تجليات البيان النبوي في القيادة التربوية والإرشادية
لم تكن بلاغة
النبي صلى الله عليه وسلم مجرد فصاحة لسان أو قدرة على صياغة المحسنات البديعية،
بل كانت وحياً بين الناس، وأداةً لإعادة صياغة النفس البشرية، وإن مقتضى كمال
الاقتداء به تطبيقاً لقوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (الأحزاب: 21)
يشمل طرائقه في الحديث، وكيفية توظيفه للكلمة لتكون مفتاحاً للقلوب.
لقد جُمعت للنبي
صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم؛ فكان ينطق الألفاظ القليلة التي تؤدي لمعانٍ
كثيرة، ويخاطب الوجدان والعقل في آن واحد؛ وهو ما جعل من بلاغته مدرسة تربوية
متكاملة الأركان، يستلهم منها الدعاة والمربون مناهجهم في الإصلاح والتوجيه.
أولاً: بلاغة الرفق ومطابقة الكلام لمقتضى الحال الوجداني:
تقوم القاعدة
البلاغية الكبرى على «مطابقة الكلام لمقتضى الحال»، وقد كان حال المتعلم والمدعو المحرك
الأول للخطاب النبوي، تجلت هذه البلاغة في تقديم الرفق واللين على الزجر؛ فالبلاغة
النبوية لم تكن تهدف إلى الغلبة باللسان، بل إلى الاستمالة بالبيان.
يظهر ذلك في رفق
النبي صلى الله عليه وسلم بالشباب الذين فارقوا أهلهم ليتعلموا، حيث راعى جانبهم
الوجداني حين ظن أنهم اشتاقوا لأهلهم، فخاطبهم بعبارات تفيض حناناً.
فعن مالك بن
الحويرث قال: أتينا النبي صلى الله عليه وسلم ونحن شببة متقاربون، فأقمنا عنده
عشرين ليلة، فظن أنا اشتقنا أهلنا، وسألنا عمن تركنا في أهلنا فأخبرناه، وكان
رفيقاً رحيماً، فقال: «ارجعوا إلى أهليكم فعلموهم ومروهم، وصلُّوا كما رأيتموني
أصلي، وإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، ثم ليؤمكم أكبركم» (رواه البخاري).
ففي قوله صلى
الله عليه وسلم: «ارجعوا إلى أهليكم فعلموهم ومروهم» انتقال من «التعليم المباشر»
إلى «الرعاية النفسية»؛ وهو ما يمثل قمة البلاغة التربوية؛ حيث يدرك المربي متى
يصمت عن الوعظ ليتكلم بلسان الرحمة، امتثالاً للوحي: (وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا
مِنْ حَوْلِكَ) (آل عمران: 159).
ثانياً: إستراتيجية «الثناء التمهيدي» وبلاغة التوجيه غير المباشر:
استخدم النبي
صلى الله عليه وسلم أسلوباً بلاغياً رفيعاً يتمثل في «المدح الذي يتضمن التوجيه»؛
وهو أسلوب يمتص دفاعات النفس البشرية قبل إلقاء النصيحة، فعن خريم بن فاتك الأسدي
قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم الرجل أنت يا خريم لولا خلّتان
فيــك»، قلت: وما هما يا رسول الله؟ قال: «إسبال إزارك، وإرخاؤك شعرك» (أخرجه
الإمام أحمد).
فنجده صلى الله
عليه وسلم هنا لم يبدأ بذكر عيوب المخاطب؛ بل استفتح بكلمات تملأ القلب ثقة: «نعم
الرجل أنت يا خريم»، ثم أتبعها بأداة الاستثناء «لولا خلّتان فيك»؛ فجعل الخطأ
استثناء وليس أصلاً.
ولا شك أن هذا
التقسيم البياني يجعل المتعلم في حالة تشوق لمعرفة القصور لسده، لا في حالة دفاع
عن النفس، وكذلك قوله لابن عمر: «نعم المرء عبدالله لو كان يصلي من الليل»؛ فكلمة «لو»
هنا لم تكن للتمنّي المستحيل، بل كانت أسلوباً بليغاً في الحض والتحفيز؛ وهو ما
جعل ابن عمر لا يترك قيام الليل بعدها، إنها بلاغة الكلمة الطيبة التي تعمل عمل
السحر في التغيير السلوكي.
ثالثاً: المحاكمة العقلية والتمثيل البياني.. بلاغة الإقناع:
عندما يتعلق
الأمر بتقويم الانحرافات السلوكية الكبرى، كانت بلاغة النبي صلى الله عليه وسلم
تنتقل إلى المنطق الجدلي الهادئ، ويعد حواره مع الشاب الذي طلب الإذن في الزنى
نموذجاً بليغاً في تفكيك الشبهات؛ حيث لم يستخدم لغة الترهيب ابتداءً، بل استخدم الاستفهام
التقريري الذي يضع الخصم أمام مرآة الحقيقة: «أتحبه لأمك؟ أتحبه لابنتك؟».
لقد كان تكرار
السؤال مع كل قريب (الأخت، العمة، الخالة) بمثابة بلاغة هندسية تحاصر الفكرة
الخاطئة في عقل الشاب حتى تتهاوى، ولم يكتفِ بالبيان القولي؛ بل أتبعه بـ«البيان
الفعلي» بوضع يده الكريمة عليه والدعاء له؛ ليمزج بين اقتناع العقل وطمأنينة القلب.
إن هذا المزيج
بين الحجة اللسانية واللمسة الإنسانية ذروة البلاغة النبوية في القيادة التربوية.
رابعاً: بلاغة التكرار وجذب الانتباه.. التأكيد اللفظي والمعنوي:
من الأساليب
البلاغية التي وظفها النبي صلى الله عليه وسلم «التكرار لغرض التقرير»؛ فكان يعيد
الكلمة ثلاثاً لتُفهم وتُحفظ، وهو ما يعرف في علم التواصل الحديث بـ«التأكيد على
الرسالة الأساسية».
تتجلى هذه
البلاغة في حديث الكبائر؛ حيث كرر: «ألا وقول الزور» مرات عديدة وهو جالس بعدما
كان متكئاً، إن تغيير الهيئة الجسدية مع تكرار اللفظ يخلق حالة من الاستنفار
الذهني لدى السامع؛ وهو ما يدل على أن البلاغة النبوية كانت تشمل لغة الجسد مع لغة
اللسان.
وكذلك في قوله: «رغم
أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف»؛ فالتكرار هنا ليس حشواً، بل هو تصوير بياني لشدة
الخسارة، يثير الفضول لدى الصحابة لسؤال: من يا رسول الله؟ فتأتي الإجابة في وقت
يكون الذهن فيه في أعلى درجات الاستعداد للتلقي.
خامساً: استخدام الوسائل التعليمية.. البلاغة التوضيحية:
لم تقتصر
البلاغة النبوية على الكلمة المنطوقة؛ بل تعدتها إلى البلاغة التصويرية؛ فعندما
رسم خطًّا مربعًا وخطوطًا في الوسط ليمثل حياة الإنسان وأمله، كان يمارس أرقى فنون
التبسيط البليغ.
إن تحويل
المفاهيم المجردة (كالأمل والأجل) إلى رسوم محسوسة عبقرية بلاغية تختصر عناء الشرح
الطويل.
كذلك استخدامه صلى
الله عليه وسلم لـ«التشبيه التمثيلي» كما في قوله: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد
بعضه بعضاً» مع التشبيك بين أصابعه؛ فهذا التشبيك هو صورة بيانية حية تعزز المعنى
القولي وتجعله عصياً على النسيان.
إن البلاغة هنا
تتجاوز اللسان لتصبح رؤية بصرية تعمق المفهوم التربوي للاتحاد والتكافل.
سادساً: مراعاة العقول وإتاحة التعبير.. بلاغة التنزيل والتمكين:
كان من بلاغته صلى
الله عليه وسلم «العدل في الخطاب»؛ أي إعطاء كل ذي عقل قدره من البيان؛ فقد حذر من
تحديث القوم بما لا تبلغه عقولهم حتى لا تضطرب المفاهيم، وفي مقابل ذلك كان يفتح
باب البلاغة العملية لأصحابه، كما فعل مع سمرة بن جندب عندما أتاح له فرصة التعبير
عن الذات من خلال المصارعة ليثبت أهليته للجهاد.
هذا النوع من
البلاغة التربوية يسمى «بلاغة التمكين»؛ حيث لا يكتفي القائد بالحديث، بل يستمع
ويحفز المرؤوس على إظهار مواهبه؛ وهو ما يبني شخصية واثقة قادرة على القيادة
مستقبلاً.
إن دراسة
البلاغة النبوية من خلال هذه النماذج تكشف لنا أن الكلام عند النبي صلى الله عليه
وسلم كان رسالة هادفة؛ حيث جمع بين رقة اللفظ وقوة الحجة، وبين إيجاز العبارة
واتساع المعنى.
إن القادة
والمربين والدعاة اليوم مطالبون ليس فقط بحفظ الأحاديث، بل باستلهام الروح
البلاغية التي صيغت بها تلك الأحاديث؛ من رفق في التنبيه، وثناء في التحفيز، ووضوح
في الرؤية، واستخدام لكل الممكنات الحسية لتقريب المعاني؛ فالبلاغة النبوية هي
الجسر الذي عبرت عليه قيم الإسلام لتستقر في سويداء القلوب وتغير وجه التاريخ.
اقرأ
أيضاً:
- سر
الإيجاز النبوي.. 3 جمل تختصر منهج بناء الشخصية المسلمة المتوازنة
- من
بلاغة التحذير النبوي.. تحليل دلالات التشدق والتفيهق والتنطع
- التجارة
الرابحة.. تجلياتُ البيانِ النبوي في فضلِ عبادةِ الخفاءِ
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً