الجذور التاريخية لدعوة تقييد تعدد الزوجات (2)

د. فاطمة حافظ

06 يوليو 2026

61

الجذور التاريخية لدعوة تقييد تعدد الزوجات (2)

ذكرنا في المقال السابق أن أول من دعا إلى تقييد تعدد الزوجات كان الشيخ محمد عبده في تقريره حول إصلاح المحاكم الشرعية عام 1899م، وأن هذه الدعوة تم إحياؤه في مشروع تقدمت به وزارة الحقانية عام 1927م، وقوبل بمعارضة من العلماء فلم تتمكن الوزارة من تمريره، وبعد قرابة عقدين تقريباً بعثت الفكرة مجدداً من خلال مشروع قانون تبنته وزارة الشؤون الاجتماعية.

مشروع وزارة الشؤون الاجتماعية 1945م

أخذت الحكومة المصرية في استكمال تشريعاتها المتعلقة بالأسرة فأصدرت عام 1943م قانون المواريث، ثم أردفت بقانون الوصية الواجبة عام 1946م، وفي غضون ذلك طرحت مشروعاً لتعديل قانون الأحوال الشخصية تضمن تقييد تعدد الزوجات ووجوب الحصول على إذن من القاضي بعد «الفحص والتدقيق من أن سلوك المتزوج الذي يريد أن يتزوج بأخرى وأحوال معيشته يؤمن معها قيامه بحسن المعاشرة، والإنفاق على أكثر ممن في عصمته، ومن تجب عليه نفقتهم من أصوله وفروعه».

ويجمل الشيخ محمود شلتوت الدواعي التي ساقتها الوزارة لإقراره قائلاً: «وبالرجوع إلى المذكرات الإيضاحية لهذا المشروع في أطواره الثلاثة، يتبين أن لاحقها قد اعتمد على سابقها، وأنها كلها تدور حول أن التعدد مضيعة للأسر مفسدة للنسل، وأنه يحمل الحكومة أعباء ثقيلة بكثرة المشردين ومن لا عائل لهم..».

ويتضح من هذا أن واضعيه بعثوا مشروع 1927م ولم يكلفوا أنفسهم عناء البحث في حجج ومسوغات جديدة، ويتضح أيضاً -كما يقول الشيخ- «أنهم أهملوا النظر في مقتضيات التعدد، وكان واجبهم أن يعرضوا لها، وأن يقارنوا خير التعدد بشره، ثم يصدرون حكمهم إثر ذلك».

على الرغم من إخفاق محاولات تمرير المشروع بفعل معارضة الأزهر وعلمائه، فإنه ترك جدلاً ونقاشاً فكرياً استمر مدة بعد الإخفاق، وانخرط فيه علماء الشريعة والقضاة والمثقفون.

النقاشات حول التعدد 1947-1948م

ما أن أشيع أن وزارة الشؤون الاجتماعية تعتزم طرح مشروع للأحوال الشخصية يتضمن تقييد التعدد حتى بادرت مجلة «المجتمع الجديد» إلى استطلاع رأي شيخ القضاة عبدالعزيز باشا فهمي وسألته رأيه في مسألة التعدد؛ فأجاب أنه يفهم من مقارنة الآيات القرآنية أن الأصل في الإسلام «تحريم التعدد»، مستنداً إلى دلائل مختلفة منها تأويل النصوص الشرعية.

ويبدو أن محاولة تأويل الآيات المتعلقة بالطلاق من أجل القول بالتحريم لفتت نظر دارسي الشريعة، فانبرى للرد عليه الشيخ إبراهيم زكي بدوي الذي ذيل اسمه بأنه خريج الأزهر وجامعة فؤاد وباريس؛ ربما ليوحي بالجمع بين الثقافتين الشرعية والمدنية، فاضطر الباشا أن يكتب مقالاً ثانياً مطولاً تحت عنوان «بحث في مسألة تعدد الزوجات» ليشرح تفصيلاً الأسس النظرية التي يستند إليها للقول بالتحريم، وفيه تأول الآيات تأويلاً متكلفاً لا يستند إلى لغة ولا إلى قواعد التفسير المتعارف عليها لإثبات التحريم.

وخلاصة ما ذهب إليه وجوب الأخذ بمقاصد الآيات وعدم الاكتفاء بحرفية النص، وضرب مثلاً بقوله: (فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ) (النساء: 3)، وادعى أنه سخرية ممن يريد تعدد الزوجات، لأنه سبحانه يقول: (وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ) (النساء: 129)، ومخاطبة غير المستطيع بما هو من شأن المستطيع هو سخرية بالمخاطب، وأضاف أن النحاة قرروا أن النفي بـ«لن» يفيد التأبيد.

ولم يكتف بهذا التأويل الذي لا يستقيم لغة ولا فهماً، وإنما راح يرمي العلماء بعدم التدقيق في فهم القرآن، ذاهباً إلى أن التعدد أمر اختص الله به نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن الحاجة الاجتماعية في مطلع الرسالة هي التي ألجأت المسلمين الأوائل إليه لكثرة حروبهم وخشية أن يصبحوا قلة في مواجهة أعدائهم.

تنوعت ردود الفعل على ما ذهب إليه فهمي بين المعارضة والتأييد، فتصدى له مجدداً إبراهيم زكي بدوي، وكتب 4 مقالات متواليات في مجلة «الرسالة» عنوانها «هل نملك تحريم تعدد الزوجات؟»، قوض فيها الأسس التي استند إليها وبيَّن المآزق المنهجية التي وقع فيها من قبيل الانتقائية ممثلة في عدم تطرقه للحديث عن الجزء الثاني من الآية؛ وهو (فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ) (النساء: 129)، مع أنه اعتبره مناطاً للحكم، معتبراً أن إغفال هذا النص الذي هو موطن الحكم الصحيح في هذا الموضوع كعمل من يستدل على تحريم الصلاة بقوله: (فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ) (الماعون: 4) ضارباً صفحاً عن باقي الآية.

وفند كذلك ما ذهب إليه من أن النهي بـ«لن» يفيد التأبيد، محتجاً أن الزمخشري وحده الذي ذهب إلى أنه نهي بات، واختتم بالتساؤل: «إن الأمة قاطبة قد أجمعت قولاً وعملاً منذ عصر النبوة حتى اليوم على حل تعدد الزوجات في الإسلام؛ فهل كانوا جميعاً بمن فيهم الصحابة والخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم غير عالمين ولا فاهمين لحقيقة ما ورد به الشرع من تحريم ذلك؟ أم كانوا مُحلين لما حرم الله؟!».

وعلى الجهة الأخرى، وقف الشيخ عبدالمتعال الصعيدي موقفاً وسطاً، فهو من جهة يميل إلى رأي عبدالعزيز فهمي، وليس أدل على ذلك من أن عنوان مقاله «نعم نملك تحريم تعدد الزوجات» رداً على مقالات إبراهيم زكي بدوي «هل نملك تحريم تعدد الزوجات؟»، لكنه خلافاً لفهمي لا يؤسس رأيه على التأويل النصي، وإنما على التاريخانية، ذاهباً إلى «أن الإسلام قد أعطى تعدد الزوجات حكم الإباحة، ليتصرف المسلمون فيه في كل زمان ومكان بحسب المصلحة، فيأخذوا به إذا اقتضت مصلحتهم، أن يأخذوا به، ويكفوا عنه إذا اقتضت مصلحتهم أن يكفوا عنه».

ويردف الصعيدي أن الأخذ بإباحة التعدد كان مقبولاً في الصدر الأول لسببين:

الأول: أن المسلمين كانوا عدولاً متمسكين بأمر دينهم.

والثاني: لأنهم كانوا في قلة بين الأمم المجاورة لهم، وقد قامت بينهم حروب متتابعة تحدث فيهم قلة إلى قلتهم، فكانوا في حاجة إلى تعدد الزوجات ليعوض ما يصيبهم في الحرب من فقْد الرجال.

وبانتفاء هذين السببين تنتفي الحاجة إلى التعدد، كما يفترض الشيخ الصعيدي، ويحق لولي الأمر أن يسن قانوناً ينهى عن تعدد الزوجات وخصوصاً مع إساءة المسلمين استخدامه.

يفهم مما سبق أن علماء الشريعة ودارسيها انخرطوا في الجدل الدائر حول التعدد، وبيّنوا تهافت محاولات التحريم، لكن ذلك لم يكن ليحُول دون تبني مؤسسة الدولة خيار التقييد في التشريعات اللاحقة.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة