روشتة إصلاحية لبناء مجتمع محصّن

محمد العبدالله

31 ديسمبر 2025

145

مهما سمت نفس الشخص وعَلَت همّته يبقى أمان المجتمع مظلته الحقيقية؛ التي يحتمي بها في هجير الأزمات، وقرّ النفس وبرودها القيمي، وقيظ شهواتها ويقظة وسواسها.

المجتمع صمام الأمان، هو الأب المشفق، والأم الرؤوم، والأخ الصدوق، والمعلّم النصوح، هو الملاذ الذي يحتضنك وتفرغ فيه همومك، هو السكن للنفس المضطربة، والحصن الحصين، والملاذ الأمين، لكل فرد تائه ونفس شاردة، فعندما يكون المجتمع محصناً عقدياً وتربوياً ونفسياً، فلا مجال لخداع الروح، أو النفس، أو اللجوء إلى دجال أو مشعوذ.

فأفراد المجتمع كلهم مُعالِجٌ وطبيب، كلهم صدوق ونصوح، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (رواه مسلم).

لأجل أن نعيش أو نكون في مجتمع محصن، «المجتمع» تواصلت مع عدد من الخبراء والمختصين، لتقديم رؤية مفعمة بالأمل لمجتمع بنّاء ومحصن نفسياً وعقدياً وتربوياً، من الانسياق وراء الوهم أو خديعة المشعوذين والدجالين.

اليقين والتحصين أنجع علاج إيماني

يحذر د. مجدي هلال، أستاذ الصحة النفسية بالجامعة الإسلامية، كبير باحثين بالأزهر سابقاً، من الغل والحقد وخطورته في المجتمع؛ لأن حالة السحر والأعمال السفلية يكون فيها العامل في حالة حقد وغل وجرأة على الله تعالى وشرعه والإنسانية، وفي شبه قطيعة أو منبوذ اجتماعياً، ورداءة أخلاقية تجعله مستعداً لفعل أي شيء.

ويوضح، خلال حديثه لـ«المجتمع»، أن المعمول (المسحور له) يكون في حالة خوف وارتباك وتوهم يفقده اتزانه ويوقعه في دائرة الخوف والقلق وربما الوسواس والشعور بالاضطهاد، وتلك حالة تلمس شيئاً من يقين بعض المؤمنين فيتعاظم أمر السحر والساحر فيتهافت إليه المتهافتون.

ويبين هلال، الحقيقة، بأن المؤمن بصفة عامة والمسحور له خاصة لو جدد إيمانه ويقينه بأنه لن يصيبه شيء إلا بإذن الله ولو اجتمع عليه جميع سحرة العالم، ولأخرج نفسه من دائرة توهم الأذى والخوف من عبد ضعيف لا يملك لنفسه شيئاً، كما سيعود إليه اتزانه إذا لزم الذِّكر لسانه ووجدانه وعاد للقلب اطمئنانه وللنفس ثقتها وتقواها.

ونوّه هلال بأن نهج التحصين في القرآن والسُّنة واضح مبين في «الفاتحة» و«البقرة» و«الإخلاص» و«المعوذتين» وأذكار الصباح والمساء، فذلك أنجع علاج إيماني معرفي سلوكي (CBT)، وملخصه:

1- فكرة الإيمان واليقين ومداومة التحصين.

2- تدريبات الثقة بالنفس والحفاظ على الطهارة والطاعات.

3- البعد عن مواطن وأوقات وأعيان الكراهة والشبهة.

4- تدريب القلب والنفس على التغافر.

5- الأدعية الجامعة ولزوم صحبة الصالحين.

دمج الخطاب الإيماني بالوعي النفسي

أما د. إبراهيم الديبو، رئيس قسم الفلسفة والدين في كلية العلوم الإسلامية بجامعة استقلال- كهرمان مرعش، فقد أكد في حديثه لـ«المجتمع»، أن الاستسلام لظواهر السحر والدجل والشعوذة يمثل نوعاً من الانحراف الإيماني والضعف العقدي، وهذا يفرض على المؤمن مواجهة واعية شاملة لا تقف عند التحريم فحسب، بل تعالج الأسباب الإيمانية والنفسية والتربوية التي ورثت النفوس هذا الضعف والاستسلام أمام ظواهر متداخلة من السحر والشعوذة والدجل.

ويشدد الديبو على التأسيس الإيماني والعقدي الذي يقوم على كمال الإيمان بأن الله تعالى هو المتفرد والفاعل، ولا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة، وهذا ما قرره القرآن في حصر الفاعلية المطلقة بالله تعالى.

ويحذر من أن ضعف هذا الأصل يؤدي إلى تضخيم دور الأسباب الغيبية أو المادية، وتحويل السحر إلى أداة تفسير شاملة للأزمات، وهو ما يناقض مقتضيات الإيمان.

وتابع في حديثه: إن التربية الدينية الرشيدة تسهم في ترسيخ مبدأ الجمع بين التوكل والأخذ بالأسباب، بما يحقق التوازن بين الإيمان والعقل.

أما البناء النفسي، فيتجه إلى معالجة القابلية الداخلية لتصديق السحر، التي غالبًا ما تنشأ عن القلق، وفقدان الشعور بالسيطرة، والبحث عن تفسيرات خارقة للمعاناة.

وأوضح الديبو أن الخلط بين الاضطرابات النفسية والسحر يسهم في ترسيخ الوهم وتأخير التدخل العلاجي، ومن هنا تأتي أهمية دمج الخطاب الإيماني بالوعي النفسي، بما يعيد تفسير الألم الإنساني ضمن أطر واقعية منضبطة، ويحرر الفرد من الخوف المرضي من المجهول، منوهاً بأن البناء عبر البعد التربوي، يكتمل من خلال:

1- تنمية التفكير النقدي المنضبط بالدليل الشرعي.

2- تعليم الفروق المنهجية بين الرقية الشرعية، القائمة على النص والتوكل، والممارسات الشعوذية المبنية على الإيهام والاستغلال.

واختتم حديثه قائلاً: تكامل الأبعاد العقدية والنفسية والتربوية يفضي إلى وعي محصّن، قادر على مقاومة السحر والشعوذة والدجل، ويؤسس لفهم سليم للعلاقة بين الغيب والواقع، وبين الإيمان والمسؤولية الإنسانية.

تكامل التربية الإسلامية مع الرقمية

أما المستشار والخبير التربوي د. عبدالقادر عبدالرحمن النجيلي، الأكاديمي بكلية العلوم التربوية في الجامعة الأردنية، فقد أشار إلى أنه في ظل التحولات المتسارعة التي فرضتها التربية الرقمية، برزت تحديات عقدية ونفسية متزايدة في المجتمعات الرقمية المعاصرة، تمثلت في انتشار محتوى السحر والشعوذة والتنجيم عبر منصات التواصل الاجتماعي، من خلال حسابات تدّعي فك السحر أو قراءة الطالع أو العلاج بالطاقة.

وأوضح النجيلي أنها تستهدف فئات عمرية مختلفة، ولا سيما فئة المراهقين والشباب، مبيناً أن هذا الواقع يدعو إلى أهمية البناء العقدي المستند إلى قيم التربية الإسلامية، بوصفه ركيزة أساسية للتحصين النفسي والفكري.

وأضاف أن العقيدة الإسلامية تسهم في ترسيخ قيمة التوحيد، وتعميق الإيمان بالقضاء والقدر، وتعزيز التوكل على الله، بما يحقق الطمأنينة النفسية ويحمي الفرد من الوقوع في الوهم والخرافة والاستغلال الرقمي.

كما تنسجم هذه القيم مع مبادئ التنمية المستدامة، خاصة في بعدها الاجتماعي، من خلال بناء إنسان متوازن نفسيًا وفكريًا، قادر على التمييز الواعي بين الحق والباطل، والمحتوى الهادف والمضلل.

وحذّر النجيلي من المجموعات المغلقة على التطبيق الرقمية مثل «تلغرام» التي تروج لطقوس رقمية ووصفات سحرية مقابل اشتراكات مالية، أو تداول مقاطع رائجة توظف رموزًا غامضة تحت مسمى التجربة الروحية.

كما ثمّن وجود مبادرات رقمية توعوية يقودها تربويون ودعاة مختصون، تسهم في تفكيك هذه الخطابات من خلال الجمع بين البيان الشرعي، والتحليل النفسي، وتنمية مهارات التفكير النقدي الرقمي.

وأشار إلى أن هذه الوسائل تتمثل في الوسائل الوقائية العملية المستوحاة من قيم التربية الإسلامية والتنمية المستدامة في التربية الإعلامية الرقمية التي تعزز قيمة المسؤولية، والرقابة الإرشادية الواعية.

كما أن إدراج وحدات تعليمية رقمية تفاعلية تحلل نماذج واقعية من محتوى الشعوذة تفكيكًا عقديًا ونفسيًا، وإطلاق حملات رقمية شبابية مثل العقيدة حصن أمان ولا للخرافة الرقمية.

واختتم حديثه قائلاً: وبذلك تتكامل التربية الإسلامية مع التربية الرقمية في تحقيق التحصين النفسي، والاستقامة العقدية، والوعي الرقمي المسؤول.



اقرأ أيضاً:

السؤال المحيِّر: لماذا يعود الإنسان إلى السحر؟

«اقتصاد الانتباه» يجتذب الضحايا إلى أوكار السحر

أكاديمي إندونيسي لـ«المجتمع»: نريد بناء عقل ديني متزن لمواجهة الخرافة

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة