السؤال المحيِّر: لماذا يعود الإنسان إلى السحر؟

محمد العبدالله

29 ديسمبر 2025

403

كما ينتكس الجسد ويعود لعلّته، فتكبّله الأسقام والأوجاع، تنتكس أيضاً النفس ويثقلها الخداع والأوهام، وإذا كان البدن ينجس ويتلوث ووجوب طهارته تكون عبر البصر، فإن النفس تتلوث وتفسد وتكون طهارتها عبر البصيرة، فالصعف البشري مكتوب على الإنسان، وأي شخص مهما سمت نفسه معرّض للضعف والخداع، وهذا ما يفسر عودة الإنسان للسحر والشعوذة، رغم معرفته بخداع وحيل السحرة والمشعوذين.

لكن يبقى السؤال: لماذا يعود الإنسان إلى السحر؟ هل هو الخوف أم القلق أم انهيار اليقين أم جميعها دفعة واحدة؟ وحالة عودته وضعفه واغتيال وعيه وإدراكه، فما الحل للنهوض مجدداً من كبوته؟

«المجتمع» تواصلت مع عدد من خبراء النفس والسلوك، لمعرفة أسباب انتكاسة الإنسان والولوج لعالم السحرة والمشعوذين، وما الحل لبعثه مجدداً من كبوته وإحياء نفسه والسمو بها. 

الانهزام أمام التحديات

الاختصاصية النفسية والكاتبة المغربية د. فاطمة الكتاني أكدت لـ«المجتمع» أن الإنسان يلجأ إلى السحر عندما يعجز عن إيجاد حلول للتحديات التي قد تواجهه في الحياة، مثل تأخر الزواج، والعقبات في العمل، والأمراض المزمنة، أو الخلافات الزوجية والعائلية، ظناً منه أنه سيجد مخرجًا.

وأوضحت أن القلق والخوف والشعور بعدم الأمان يدفع بعض الناس إلى تلك الممارسات؛ التي يروّج لها المشعوذون، مستغلين ضعف النفوس.

وحول اللجوء إلى هذه الممارسات، بيّنت الكتاني أن ذلك لا يرتبط بالمستوى العلمي أو بالشهادات الأكاديمية التي يحملها الإنسان، بل يرتبط أساساً بالتربية الأسرية، وبمستوى الوعي والثقافة التي تشكلت لديه منذ الصغر.

وتابعت: فالعلم وحده لا يكفي إذا لم يدعم بوعي نقدي وتربية على التفكير المنطقي، وغالباً ما تؤدي هذه الطرق إلى نكسات جديدة، وتدخل الإنسان في دائرة من التفكير السلبي والاضطراب النفسي.

كما نوهت بأن انتشار الخرافات يرتبط بالتخلف الاجتماعي وبالقهر الذي يمارسه القوي على الضعيف؛ إذ يبدأ ذلك من داخل الأسرة، حيث تكون التنشئة في بيئة قد تجعل الإنسان تائهاً، فاقداً للشعور بالأمان، في عالم تسيطر عليه الماديات ويغيب عنه الوعي الروحي.

روشتة علاجية

وللانعتاق من أغلال وشباك الوقوع في السحر، أكدت الكتاني عدداً من التعزيزات النفسية والإيمانية، وأن الحل ليس في السحر، بل في العلم، والوعي، والتوكل على الله بعد الأخذ بالأسباب:

1- تعزيز الوعي الديني والفكري: إدراك أن السحر والشعوذة ليست حلولاً، وإنما أوهام تضر ولا تنفع، والتمسك بالقيم الدينية والأخلاقية يحمي من الوقوع في هذه الممارسات.

2- التثقيف المستمر: نشر المعرفة العلمية والعملية حول كيفية مواجهة التحديات الحياتية، مثل الصحة النفسية، وإدارة الضغوط، وحل المشكلات بطريقة عقلانية.

3- طلب الدعم النفسي والاجتماعي: اللجوء إلى الأطباء، أو المستشارين النفسيين، أو حتى الأصدقاء والعائلة عند مواجهة الأزمات، بدلاً من الانعزال أو البحث عن حلول وهمية.

4- تنمية مهارات التكيف: مثل الصبر، والتفكير الإيجابي، والبحث عن بدائل عملية لمواجهة العقبات.

5- محاربة الخرافة بالمعلومة: كلما زاد انتشار الوعي والمعرفة؛ قلَّ تأثير المشعوذين على الناس.

فخ الثلاثية الزائفة وتخدير المشاعر

بينما أكدت الإعلامية ياسمين الجيوسي، أستاذة العقيدة والفلسفة الإسلامية في الجامعة الأردنية، أن العلم والدين آليتان من خلالهما يحصّن الإنسان عقله ونفسه، ولكن عندما يُعنى العلم بتفسير الكيفية ولا يقدم السبب دائماً، وعندما يغيب الوازع الديني ويهتزّ يقين الفرد، عند وجود الثلاثية الهرمية (الخوف والقلق وانهيار اليقين)، فإنه حينها يلجأ إلى تحويلها إلى ثلاثية زائفة (محسود ومسحور وعمل مدفون)، تعمل على تخدير مشاعره وتعينه على الانسحاب من القلق وإيجاد نشوة النصر على مخاوفه.

وأضافت لـ«المجتمع» أن الإنسان ليس معصومًا وقد يقع في الخطأ عند التطبيق، وليس في الاعتقاد، كالجهل في باب الرقية الشرعية وضوابطها، ويخلط بينها وبين من يدّعي أنه راقٍ شرعي يعالج بالقرآن والمشعوذ، فيقع في اللَّبسِ وخصوصاً عندما تضعف الممانعة لديه مع طول تعرضه للبلاء.

وتساءلت الجيوسي: كيف ننشر الوعي الصحيح، ونحمي مجتمعاتنا من استغلال المشعوذين لينهض مجتمعنا بوعيه، ويتمكن أفراده من التفريق بين الدين والخرافة؟ وما وسائل تحصين الأفراد من آثار الثلاثية الهرمية الأولى؟

وأضافت أن هذه تساؤلات تحتاج إلى عشرات المقالات لبيانها، تعتمد على خطوات عملية وشرعية تجمع بين العلم وتعزيز اليقين والدين، وتحصين الفرد بالمداومة على الطاعات وذكر الله والتمسّك بشرعه وعقيدته السليمة، والعمل على تعزيز العقل النقديّ لديه بما يعينه على التفكير والتحليل بدل الخوف والخرافة.

أيضاً نوهت بوقوع كثير من أهل العلم والمثقفين في مساحة الإيمان بالسحر والتنجيم والطاقة والقوة الخفية، مبينة أن المفارقة هي أن المتعلّم يعرف الكثير ولكنه غير مطمئن؛ بسبب هشاشة إيمانه وتآكل ثقته بنفسه قبل غيره، فيلجأ إلى السحر ليجد تفسيرًا منطقيًا لإخفاقه بعيدًا عن إدانة نفسه وضعفها، ولينتقل بآلامه ومخاوفه إلى قوى خارجة عن سيطرته.

وأوضحت أن السحر ليس إلا سبيلاً لصرخةِ بحثٍ عن ملاذٍ آمن له، لا يراه انحرافًا عن العقل والدين، وكأنما هو آلية دفاع لما لا يطيقه الفرد داخليًا، ولغة بديلة إلى حين يهدأ القلق وينتصر العقل.

مراقبة السلوك حائط صد في وجه الشعوذة

فيما ذكر الباحث العراقي د. عمر الأيوبي أن عدم عودة الإنسان إلى السحر والشعوذ يتطلب مراقبة السلوك، فالفكر السليم والعقيدة الصحيحة لا يكفيان للوقوف إزاء هذه الظاهرة ونبذها، حينئذ لا بد من تشريع القوانين اللازمة لمكافحتها، والحد من أثرها في خداع الناس وسرقة أموالهم، ونشر الوهم والكراهية والأحقاد بين الناس.

وشدد، في حديثه لـ«المجتمع»، أن استئصال ظاهرة متفشّية بهذا الحجم يستلزم تضافر جهود فئات المجتمع ومؤسساتِ الدولة، ويقعُ عبؤها على النخبة الواعية المثقّفة فهي القيادة الحقيقيّة التي تقود المجتمعَ وتوجّه دفة سفينته.

وطالب بضرورة بناء العمل على تصويب معارف الناس بهذا الموضوع من خلال نشر حقيقة هذا الموضوع وإزالة الأوهام المرتبطة به وخصوصاً لدى الفئات العمريّة 12 - 25 عاماً، التي هي الفئات الأقدر على تغيير المعتقدات وتكوين المفاهيم الجديدة.

وتابع قائلاً: يمكن استهداف هذه الفئات من خلال المناهج التعليميّة التي تعدُّ وسيلة مُقنعة ومؤثرة في بناء المعرفة تمهيداً لتكوين المفاهيم والعقائد.

وفي ختام حديثه، أكد أيضاً ترسيخ العقائد السليمة حول هذه المواضيع عبر توضيح التصوّرات العلميّة والدينيّة الصحيحة المتعلّقة بالموضوع، وذلك من خلال:

  • آراء وأقوال الأطبّاء والفيزيائيين وعلماء النفس وعلماء الدين المُدركينَ لحقيقة هذه الخزعبلات وأثرها السيّئ على المجتمع.
  • ضرورة العمل على نشر العقائد السليمة في وسائل الإعلام المختلفة، وخصوصاً وسائل التواصل الاجتماعي.



اقرأ أيضاً:

خبراء يكشفون أسرار وقوع المتعلمين والمثقفين في شباك السحرة

«اقتصاد الانتباه» يجتذب الضحايا إلى أوكار السحر

3 شباك جديدة للإيقاع بضحايا السحر

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة