمتد في بعض الأحيان إلى أكثر من 5 كيلومترات.
وبالتوازي، تنقل
الصورة أيضًا تلك الطوابير وهذا الزحام الكثيف أمام محطات الوقود بحثًا عن تزويد
السيارات والشاحنات وسيارات النقل بضرورات الحياة.
ويقول أحد أبناء
السودان: إن شوارع الخرطوم تشهد الآن صورة شديدة التناقض، حيث تقف سيارات فارهة
بأثمان مرتفعة جدًا، ولكنها عاجزة عن الحركة، وكأنها جثث هامدة بسبب نقص الوقود.
الجفاف والوقود في الخرطوم والجزيرة
وتكشف هذه
الأزمة أن الأسرة السودانية تواجه اليوم آثار الحرب المدمرة من نهب منظم لثرواتها
وتدمير شامل لمنازلها ومحلاتها التجارية وبنيتها الأساسية.
وهناك أزمة
الجفاف التي تضرب المحاصيل وثرواتها الحيوانية، إضافة إلى مواجهة حصار اقتصادي
فعلي يمنع البلاد من الحصول على الوقود لأسباب الحرب بين أمريكا وإيران وتأثيرها
على مضيق هرمز وباب المندب.
وهكذا يواجه
المجتمع السوداني أزمة الغذاء والنقل والكهرباء والصحة وسوء التغذية، وطائرات
المتمردين المسيرة في وقت واحد.
وتظهر الصورة أن
العاصمة الخرطوم رغم الاهتمام الرسمي بها لم تسلم من الأزمة، حيث عادت الأسر ووجدت
أحياء مدمرة وخدمات محدودة.
بينما الجزيرة
وسنار تظهر الصورة آثار الجفاف على الإنتاج الزراعي والحيواني ونقص الوقود، وتشتد
الأزمة في دارفور وكردفان حيث تمنع الحرب قوافل الإغاثة المحلية والدولية من
الوصول إلى الأسر المحتاجة.
ويرى الخبراء أن
موسم الحصاد هذا العام لن يكون له تأثير كبير في إنقاذ المجتمع السوداني من نقص
الغذاء؛ لأن السودان يحتاج إلى هزيمة المتمردين وطردهم أولًا، وإعادة الأمن
والاستقرار وبناء الطرق وإلقاء القبض على تجار الحروب، والحفاظ على الثروة
الحيوانية بطرق علمية ومنع انهيار العملة السودانية وكل ذلك شروط أساسية لإنقاذ
الأسرة السودانية من هذه الآثار المعقدة والمركبة التي تحاصرها منذ اندلاع التمرد
في 15 أبريل 2026م.
وتكشف أحدث
بيانات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي أن نحو 19.5 مليون سوداني واجهوا
مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد بين فبراير ومايو 2026م، بينهم نحو
5 ملايين في مرحلة الطوارئ، ونحو 135 ألف شخص في مرحلة الكارثة.
فيما حذرت
التقديرات من استمرار أخطار المجاعة في مناطق من دارفور وكردفان، كما يتوقع أن
يعاني نحو 825 ألف طفل دون الخامسة من سوء التغذية الحاد الشديد خلال عام 2026م.
طوابير الأسر السودانية تعكس حجم الأزمة
عكست طوابير
الأسر السودانية التي لم تفرق بين صفوف الرجال والنساء والأطفال بحثًا عن الغذاء
والوقود حجم الأزمة التي تواجه كل المجتمع السوداني، حيث لا فرق بين من بقي يواجه
التمرد ومن عادل من اللجوء أو النزوح أو بقي في مخيمات النازحين، الكل يواجه أزمة
الجفاف.
وتظهر على
وجهوهم الصدمة رغم التحدي الذي تعلو به حناجرهم في مواجهة التمرد، فكل ساعة إضافية
يقضيها رب الأسرة للحصول على الوقود تعني ارتفاع تكلفة وصوله إلى السوق أو العمل
أو الطبيب.
كما أن ارتفاع
سعر الدقيق أو نقصه يعني تقليل عدد الوجبات ودخول بعض الأسر في سوء التغذية
واحتمالات تعرض الأطفال للوفاة.
وتشتد الأزمة في
المناطق التي تعتمد على المولدات، حيث يرتبط الوقود بالمياه والمخابز والمراكز
الصحية والنقل في الوقت نفسه، ولذلك فإن نقص الوقود لا يمثل أزمة منفصلة عن
الغذاء، بل يؤدي إلى تعطيل سلسلة الإمداد بأكملها.
8 ملايين نازح بسبب الوقود والغذاء
ويتخوف
المراقبون من مصير أكثر من 8 ملايين نازح داخل السودان وفقًا لتقديرات الأمم
المتحدة الذين يعانون من نقص الغذاء والأدوية طول سنوات الحرب الماضية، وهم
يواجهون اليوم هذا النقص الحاد من ضرورات الحياة كالغذاء والوقود خاصة مع اقتراب
موسم الشتاء، حيث البرد القارس.
وتزداد أزمة
الأسر النازحة لكونها فقدت منزلها ومصدر دخلها ولم تعد قادرة على الخروج من مخيم
النزوح، وبالتالي تصبح مجبرة على مواجهة هذه الأزمة الخانقة وتداعيتها، وعندما
تتراجع الأمطار أو ترتفع أسعار الحبوب، تكون الأسرة النازحة أكثر هشاشة لأنها لا
تملك في الغالب مخزونًا غذائيًا أو أرضًا زراعية أو دخلًا ثابتًا يمكنها الاعتماد
عليه.
الجفاف يطارد الأسرة السودانية
انضم الجفاف إلى
طائرات «الدعم السريع» في مطاردة الأسر السودانية وحصار أرزاقهم، حيث أصبح الموسم
الزراعي الآن بفضل الجفاف الأسوأ بين كل السنوات الماضية.
وكشفت منظمة
الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة أن موسم الأمطار هذا العام اتسم بانخفاض
عن المعدلات المعتادة في معظم مناطق السودان الزراعية، وكان العجز أكثر وضوحًا في
ولايتي سنار والقضارف، حيث انخفضت الأمطار بنحو 20 و30%، على التوالي عن المتوسط
طويل الأجل.
ويكتسب
الإقليمان أهمية خاصة؛ لأن سنار والقضارف ينتجان معًا نحو ربع الإنتاج الوطني من
الذرة الرفيعة، وهي من أهم المحاصيل الأساسية للسودانيين، وأشارت بيانات المنظمة
إلى أن ظروف الجفاف الشديد أثرت في مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في
الولايتين.
وتشتد الأزمة في
الأرياف السودانية لأن خسارة الموسم الزراعي تعني خسارة الأسرة لمصدر غذائها
ودخلها وقدرتها على شراء الاحتياجات الأساسية.
المجاعة تهدد دارفور وكردفان
ويزداد خطر
الجفاف ويصبح أكثر قسوة على الأسر السودانية في مناطق النزوح في دارفور وجنوب
وشمال وغرب كردفان، حيث تشتد حدة المعارك بين الجيش و«الدعم السريع»، وتفشل كل
محاولات منظمات الإغاثة الدولية والمحلية ولنقل الغذاء والدواء إلى الأسر المنكوبة
أو المحتاجة.
ومع ارتفاع موجة
الجفاف تفشل هذه الأسر في الحصول على الحد الأدنى من الغذاء بعد انهيار الموسم
الزراعي هذا العام.
وتشير بيانات
الأمم المتحدة إلى أن مناطق في دارفور وكردفان معرضة لخطر المجاعة في ظل استمرار
القتال أو عدم القدرة على الوصول إلى الغذاء والمياه والخدمات الأساسية.
وتقدم منطقة عين
سيرو في محلية كتم بشمال دارفور مثالًا واضحًا على كيفية تحول نقص الأمطار إلى
أزمة واسعة، فقد أفادت مصادر محلية بفشل الموسم الزراعي نتيجة نقص الأمطار، إلى
جانب تراجع المياه والأعلاف ونفوق أعداد من المواشي، في منطقة تعتمد نسبة كبيرة من
سكانها على الزراعة المطرية وتربية الحيوانات.
ولا يقتصر الخطر
على شمال دارفور، إذ تواجه ولايات دارفور الأخرى ضغوطًا متراكمة بفعل النزوح
وانهيار سبل كسب الدخل وتراجع الإنتاج الزراعي.
وفي كردفان،
تتفاقم الأزمة نتيجة تداخل العمليات العسكرية مع صعوبة الحركة التجارية، إذ يؤكد
الخبراء أن هذه المناطق على وجه الخصوص تحتاج إلى تدخل أممي عاجل قبل استفحال
الأزمة ووفاة عدد كبير من الأطفال والنساء.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً