كيف تُغيِّر الحرب شخصية اليافعين؟
مع الاستقرار
الذي شهدته دول الخليج العربي وعديد من بلدان المنطقة؛ نشأ جيل جديد لم يدرك صوت
الحرب؛ فحياته وادعة، والسيارة تقله لمدرسته كل صباح، ويسير يومه هادئاً بين
التعلّم والأنشطة حتى يأتي المساء فيشاهد مباراة يحبها أو يتسلى عبر الهاتف، فجأة
انقلبت الحال مع التطورات المؤسفة للعدوان الإيراني على بلدان الخليج واستهداف
المرافق المدنية فيها، وهو ما أعاد لذاكرة الآباء مشاهد مؤسفة من التوتر شهدتها
العقود الماضية.
لكن وبقدر ما
تحمله الحرب اليوم من ألم؛ فهي مدرسة كبرى للتعلّم والنضج خاصة للناشئين، وفي قول
الله تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُم)
ندرك حكمة زمن الابتلاء، هنا ترى الشعوب متضامنة على قلب واحد ودعاء واحد،
ويستشعر الشباب أن مسؤوليتهم صارت أكبر ربما من أعمارهم الغضّة، يزداد قربهم من
الله وينمو وعيهم بمجريات الأحداث وعودتهم للتاريخ، وتصبح لحياتهم غاية ومعنى
حفزها الشعور بالخطر.
النبي.. وتنشئة الرجال
في مدرسة النبي صلى
الله عليه وسلم تربى جيل كامل من عظماء الأمة، الصحابة الكرام، هؤلاء الذين غيّروا
وجه الأرض لا حال أمتهم فحسب، يقول الله عزّ وجلّ: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ
أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا
يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا) (الفتح: 29).
هذه الخصيصة في الأمة
يفهمها الشباب زمن الحرب، كما يفهمون تاريخهم وكيف خذل بنو إسرائيل نبيهم موسى
عليه السلام وقالوا له: (فَاذْهَبْ
أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) (المائدة: 24)، بينما
قال الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم حين شاورهم في القتال يوم «بدر» مع أنه لم
يحتم عليهم: يا رسول الله، لو خضت بنا هذا البحر لخضناه معك، اذهب أنت وربك فقاتلا
إنا معكما مقاتلون.
تعلّم الصحابة
في مدرسة النبوة الجهاد بالنفس والمال، فتسابقوا لتجهيز جيش العسرة بكل ما يملكون،
لقد تخلى الصحابة عن رغد العيش لأجل الرسالة؛ وها هو مصعب بن عمير يهاجر في رحلة
طويلة محروماً من رغد العيش ومن الأهل وقد تبدلت ملابسه وملامحه لأجل دين الله؛ لذا
فقد اختاره النبي صلى الله عليه وسلم حاملاً للواء المؤمنين يوم غزوة «بدر».
ومع انتهاكات «إسرائيل»
من قتل الأبرياء وقوانين إعدام الأسرى، يفهم الشباب الفارق الجوهري بين المسلم
والكافر زمن الحرب؛ وقد امتثل أبو بكر الصديق رضي الله عنه لأوامر النبي صلى الله عليه
وسلم للجيش دائماً بألا يخونوا ولا يغلوا ولا يقتلوا طفلاً ولا شيخاً ولا امرأة
ولا يقطعوا شجرة، بل ولا يعكروا صفو العبادة على من أفرغوا أنفسهم في الصوامع من
أهل الكتاب، وهكذا يحتاج النشء لمن يحدثه في مفارقات الحرب ويربطها بحاضرهم
وماضيهم فينشأ الوعي.
التكيف كناجٍ لا ضحية
يثور التساؤل مع
عقد الحروب والصراعات، كيف تنجو الفئات الهشة وبينها المراهقون من اضطراب ما بعد
الصدمة (PTSD) والملازم لعوارض القلق الشديد والارتباك
والصدمة والاكتئاب وربما العزلة؟ صحيح أنها مظاهر طبيعية لمن فوجئوا بانهيار أعمدة
الأمن والحياة وفقدان الأحبة من حولهم، لكن استمرارها يوقف عجلة الحياة وفرص
النجاة.
تبدو تلك
الأعراض جلية في قطاع غزة والضفة بفلسطين، ولا تزال بادية على شريحة واسعة من
السوريين ممن خاضوا أشد فترات القمع منذ اندلاع ثورتهم وحتى رحيل نظام بشّار، كما
تظهر –بحسب منظمة رعاية الطفولة- في أطفال اليمن والسودان في ظل الصراعات.
من هنا بدأ فريق
كبير من خبراء علم النفس يركز في كيفية تخطي ندبات الحرب وكربها على النفس، عبر ما
يُعرف بـإستراتيجيات التكيف (Coping
Strategies)، وبالطبع
فهي آلية لا تنجح دون دعم مجتمعي من الأصدقاء والأسرة، لتفريغ ذهن ونشاط الصبي
تجاه الرياضة والتطوع والعبادة والقراءة والأنشطة التي يعبر فيها عن نفسه، مع
إعادة لتعريف الظروف القاسية من كارثة إلى تجربة يمكن تجاوزها.
بدأ مفهوم «النمو
ما بعد الصدمة» يشيع باعتبار أنه ليس كل من يتعرض للحرب ينهار، بل بعضهم يخرج أقوى
وبنضج نفسي وقوة إرادة حقيقية. (رسالة قدمها عرفان فايز وآخرون حول المهاجرين
السوريين، ضمن المركز القومي الأميركي للوعي البيوتكنولوجي).
برغم قسوة
الحرب، تشير الدراسات الميدانية لتحولات إيجابية في الوعي بعد الحرب لشباب من
خلفيات مسلمة (سورية، العراق، اليمن، أفغانستان)، سواء داخل بلدانهم أو في المهجر،
لقد أصبح لديهم أمل مبني على الواقع والتجربة، وعمق روحي، وشعور بالمسؤولية
والتوكل على الله مع الأخذ بالأسباب، لم يمنع ذلك من استمرار ظهور أعراض الصدمة
لكنها تطورت للعمل على بناء النفس ومساندة المجتمع وعدم التوقف أمام هذا الجرح مع
صوت يدرك أن «مع العسر يسراً».
عمق مسؤولية الآباء
تضاعف أوقات
الحرب من مسؤولية الآباء فهم يهرعون لتقديم الدعم النفسي والحماية لأبنائهم إلى
جانب ما يكفيهم من متطلبات العيش وبرغم ما ينجم عن الحرب من ظروف معيشية صعبة تثير
أزمات خانقة وتمزق أسري.
تزداد الصعوبة
مع فقد أحد الأفراد وما يخلفه من عقدة لدى الناجين واختلالات وكوابيس وربما يتطور
الأمر لدى المراهقين لميول عنف إن لم يتم احتواء الأمر مبكراً.
وهناك أزمة تنشأ
لدى الأطفال الأصغر عمرًا حين يفقدون الشغف لمواصلة التعلم في ظل ظروف نفسية سيئة،
وهو ما يجعل مسؤولية الوالدين أو أحدهما على الأقل، كبيرة حقًا لاحتواء مخاوف
أبنائهم كباراً وصغاراً، وإثارة روح التفاؤل بأن القادم سيكون أفضل، مع صنع روتين
مشترك لأنشطة يمارسونها معهم سوياً.
النمو رغم ظلال الحرب
بريان ك. باربر،
أستاذ فخري بجامعة تينيسي، وهو مساند أيضاً للحق العربي ضد العدوان الأمريكي «الإسرائيلي»
الغاشم، يعزو هذا الصمود للدعم المجتمعي وتماسك عرى الأسرة والشبكات الاجتماعية
والدينية التي تعيد السكينة لنفوس الصغار، وتجعلهم أكثر إدراكاً للغاية والهدف من
الحياة.
ويضرب
البروفيسور المثل بقطاع غزة الذي يعد من أكثر مدن العالم كثافة سكانية فيسكنه نحو
مليوني نسمة أكثر من نصفهم من المراهقين والأطفال تحت 18 عاماً الذين يعيشون تحت
حصار مرير وانقطاع كهرباء وغياب الخدمات والمياه والطعام الصحي، والمثير للدهشة
بالنسبة له أن شبان غزة بدوا مصممين على النجاة وبناء مستقبلهم ووطنهم.
لقد لاحظ بريان،
مؤلف كتاب «المراهقون والحرب»، أمرًا مهماً في مخيمات اللاجئين السوريين، وفي
مخيمات النازحين السودانيين والفلسطينيين، حيث يحرص الشباب على التعلم والعبادة،
كما تشيع بينهم محبة الحياة وممارسة الكرة أحياناً والحوار والضحك حتى في ذروة
أوقات العنف والجوع، بالطبع لا يعني ذلك أن حال هؤلاء الشباب على ما يرام وهم
يواجهون الموت حرفياً في مخيماتهم كل يوم، بل يعني قدرتهم رغم ذلك على صنع أبجديات
الحياة ومواجهة اليأس والاحتراق الداخلي الناجم عن الحرب.
حين نتحول لمشهد
الشباب العربي وفي قلبه الخليجي، سنرى كيف أسهمت ظروف الحرب في إثراء نقاشاتهم
ومبادراتهم عبر أندية الكتب ووسائل التواصل الاجتماعي، وكيف باتت تساؤلاتهم الملحة
لفهم طبيعة الصراع من جانب ولخلق روح السكينة ونبذ الاستقطاب والفرقة، حتى أصبح
ذلك سمت أغلب تجمعات الأصدقاء في الشوارع والأندية والمساجد وغيرها.
يقول د. بريان
في مدونته العلمية: أحياناً يكون الصمود ضرورة لا رفاهية من أجل البقاء، وقد
ألهمني حقاً تأمل صمود الشباب العربي زمن المحن!
اقرأ
أيضاً:
كيف نبني ملاجئ
نفسية لأطفالنا وسط شظايا القلق الإقليمي؟
ركائز تحصين
الجبهة الداخلية في أزمنة الحروب
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً