كيف أثر الإسلام في النقد الأدبي؟

لا شك أن الأدب يتأثر بالحركات الفكرية والاجتماعية والسياسية شأنه شأن الظواهر الأخرى؛ فالأدب ليس بمعزل عن الحياة، واستقراء تاريخ الأدب قديماً وحديثا يؤكد هذه الحقيقة، فقد حفل الأدب اليوناني القديم بتصوير القيم والأفكار والمعتقدات السائدة آنذاك، والتي تمثلت في صراع الآلهة المتعددة بعضها مع بعض أو مع البشر، وانعكس قلق الإنسان الأوربي وتمزقه خلال تطور الفكر الأوربي الحديث، من خلال مدارسه الأدبية المختلفة، التي رسمت صورة صادقة لهذا القلق والتمزق والحيرة.

      وليس من المتصور أن يأتي دين بحجم الإسلام وقوته، دون أن يترك أثراً في مجال الأدب والنقد وفي كل أنشطة الحياة، وأول ما يمكن ملاحظته في هذا الصدد أن الإسلام خالف كثيراً من مفاهيم الشعر الجاهلي، فقد صرف المسلمين عن تضمين أشعارهم شيئاً عن العقيدة الوثنية "ولم يعد مضطراً إلى التغاضي عن روح العصبية الجاهلية وصياغتها، كما أنه شديد الاهتمام في حاضره، بتثبيت العادات والمعتقدات والأخلاق الإسلامية ونشرها، لتحل محل العادات الجاهلية الفاسدة، تطهيراً للمجتمع العربي مما كان ينخر في عظامه من سوس الفساد العقدي، والجفوة الخلقية، والعدوان والظلم" (انظر: د. صلاح الدين الهادي: الأدب في عصر النبوة والراشدين، مكتبة الخانجي ط3، ص291)

رأي النبي والصحابة في الأدب

وتعد ملاحظات الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة – وهي ليست بالقليلة – حول قصائد الشعراء ذات أهمية قصوى في مجال النقد الإسلامي، لأنها تعد بمثابة الدليل الذي يسترشد به النقاد في هذا المجال، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستجيد الشعر الصادق، المتضمن للأهداف النبيلة، المنسجم مع كتاب الله وسنة رسوله، وكان لعمر بن الخطاب رضي الله عنه ولع خاص بالشعر، فقد سئل مرة عن أشعر الشعراء فأجاب بأنه زهير بن أبي سلمى، وعلَّل ذلك بأنه كان لا يعاظل في القول، ولا يتبع حوشي الكلام، ولا يمدح الرجل إلا بما فيه، وتلك بادرة فنية قوية جميلة لأنها تتعلق بالبناء الفني، كما تتعلق بالصدق الأدبي، إن عمر بن الخطاب يعتبر الصدق مقياسا للحكم على العمل الأدبي، فلا يصح لديه أن يصبح الشعر مجرد وسيلة من وسائل التملق، أو إثارة الغرائز، إنما ينظر إليه كوسيلة من وسائل السمو النفسي، انسجاما مع توجيهات القرآن والسنة، ولذلك كان يكره رواية الشعر الثالب للأعراض، فضلا عن نظمه، وقصة معاقبته للحطيئة بسبب هجائه الزبرقان بن بدر معروفة ومشهورة. (انظر: د. محمد عبد الرحمن شعيب: النقد الأدبي، دار التأليف، 1967، ص213)

بعض ملامح النقد الإسلامي

وقد قطع النقد الإسلامي شوطا بعيد المدى في سبيل إبراز خصوصيته، التي ترتكز في الأساس على القرآن الكريم والسنة الشريفة والنمط الحضاري الإسلامي الفريد، ومال النقاد إلى تعليل أحكامهم النقدية واصطناع منهجية علمية واضحة عند التعامل مع النصوص الأدبية، وقد استندوا في هذه الأحكام على المعايير الأخلاقية والفنية المستقاة من الإسلام ونظرته للحياة والوجود، ومن أهم المعايير التي استندوا إليها اهتمامهم الكبير بالمضمون والمعنى الشريف في العمل الأدبي، واهتمامهم بشرف المعنى واللفظ الشريف الذي يناسبه، يؤكد على أن الغاية الخلقية التهذيبية لم تكن بعيدة عن نظرهم وتقديرهم، وأن الأدب في نظرهم لم يكن فناً جميلا فقط، ولكنه كان فناً جميلاً ومدرسة لتهذيب الذوق وترقيق الطبع وتعليم الأخلاق. (انظر: د. محمد عبد الرحمن شعيب: الفكرة في الأدب "الشعر" دار التأليف، القاهرة، ط2 1975م، ص97)

وهذه الحفاوة بالمعنى ترجع بالأساس إلى نظرة الإسلام الواقعية للأدب؛ حيث يجب أن تكون للأدب غاية واضحة، وألا يتحول إلى مجرد زخارف لفظية وحيل بلاغية، لئلا يتحول الإبداع إلى عبث، ولذلك نجد ناقداً كابن الأثير" يحتم في الفكرة أن تكون من السمو بحيث تستوجب ذلك النصب الذي بذل من أجلها أو الذي يجب أن يبذل بسببها في جانب العبارة، وإلا خرج الكلام عن أن يكون أدباً وخرج صاحبه عن أن يحشر في زمرة الأدباء. (السابق: ص 49)

       وعلى الرغم من خطورة أحكام القيمة في العمل الأدبي، إذ تخضع في الغالب لذوق الناقد ومزاجه وأهوائه، فإنها أمر لا غنى عنه في تحليل النص الأدبي، من أجل التمييز بين الجيد والرديء، وعلى شرط أن يصدر هذا الحكم" بعد دراسات عميقة كاشفة تستهدف معرفة كل ركن من أركانه وتوضيح كل عنصر من عناصره، وبعد استكشاف تام لكل خطرة من خطراته وفكرة من أفكاره وصورة من صوره، وبعد النظر فيه كبنية فنية متكاملة، مترابطة الأطراف متلاحمة الحلقات متداخلة الأجزاء منطقية الترتيب حتمية الحل، وبذلك يكون حكمنا للنص أو عليه حكما مسببا مبنياً على دراسات سابقة ومقدمات سليمة ومواقف صحيحة، مما يجعل الحكم مسلماً إلى حد كبير" (انظر: د. عبد الواحد علام : قضايا ومواقف في التراث النقدي، مكتبة الشباب، 1979م، ص18)

بين الشكل والمضمون

       على أن النقد الإسلامي لم يتوقف عند المعنى الشريف أو المضمون الذي يجب أن يحتويه العمل الأدبي، بل تعدى ذلك إلى دراسة الشكل الفني والتعبير الجميل، وقد استحسن من الألفاظ ما كان سمحاً مطبوعاً، واستكره ما كان منها متكلفاً أو كان غريبا حوشياً، وبذلك فلا مجال للألفاظ والصور والأخيلة الغريبة أو الشاذة التي لا تفيد في إيضاح العمل الأدبي، وإبراز خصائصه ومزاياه، وقد تأثر الناقد الإسلامي المعاصر بهذه الأفكار في معالجته لنظرية النقد الإسلامي وخصائصها في العصر الحديث.

والحق أن النقد العربي القديم – انطلاقاً من الرؤية القرآنية – لم يكن يفرق بين اللفظ والمعنى أو الشكل والمضمون، لأن القرآن الكريم وهو النموذج المحتذى يزخر بالمعاني والقيم والأخلاق كما أنه يعبر عنها بأروع أسلوب وأوضح بيان، فلا مجال للقول بالفصل بين وجهي العملية الإبداعية، ولعل هذه الازدواجية نشأت في ذهن بعض الباحثين بسبب فهمهم القاصر لمقولات النقاد العرب القدامى، وخاصة الجاحظ، على أن الجاحظ وهو أشهر ناقد عربي – اشتهر بالتقليل من شأن المعنى – لم يكن يغض من شأن المعنى والفكرة في الأدب كما فهم بعض الباحثين ولكنه كان يشير بمقولته الشهيرة:" المعاني مطروحة في الطريق.." إلى" أن المعاني والأفكار ميسورة التحصيل لانتشار المدارس التي تعلمها والحلقات التي تعرضها، والكتب التي تحملها، والمناقشات التي تبرزها وتظهرها، وما دام الناس سيرونها في كل مكان وستلقاهم في أي درب، فهي إذا على قارعة الطريق يعرفها كل من رامها وطلبها، أو تكون على مقربة منه بحيث يمكنه تحصيلها على الأقل" (انظر: د. محمد عبد الرحمن شعيب: الفكرة في الأدب "الشعر" ص 50)  

         ولا شك أن حفاوة النقاد بالمعنى والمضمون جاءت مسايرة للطابع النقدي السائد الذي تأثر بالإسلام ونظرته للإنسان والحياة والأدب، الذي شكل القرآن الكريم أهم عناصره ورسم أهم معالمه، فالقرآن الكريم قد سيطر على الفهم الأدبي والنقد، وظهر أثره في شواهد القرآن وما تجمع حولها من معان وأحكام بيانية وجمالية، فأصبحت تراثاً غنياً في النقد تتناقله الأجيال، ويزداد ويربو شيئاً فشيئاً على أيدي مؤلفي إعجاز القرآن، والبلاغة والنقد والبيان والشعر. (انظر: د. محمد زغلول سلام: أثر القرآن في تطور النقد العربي، مكتبة الشباب 1982م ص329)

الأدب بين التأثير اليوناني والروح الإسلامية

        إن الزعم بأن النقد العربي القديم لم يتأثر بالقرآن الكريم ولا بالحياة الإسلامية بنفس القدر الذي تأثر بالنقد اليوناني، زعم غير صحيح على إطلاقه، صحيح أن نقاداً كثيرين استلهموا بعض مقولات النقد اليوناني، كقدامة بن جعفر في كتابة "نقد الشعر"، لكن الأثر القرآني كان أقوى وأشمل، لأنه من الصعب أن يعزل الأديب عن بيئته وثقافته وتقاليده، بل إن أخذ النقاد المسلمين في ذاك الوقت عن النقد اليوناني ما يتفق مع عقيدتهم، لهو أكبر دليل على ما كانوا يتمتعون به من حرية، وهي مبدأ إسلامي صميم، دون الوقوع في التبعية والتقليد الأعمى، ولا شك أن النظرة المتأنية الدقيقة تكشف عن وعي نقدي مبكر لدى الناقد العربي القديم، بحيث لم يقع في خطل الفصل بين الدين والأدب بل أوجد" مصالحة وتناغماً روحياً سامياً بين نشدان الخير والجمال في كل من التعاليم الدينية والأعمال الأدبية، إن هذه الروح الحرة في التفكير النقدي عند علماء المسلمين دربتهم منذ وقت مبكر على ما يسمى" بالتمحيص" وهو أساس الفكر النقدي الراقي في مستوياته المختلفة" (انظر: د. أحمد درويش: التراث النقدي قضايا ونصوص، هيئة قصور الثقافة، سلسلة كتابات نقدية، رقم 77) 

حقيقة الفصل بين الدين والأدب! 

     إن النقاد القدامى لم يفصلوا بين الدين والأدب، وأما مقولة القاضي الجرجاني" والدين بمعزل عن الشعر"، ومقولة الأصمعي الشهيرة" الشعر نكد بابه الشر، فإذا دخل في الخير ضعف"، فلعله كان يقصد بالصدق معنى آخر غير الصدق بمعناه الأخلاقي، فهو مرادف عنه للاقتصاد في الوصف، وبذلك يكون الكذب قريناً للإفراط في الوصف، وعلى ذلك فإن الصدق أو الخير المذموم في مقولة الأصمعي ومن بعده ابن قتيبة، معناه الاكتفاء بنقل المعنى بشكل مجرد دون إضفاء شيء من الوصف الرائق عليه، أما قول القاضي الجرجاني: "والدين بمعزل عن الشعر" فقد جاء تعليقاً على إسراف بعض النقاد في الحكم على الشعراء من خلال فهم سطحي للدين "ففي القرن الرابع نجد مواقف نقدية يواجه فيها بعض النقاد المتنبي، ويعيبون مبالغاته التي تتكئ على مفهومات عقدية، ويبدو أن بعض هؤلاء النقاد أسرف في مهاجمته حتى أسقط شعره عامة ونفى عنه الشاعرية، الأمر الذي أحنق القاضي على بن عبد العزيز الجرجاني ودفعه إلى كتابة ما كتبه في الوساطة" (د. عبد الباسط بدر: مقدمة لنظرية الأدب الإسلامي، دار المنارة، جدة، ط1، 1985م، ص 119)

على أن للمسألة وجهاً آخر، وهو نابع كذلك من التصور الإسلامي، إذ إن الإشادة بالتجربة الأدبية لمجرد أنها تحتوي على مضامين إسلامية، على الرغم من خلوها من مقومات الفن الجيد، يتنافى مع واقعية الإسلام ومنطقه في التحلي بالموضوعية، كما يشير إلى ضرورة أن يكون الناقد متخصصاً وليس مجرد واعظ يأخذ الناس بظواهر أعمالهم، فالنقاد الأوائل: "لم يخلطوا بين الجودة الفنية للنص، وما يمكن أن يسمى بالمهابة الدينية أو شبهة التقديس، وجعلوا الحكم النقدي على النص الأدبي من شأن جماعة متخصصة بهذا الفن تتحقق فيهم شرائطه" (د. أحمد درويش: التراث النقدي قضايا ونصوص ، ص 30)  

إن النقد الإسلامي خلال القرون الأربعة الأولى لم يكن غائبا عن الساحة الأدبية، وقد استند في تحليله للنص الأدبي على القرآن الكريم والسنة الشريفة، فلم يفصل بين الأدب والعقيدة، ولم ينظر إلى العمل الأدبي على اعتباره مجرد زخارف أو قوالب فنية، بل عد ذلك نوعاً من العبث الذي لا يتناسب مع قيمة الأدب وحساسيته، ومال النقد الإسلامي إلى الاستعمال اللغوي الجميل الواضح، والعبارة القوية السهلة، ولم يهمل معالجة الشكل الفني في الشعر والنثر، وفي هذا ما يؤكد على نضج الناقد القديم ووعيه المبكر بما يأخذ وما يدع، كما يؤكد على استناده إلى القرآن الكريم والسنة الشريفة، على أساس إيمانه الجازم بضرورة الربط بين الأدب والدين، وأنه لا تعارض مطلقاً بين القول الجميل الرائق والمعنى الشريف الراقي. 

اقرأ أيضًا:

المضمون الإسلامي في شعر علية الجعار 

صورة المجتمع الكويتي القديم، وآليات السرد في رواية "سنة القطط السمان" لعبد الوهاب الحمادي 

أدب على خط النار.. كيف ألهمت الحربُ المبدعين؟

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (1)

محمد سعيد
منذ ساعتين

إن النقد الإسلامي خلال القرون الأربعة الأولى لم يكن غائبا عن الساحة الأدبية، وقد استند في تحليله للنص الأدبي على القرآن الكريم والسنة الشريفة، فلم يفصل بين الأدب والعقيدة، ولم ينظر إلى العمل الأدبي على اعتباره مجرد زخارف أو قوالب فنية، بل عد ذلك نوعاً من العبث الذي لا يتناسب مع قيمة الأدب وحساسيته، ومال النقد الإسلامي إلى الاستعمال اللغوي الجميل الواضح، والعبارة القوية السهلة، ولم يهمل معالجة الشكل الفني في الشعر والنثر، وفي هذا ما يؤكد على نضج الناقد القديم ووعيه المبكر بما يأخذ وما يدع، كما يؤكد على استناده إلى القرآن الكريم والسنة الشريفة، على أساس إيمانه الجازم بضرورة الربط بين الأدب والدين، وأنه لا تعارض مطلقاً بين القول الجميل الرائق والمعنى الشريف الراقي.


تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة