في رثاء المربِّي الفاضل سليمان خالد الرومي
استيقظتُ صباح
يوم 1 أكتوبر، فإذا بالرسائل تتوالى عليَّ، تحمل خبراً أثقل القلب، وأوجع النفس؛
رحيل المربِّي الفاضل، والأخ الحبيب الأستاذ سليمان خالد الرومي، رحمه الله رحمة
واسعة.
وقفتُ أمام
الخبر لحظات، وكأن الكلمات قد عجزت عن أن تحمل إليَّ معناه كاملًا؛ فما إن قرأتُه
حتى انفتحت في الذاكرة أبوابٌ قديمة، وتداعت أمام عيني مشاهد من سنوات بعيدة، كأن
العمر قد أدار شريطه إلى الوراء، ليعيد إليَّ صورة رجلٍ كان له في بدايات حياتي
أثرٌ لا يُنسى.
عرفتُ أبا صالح
الرومي منذ عام 1986م، وكنت يومها فتى صغيرًا، وكان هو يحمل همًّا كبيرًا، ويعيش
رسالةً واضحة؛ أن تُبنى النفوس قبل أن تُبنى الأشياء، وأن يُصنع الإنسان الصالح
الذي يكون لبنةً في صلاح مجتمعه.
قضية ورسالة
لم تكن تربية
الناشئة عنده عملًا عابرًا، ولا اهتمامًا موسميًّا؛ بل كانت قضيةً آمن بها،
ورسالةً بذل لها من وقته وجهده وفكره، وكان من الرجال الذين أسهموا في تأسيس
الأندية التربوية التي عُنيت ببناء النشء في جمعية الإصلاح الاجتماعي، مؤمنًا بأن
الشباب إذا وجدوا يدًا تربويةً صادقةً تأخذ بأيديهم، أمكن أن يكونوا بعد ذلك
قدواتٍ صالحةً في مجتمعاتهم، وأنا واحدٌ من الذين امتدت إليهم تلك اليد.
لا تزال ذاكرتي
تحتفظ بمواقف كثيرة له معي؛ ومن أخصِّها تشجيعه لي على إعداد الأبحاث الصيفية،
وحثِّي على المشاركة في المسابقات الثقافية، وربما لم أكن يومها أدرك مقدار ما
يمكن أن تصنعه كلمةٌ من مربٍّ في نفس فتى صغير، لكن الأيام كشفت لي أن بعض الكلمات
لا تنتهي بانتهاء لحظتها، بل تمضي مع الإنسان سنواتٍ طويلة، وتتحول في داخله إلى
طريق.
حبُّ القراءة وشغف الكتابة
كان من ثمرات
ذلك التشجيع أن نما في نفسي حبُّ القراءة، وشغفُ الكتابة، والرغبة في البحث
والمعرفة، ثم توالت الأيام، فأصبحت تلك البدايات مقالاتٍ وكتبًا وأعمالًا علمية.
وهكذا أدركتُ
بعد سنوات أن المربّي الحقيقي لا يصنع لحظةً عابرة، وإنما يصنع إنسانًا قد يمتد
أثره إلى مستقبلٍ لم يره.
ولن أنسى فرحَه
الكبير حين بلغه خبر إكمالي لمرحلة الدكتوراة، كان بإمكانه أن يكتفي بكلمة تهنئة،
أو اتصالٍ عابر، لكنه كان يرى نجاح من ربّاهم جزءًا من فرحه؛ فرتَّب وليمة للعشاء
بهذه المناسبة في منزله بمنطقة الدعية.
كانت وليمة في
ظاهرها، لكنها كانت في معناها أعمق من ذلك بكثير؛ كانت صورة أخرى من صور التربية،
ورسالة صامتة تقول: إن المربّي يظل وفيًّا لغرسه، يفرح حين يراه قد أثمر، ويشعر أن
نجاح تلميذه صفحةٌ جميلةٌ في كتاب عمره.
رحم الله أبا
صالح، كم كانت له من مواقف صغيرة في صورتها، كبيرة في أثرها!
وفاء عجيب
ولم يكن أبو
صالح رجلَ تربيةٍ فحسب، بل كان صاحب وفاءٍ عجيب لمن عرفهم وأحبهم، كان يتفقّدني
بين الحين والآخر، يتواصل، ويسأل عن الأحوال، ويستمع، ثم يسدي النصيحة في هدوء
وصدق، كنت أشعر من كلماته أن وراءها قلبًا يتمنى لي الخير حقًّا، وأنه لا يسأل
لمجرد السؤال، ولا ينصح لمجرد الكلام، وإنما كان يريد أن يراني ناجحًا، وأن يطمئن
إلى أن من عرفهم في بدايات الطريق ما زالوا يمضون فيه بخير.
وكان اهتمامه
يتجاوز الشخص إلى أسرته وأبنائه، فيقدّم بين حين وآخر لمحات تربوية من خبرته
وتجربته، وكأن التربية عنده لم تكن مرحلة تنتهي، وإنما روح تسكن الإنسان وترافقه
في كل علاقاته.
عنايته بالتوثيق
ومن الجوانب
التي عرفتُها فيه كذلك عنايته بالتوثيق، وحرصه على حفظ ذاكرة العمل الإسلامي
والتربوي في دولة الكويت، فقد اعتنى بتكوين أرشيفٍ يوثّق جانبًا مهمًّا من مسيرة
العمل الإسلامي والتربوي، وكان مكتبه شاهدًا على ذلك، وكان في هذا التوثيق معنى
آخر من معاني الوفاء؛ فالرجال الذين يصنعون التاريخ قد يغيبون، والأعمال قد تتعاقب
عليها الأجيال، لكن التوثيق يحفظ للأجيال القادمة شيئًا من ذاكرة الطريق، ويقول
لهم: هنا مرّ رجال، وهنا بُذلت جهود، وهنا كانت بدايات.
ثم إن في حياة
أبي صالح جانبًا آخر لا يمكن أن يُذكر دون أن يستوقف القلب؛ جانب الرضا والاحتساب
وحسن الظن بالله، فقد ابتُلي بفقْد ابنه البار حمد، رحمه الله، قبل ما يقارب خمسة
عشر عامًا، وكان فقد الابن من أشد ما يمكن أن يمس قلب الأب، ثم داهمه المرض في تلك
المرحلة، ومع ذلك، لم يكن الألم عنده بابًا إلى اليأس، وإنما كان طريقًا إلى مزيدٍ
من الرضا والاحتساب، فقد ظل ينظر إلى الحاضر والمستقبل بعينٍ متفائلة، ونفسٍ
راضية، وقلبٍ معلّقٍ بالله.
ولعل هذه من
أعظم الدروس التي تركها فيمن عرفه؛ أن المؤمن قد يحمل في قلبه ألمًا عظيمًا، لكنه
يحمل فوق ذلك الألم يقينًا أعظم بالله.
وهكذا عاش أبو
صالح؛ مربّيًا، ومشجّعًا، وناصحًا، وافيًا، محبًّا للخير، حريصًا على أن يترك خلفه
أثرًا طيبًا.
غياب جزء من الذاكرة
واليوم، وقد غاب
عن أعيننا، أدرك أن بعض الناس لا يكون رحيلهم مجرد غياب شخص، وإنما يكون غياب جزء
من الذاكرة، ومرحلة من العمر، ووجه ارتبطت به بدايات لا تُنسى.
لكن عزاءنا أن
الإنسان قد يغيب، ويبقى أثره، وقد يسكت صوته، وتبقى كلماته، وقد يوارى جسده الثرى،
وتظل مواقفه حيّة في نفوس من عرفوه.
ولعل أجمل ما
يمكن أن يُقال في رثاء المربّي أن تلاميذه وشبابه ورفاقه هم بعض صفحات سيرته التي
بقيت تمشي على الأرض، فكل شابٍ شجّعه، وكل طالبٍ حفّزه، وكل إنسانٍ دلّه على طريق
خير، وكل فكرةٍ زرعها في نفس، هي امتدادٌ من امتداداته، وشاهدٌ من شواهد أثره.
رحم الله أبا صالح الرومي
رحم الله رجلًا
عاش للتربية، وأحب الشباب، وفرح بنجاح من حوله، وحمل همَّ الإصلاح، وحرص على حفظ
ذاكرة العمل الإسلامي والتربوي، وواجه الابتلاء بالرضا والاحتساب.
رحم الله الأيام
التي جمعتنا به، والكلمات التي قالها لنا، والمواقف التي لم نعرف قيمتها كاملةً
إلا بعد أن غاب صاحبها.
اللهم إن أبا
صالح قد أفضى إليك، وأنت أرحم به منا؛ فاللهم أكرم نزله، ووسّع مدخله، وآنس وحشته،
ونوّر قبره، واجعل قبره روضةً من رياض الجنة.
اللهم اجعل ما
علّم، وما ربّى، وما شجّع، وما أسهم به في إصلاح الناس، وما حفظه من تراث العمل
الإسلامي والتربوي، في ميزان حسناته، وصدقةً جاريةً لا ينقطع أجرها.
اللهم اربط على
قلوب زوجته وأبنائه وأهله وأقاربه ومحبيه، وارزقهم الصبر والاحتساب، وأخلف عليهم
في مصابهم خيرًا.
رحم الله أبا
صالح.
رحل الرجل، ولم
ترحل رسالته.
غاب الوجه، ولم
تغب الذكريات.
سكت الصوت،
وبقيت الكلمات.
مضى المربّي،
وبقي الغرس، وذهب إلى الله، وبقي أثره بين الناس.
نسأل الله أن
يجعل ذلك الأثر شاهدًا له لا عليه، وأن يجزيه عن كل قلب أسعده، وكل شاب شجّعه، وكل
خير دلّ عليه، خير الجزاء، وأن يجمعنا وإياه في مستقر رحمته، في دار لا فراق فيها
ولا رحيل.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً