الوطنية في زمن القلق.. أزمة الشباب والمستقبل

ثمة تحديات كثيرة تواجه جهود ترسيخ قيم الانتماء والوطنية لدى الشباب في عالمنا العربي، إذ تتعرض هذه الفئة على وجه الخصوص للكثير من المحاولات التي تستهدف تذويب هويتها الثقافية والفكرية ومن ثم زعزعة مفاهيم الوطنية لديها، فيصبح الوطن لدى بعضهم مجرد مساحة جغرافية بلا روح أو محطة اضطرارية للانتقال لغيرها بحثاً عما يحقق الطموح ويلبي الاحتياجات، في انسجام مع هوية جديدة مصطنعة يتم صياغتها بعيداً عن الجذور، متجاهلة اعتبارات التاريخ والهوية والمصير المشترك لتضحى العلاقة مع الوطن محكومة بمنطق الربح والخسارة.

يأتي القلق الذي تتعدد مصادره في واقعنا المعاصر وإن كان أبرزها الناجم عن تلك النزاعات أو حتى تصاعد وتيرة الحروب وما يترتب على ذلك من عدم الاستقرار، كأحد أهم المؤثرات النفسية التي تنعكس بشكل سلبي على وعي الشباب وتصوراتهم حول العلاقة بين الوطنية وملامح المستقبل، إذ يدفع هذا القلق الشباب لإعادة ترتيب أولوياتهم بحيث تتقدم اعتبارات الأمان الفردي أو الخلاص الذاتي على حساب الانتماء بعد أن تراجعت لديهم صورة الوطن كحاضن للمستقبل.

القلق والعجز

بحسب العديد من الدراسات الأكاديمية، فإن القلق الناتج عن الحروب والنزاعات المسلحة وما يصحبها من صدمات مستمرة كالشعور بالخوف أو النزوح أو فقدان الأحبة أو التعرض للعنف أو الإحساس بالعدمية تجاه المستقبل، ليس مجرد توتر عابر، بل كثيراً ما يتحول إلى اضطرابات نفسية مزمنة مثل اضطراب القلق العام واضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب.

وقد صدقت منظمة الصحة العالمية على صحة هذه الدراسات، مشيرة إلى أنه في حالات النزاع المسلح يعاني حوالي 10% من الأشخاص الذين يتعرضون لأحداث صادمة من مشكلات نفسية خطيرة بينما يطور 10% آخرون سلوكيات تعيق وظائفهم اليومية وأكثرها شيوعاً القلق والاكتئاب والأرق.

اضطرابات القلق

بكل تأكيد، فإن طول الفترات الزمنية للنزاع والحروب كفيل بأن يرسخ لحالة القلق لدى الشباب، وهو بكل أسف ما شهدته منطقتنا العربية التي تعاني من الفوضى والاضطراب على مدار عقود متتالية نتيجة اندلاع صراعات متعددة؛ الأمر الذي أفضى إلى ارتفاع ملحوظ في أعداد المصابين بإضرابات القلق حتى وصلت –وفق تقديرات- عام 2021م إلى نحو 37 مليون حالة بزيادة 20% عن المصابين عام 1990م، وهي النسبة المرشحة للزيادة بكل تأكيد في ظل ما تمر به المنطقة حالياً.

وتكمن خطورة هذا الشعور بالقلق لدى الشباب فيما ينجم عنه من الشعور بالعجز المتزايد، حيث يفقد الشاب إحساسه بقدرته على التأثير في مسار حياته، ومن ثم الخوف الشديد إزاء مستقبله وانعدام الأمان وضياع البوصلة وفقدان القدرة على التنبؤ بما هو مقبل، فضلاً عن عدم الثقة في إمكانية المشاركة في إحداث أي تغيير وإن توفرت له لاحقاً بعض الفرص.

والأكثر خطورة هو الانعكاس السلبي لكل هذه المؤثرات على مستوى الطموح وشكل العلاقة بالوطن لينتقل الشاب من مرحلة الخوف إلى مرحلة الاستسلام في ظل غياب أدوات للمواجهة أو شبكات دعم اجتماعي يمكنها المساهمة في رفع الإحساس بالفاعلية الذاتية لدى هذه الفئة، فتتراجع روح المبادرة وتضعف المشاركة المجتمعية وترتفع معدلات الهجرة بمستوييها العملي والنفسي.

الوطنية والمنفعة

لم يكن مستغرباً إذن وفي ظل هذه الحالة من القلق وتداعياتها أن تحدث تحولات مفاهيمية تطال مفهوم الوطنية ذاته حيث تجاوزت معنى الانتماء والولاء والمصير المشترك، لتصبح معنى نفعياً ومصلحياً بالدرجة الأولى حيث رهن الكثير من هؤلاء التعلق بالوطن بما يوفره من فرص أو يتيحه من إمكانات لا بما يمثله من قيمة معنوية أو رابطة وجودية.

وربما يفسر ذلك لجوء الملايين من الشباب أو على أقل تقدير رغبتهم في الهجرة وترك أوطانهم الأصلية ليس فقط بدافع المعاناة من الأزمات الاقتصادية أو انعدام فرص العمل أو انسداد الأفق السياسي، فهذه ليست كل الدوافع وراء الراغبين في هذه الهجرة، إذ ثمة هواجس أخرى لدى البعض ممن توفرت لديهم فرص عمل جيدة وأتيحت لهم الإمكانات لكنه القلق والخوف من المستقبل.

ويفتح هذا المعنى الجديد للوطنية الباب لتشكيل هويات بديلة عابرة لحدود الأوطان يكون أهم محدداتها الأمان المستقبلي ليس للفرد وحده لكن أيضاً للأبناء وللأحفاد، وهي رؤية لا تلتزم بفكرة البقاء بالقرب من الأهل أو العائلة أو القبيلة، فالوطن هو المصلحة والظروف التي تعمل على استدامة تحققها لتتجاوز الهجرة ودوافعها هنا مستواها المادي إلى المستوى النفسي أيضاً.

كما يعد ذلك تعظيماً للنزعة الفردية وتفكيكاً للروابط التقليدية، فالارتباط بالوطن والدوائر التقليدية (الأسرة – العائلة – القبيلة) هو قيد يحول بين المرء وتحقيق ما يريد في فضاءات أوسع تتسم بالسيولة والانفتاح وتعدد الفرص بل وبالابتعاد عن الفوضى وعدم الاستقرار.

الوطنية والمستقبل

أمام تلك الحالة، يصبح المستقبل والرغبة في تأمينه وبلا جدال البوصلة الأولى لدى المصابين بالقلق، حيث تتراجع تدريجياً قيمة التضحية من أجل الوطن، إذ يبقى السؤال الأساسي والمركزي لدى الكثير منهم: ماذا يمنحني هذا الوطن؟ لا ماذا يمكن أن أقدمه له؟ ما يعبر عن مدى عمق الانتقال من منطق الواجب إلى منطق الحق.

وعلى الرغم من أن مشاعر الوطنية تتصاعد في كثير من الأحيان في أوقات الأزمات، فإن استمرار هذه الأزمات وخاصة الحروب والنزاعات كفيل بأن يعرض الوطنية لاختبار صعب فليس للعاطفة وحدها أن تصمد في مواجهة واقع يفتقر إلى الحد الأدنى من الاستقرار أو يفتقد إلى ملامح واضحة للمستقبل.

في هذا السياق، يكون من العبث النظر إلى ما وصلت إليه أزمة الوطنية باعتباره مجرد خلل عاطفي يمكن معالجته بخطاب تعبوي، بل هي أزمة ثقة في المستقبل توجب معالجتها استعادة بناء هذه الثقة المفقودة على أسس واقعية وملموسة.

وتأتي قدرة الشباب على توقع وقوع الحد الأدنى من الاستقرار كأول هذه الأسس، فذلك مما يمنحهم الفرصة لرسم ملامح ما هو قادم خلال حياتهم، وأن هذه الحياة ليست على شفا جرف هار، وهو ما يرتبط بالضرورة بإيجاد بيئة سياسية واقتصادية مستقرة توفر الحد الأدنى من الضمانات.

ويلزم هذا الأساس المعنيين ببذل كل الجهود الممكنة من أجل النأي ببلادهم ومجتمعاتهم عن الاستمرار في صراعات ونزاعات، بل والعمل على التماس كل السبل المتاحة والوسائل المشروعة لتفادي كل ما يفجر هذه النزاعات بهدف تحقيق أكبر قدر من الاستقرار.

ومن الأسس المهمة أيضاً إشراك المجتمع وخاصة الشباب في كل مراحل القرار الوطني المتعلقة بالانخراط في النزاعات أو الاستمرار فيها، إذ يمثل هذا مشاركة فعلية في رسم ملامح المستقبل ويمنح الأفراد شعوراً بالمسؤولية المشتركة والقدرة على التأثير، وأنهم ليسوا مجرد أوراق في مهب الريح وبذا تتحول القرارات من كونها أحادية أو مفروضة إلى خيارات جماعية مدروسة تراعي تقدير الأخطار والمكاسب مما يعزز كذلك الثقة بين الشباب ووطنهم.

كما تبرز أهمية تطوير الخطاب التعليمي والإعلامي بحيث لا يكتفي خلاله بتلقين مفاهيم الوطنية، بل وبربطها بحياة الناس اليومية وتقديمها بوصفها علاقة متبادلة تقوم على الحقوق والواجبات، فالوطنية التي يتم فرضها خطابياً سرعان ما تتآكل، أما تلك التي تنبني على إدراك ووعي فهي الأكثر قدرة على الصمود.



اقرأ أيضاً:

كيف تُغيِّر الحرب شخصية اليافعين؟

صناعة الأمل لدى الشباب العربي

الاهتمام بآراء الشباب العربي.. الشكلي والفعلي

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة