مقاييس الفصاحة وجماليات البيان (2 - 3)

فصاحة الكلام المؤلف

عنوان الموضوع والكاتب ولوحة تعبيرية لكتاب يخرج منه أزهار وطيور

حدثنا القارئ ضمن المقال السابق عن فصاحة الكلمة المنفردة؛ ومن الجليِّ أن الحكم على فصاحة الكلمة المنفردة مما يسهل على القارئ أو السامع؛ لأن الكلمة المنفردة بناء صغير محدود، قوامه مجموعة أحرف معدودة، وكذا ربما جاز الحكم على فصاحة بعض الوحدات البنائيّة الصغيرة داخل الكلام المؤلَّف، كالبيت الشعري ضمن القصيدة، أو الجملة ضمن المقالة، وربما جاز الحكم –مع بعض التوسع– على فقرة بتمامها، أو على مقطوعة شعريّة صغيرة؛ أما الكلام المؤلف في جملته وتمامه فهو بناءٌ لغويٌّ واسعٌ يتضمن كثيرا من الكلمات، ولذا قد تواجهنا عدة إشكالات حين نحاول الوقوف على مقاييس فصاحة قصيدة طويلة، أو مقال بتمامه، والمسألة تزداد صعوبةً مع ضخامة الكلام المؤلف كالحكم على فصاحة رواية مثلاً.

قد يتضمن الكلام المؤلف ألفاظًا غير فصيحة

ومن الحقِّ أن الكلام المؤلّف لا يكاد يخلو –على الأخص في عصرنا الحاضر– من ألفاظ غير فصيحة؛ إما لكونها أعجميّة أو عاميّة؛ أو لأي سبب من الأسباب، وإذا كان في وسعنا أن نجزم –يقينا– بخروج بعض ألفاظ نص لغويّ عن حدود الفصاحة، أو اختلال جملة ما من جُمَلِهِ، فهل يعني ذلك الأمر أنَّ النصّ الذي يتضمن كلمةً أو جملةً غير فصيحة هو نص غير فصيح برمّته؟ أم أنها مجردُ شائبة لا تذهب بفصاحته، ولا تطمس بهاءه وحُسن بيانه؟

والمسألة في ذلك كله تحتاج إلى تقدير وبصيرة، ونضرب لذلك مثالًا توضيحيًّا فنقول: إن الثوبَ الفاخر قد يكون فيه عيب صغير جدًّا لا تكاد تفطن إليه إلا عين بصير خبير، فلا يقدح ذلك في قيمته، ولا يحول دون الانتفاع به، غير أن العيوب إذا زادت وتكاثرت فطن الناس إليها، وأدركتها عين الخبير وغير الخبير، وأصبح الثوب معيبًا مستهجنا، وكذلك الأمر بالنسبة للنصوص، قد لا تعيبها كلمة غامضة، أو جملة غير فصيحة، لكن تواتر الكلمات والجمل غير الفصيحة يجعل النص برمَّته مختلًّا غير موسوم بالفصاحة.

اختلاف الحاجة إلى الفصاحة باختلاف الأنواع الأدبية

على أنَّ أبنية النصوص اللغويّة تختلف تبعًا لمراميها الاجتماعيّة أو الجماليّة، وما يُقبل في نوع ما من النصوص قد لا يكون مقبولًا في غيره، وقد لاحظ الناقدون القدامى اختلاف الأشكال الأدبيّة وتنوعها، وتنبَّهوا لاقتضاء هذا الاختلاف تنوعَ درجات الفصاحة، فهذا ابن عبد ربَّه الأندلسيّ (ت 328هـ/ 940م) يقول في العقد الفريد: «من حكى نادرةً مُضحكةً وأراد أن يوفيَ حروفَها حظَّها من الإعراب طَمَسَ حُسنَها، وأخرجها عن مقدارها»، وهو يقصد أنَّ النوادر والطرائف والمضحكات لا تحسُن بالكلام الفصيح المـُعرب، ولا يليق لها إلا ألفاظ العوام، وكذا ابن الأثير (ت 637هـ/ 1239م) يقول في كتابه المثل السائر: «وجدتُ الغريبَ الحسنَ يسوغُ استعماله في الشعر، ولا يسوغ في الخُطب والمكاتباتِ، وهذا يُنكره من يسمعه»، وقد نجد في كلام العلماء بعض الألفاظ الغريبة غير المستساغة؛ ولا بأس عليهم من ذلك، وليس ذلك قادحًا في فصاحة كلامهم المؤلَّف في جملته إذا كان كلامهم –باستثناء تلك المصطلحات العلميّة– حسنًا واضحًا بيِّنًا؛ وهذا ما أشار إليه ابن سنان الخفاجي (ت 466هـ/ 1073م) في أسرار الفصاحة بقوله: «إنَّ الإنسان إذا خاض في علمٍ وتكلَّم في صناعة وجبَ عليه أن يستخدم ألفاظ أهل ذلك العلم، وكلام أصحاب تلك الصناعة».

مثال توضيحيّ عصري

وعلى هذا النحو الذي ذكرناه لا يروعنا –فيما نسمع من عربيّة عصرنا الحاضر– تواتر المصطلحات العلميّة التي يسوقها عالم فصيح اللسان جليُّ البيان على شاكلة زغلول النجار (ت 1447هـ/ 2025م) في برنامج مُتلفزٍ يتحدث فيه عن قضية علميّة أراد أن يدلل بها على إعجاز القرآن الكريم في عصرنا الحاضر؛ وإنما نتقبلها بصدر رحبٍ؛ لكننا لا نقبل هذه المصطلحات العلميّة ذاتها من الخطيب على منبر صلاة الجمعة حين يتحدث عن عظمة القرآن الكريم وإعجازه، وقد نُخرج خطبةَ الجمعةِ عن حدود الفصاحة تمامًا إذا انتهجت الأسلوب نفسه، وكانت الخطبة تطفر منها ألفاظ من قبيل: «الإلكترون، والبروتون، والكرومسيفر، وأشعة غامة.. إلخ»، وإنما عليه أن يتحدّث إلى جمهوره بلغة واضحة بيِّنة لا تستغلق دونها أفهامهم وخلاه ذمّ.

وفي هذا الصدد –أيضًا– قد نتقبل بصدر رحب بعض العبارات العاميّة المحدودة التي تأتي في ثنايا الرواية الواقعيّة، أو القصة القصيرة؛ لكن هذه العبارات العاميّة قد تبدو مستهجنة وشاذة للغاية إذا جاءت على لسان مذيع نشرة الأخبار.

والقارئ أو السامع –على كل حال– لا بد أن يكون متفهِّمًا لطبيعة الموضوع وما يتبعها –أحيانًا– من خروج عن الفصحى الخالصة التي لا تشوبها أدنى شائبة، وعلى الكاتب –أيضًا– أن يُكْسِبَ أسلوبه قدرًا من المرونة والتنوّع إذا كان ذلك مما يخدم الموضوع الذي يعالجه.

مقاييس فصاحة الكلام في مَجْمُوْعِهِ

ينبغي على القارئ أو السامع –إذن– ألَّا يتعسَّفَ في المطالبة بإجراء العربية الفصيحة في كل شاردة وواردة يتضمنها الكلام المؤلف في مجموعه، وإنما عليه النظر إلى طبيعة النوع الأدبي، وطبيعة الموضوع الذي يُعالجه، والنظر إلى المقام والسياق الذي يُساق الكلام في ثنياه، والمنبر الذي توجه من خلاله الرسالة؛ لكننا نحاول –مع مراعاة هذه الاعتبارات التي أشرنا إليها– التنبيه إلى بعض المقاييس التي يمكن من خلالها الحكم على فصاحة الكلام المؤلّف في تمامه ومجموعه. ومن معايير فصاحة الكلام المؤلَّف:

فصاحة الكلمات التي يتكون منها الموضوع في جُلّه

لا بأس على الكاتب –كما وضَّحنا– أن يسوق بعض الألفاظ العامية، أو المصطلحات الأعجميّة الغريبة، إذا اقتضى سياق الكلام المؤلف ذلك وتطلبه؛ أو كان المقام والنوع الأدبي مما يحسن فيه القول العاميّ أو الأعجمي؛ على أن يظل ذلك محدودًا بحدود الحاجة والاقتضاء، فإذا فشا وعمّ وغَلب تهاوت الفصاحة وتداعت أركانها، وفيما خلا ذلك ينتقي كلمات نصّه اللغويّ بعناية كبيرة، ويراعي معايير فصاحة الكلمة المنفردة في عموم موضوعه، فيتجنب الألفاظ المهجورة الغريبة، ويتخيّر كلماتٍ سهلة المنطق ليّنة الحروف، متوائمة مع المعاني المقصودة، ولا تُستحسنُ الكلمة الأعجميّة إذا كان ثمّة كلمة عربيّة تنوب عنها، وعلى الكاتب أن يتجنب الألفاظ العاميّة الساقطة المـُبتذلة ما لم تدع إلى استخدامها ضرورة؛ كأن يسوقها كاتب الرواية على لسان شخصيّة وضيعة، أو يسوق كلامًا ركيكًا على لسان شخصيّة موسومة بالجهل والسطحيّة.

وبطبيعة الحال ينبغي على المؤلِّف أن يراعيَ سلامة اللغة صرفيًّا ونحويًّا، وسنسوق للقارئ مثالاً لفقرة تجافي الفصاحة، ونعيد صوغها على نحو فصيح:

(أ‌) النموذج غير الفصيح: «لتقوقع أبنائنا حول أذواتهم في البيوت تأثير سيكولوجي ضار، ومن القسط أن نصحبهم إلى خضيلة يَشُمُّونَ أرياحها».

(ب‌) النموذج الفصيح: «لانطواء أبنائنا في البيوت أثر نفسيّ سيء، ومن حقهم علينا صحبتهم إلى بستانٍ يَتَنَسَّمُون عبيره».

يفتقر النموذج (أ) للفصاحة في مجموعه لأنه مكون من كلمات أغلبها غير فصيحة إليك بيانها:

  • لتقوقع: عصيّة على النطق، لا سلاسة فيها.
  • أذواتهم: على غير القياس، والصواب: «ذواتهم».
  • سيكولوجي: أعجميّة، وثمة كلمة عربية تقوم مقامها هي: «نفسيّ».
  • من القسط: تخرج عن المعنى إلى ضده؛ لأن القسط هو الظلم.
  • خضيلة: كلمة صحيحة؛ لكنها مهجورة مجهولة، ويمكن الاستعاضة عنها بكلمة: «البستان».
  • يشمون أرياحها: الكلمة صحيحة؛ لكن لها إيحاءً كريهًا غير مستحبّ؛ فهي تدل في الشائع العاميّ على ما يخرج من غازات البطن، وقد غلب عليها هذا المعنى، فمن الأفضل العدول عنها إلى «عبير»، أو «نسيم».

بينما في النموذج (ب) لا نجد كل هذه العوائق، ومن ثمّ كان هو الأكثر فصاحة.

عدم المُبالغة في تكرار الكلمات دونَما داعٍ دلالي

طالما وقع التَكْرَار للكلمة أو الجملة في كلام الفصحاء والبلغاء، وكان التكرار من آيات الفصاحة، وذلك حين يكون للتكرار داع دلالي، حين يأتي في الكلام للتأكيد أو المبالغة في المدح أو الذمّ، أو لإظهار التعلّق النفسي بهذا المـُكرَّر رغبًا أو رَهَبًا. والتكرار بيّنٌ وجليٌّ في اللغة العليا من الكلام القرآني الكريم، والحديث النبويّ الشريف؛ فالتكرار الذي يستدعيه السياق الدلاليّ ليس معيبًا، أما المبالغة في التكرار دونما داعٍ فهي ضرب من ضروب العبث الذي قد يستدعي إنكار المتلقي، ولعله يثير سخريته.

نموذج للتكرار المعيب من الشعر القديم والحديث

ومن ذلك قول شاعر مجهول لخلف الأحمر (ت 180هـ/ 796م)

رَقَدَ النَّوى، حتى إذا انتبهَ الهوى    مَا للنوى؟ جدَّ النوى، قُطِعَ النّوى

بُعِثَ النَّوى بالبينِ والترْحَالِ      بالوصلِ بينَ مَيَامِنٍ وشِمَالِ

فما كان من خلف الأحمر إلا أن سخر منه قائلاً: «احذر الشاةَ أن تأكل كلَّ هذا النوى». ونذكر من التكرار المعيب في شعرنا المعاصر نموذجًا للشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش (ت 1429هـ/ 2008م) في قصيدته: «نشيد إلى الأخضر» يقول فيه:

ولتواصل أيها الأخضر: لونك.

ولتواصل أيها الأخضر: لوني.

إنك الأخضر، والأخضر لا يعطي سوى الأخضر.

عدم إضافة أكثر من كلمة إلى كلمة واحدة

تقتضي الفصاحة سلاسة الكلام في مجموعه، وانسيابه وجريانه بشكل يحقق له البيان والظهور، ومن ثمَّ تُعتبر إضافة عدة كلمات لمضاف واحد نوعًا من أنواع التعقيد اللفظي الذي يتنافى مع الفصاحة، والأصل أن يكون في الجملة الواحدة مضافٌ ومضافٌ إليه وحيدان، مثل قولنا: «نور العلم»، وكلما زادت الكلمات المضافة كان الكلام أقلَّ فصاحةً، كأن نقول: «نور مشكاة العلم»، والأسوأ أن يقال: «ضوء نور مشكاة العلم»، أو «بريق ضوء نور مشكاة العلم»، فكل هذه الأمور مما يجعل الكلام متداخلًا متشابكًا، ومن ثمّ غير فصيح. وقد يُفصلُ بين المضاف والمضاف إليه بالعطف، كقولنا في المثال السابق: «بريق وضوء ونور مشكاة العلم»، وهذا قبيح -أيضًا– لأن الكلام يظل متشابكاً متداخلاً.

الحرص على تآلف الكلمات وعدم تنافرها

يجب على كلٍّ من كاتب الكلام الفصيح أو قائله أن يكون حريصًا على تآلف الكلمات، ومتنبِّها لعدم تنافرها، حتى تكون حسنة الوقع على المسامع، سلسة مطاوعة عند قراءتها، وقد يقع التنافر في الكلمات بسب تكرار حرف واحد أو حرفين في كل لفظة من ألفاظ الكلام المنثور أو المنظوم، ومن ذلك قول الشاعر القديم في مثال مشهور متداول:

وقَبْرُ حربٍ بمكانِ قَفْرٍ   وليسَ قُربُ قَبرِ حربٍ قَبرُ

فهذه القافات والراءات في تتابعها، كأنما هي سلسلة مُتَّصلة، ولا يخفى ما في ذلك من الثِقَل، ومن ذلك في لغتنا العصريّة قول القائل: «شق على شركائنا شكاوى الشاكين وشقاقهم، وزادت شكوكهم»، والأفصح أن يقال: «عانى شركاؤنا تذمّرَ المتضررين وخلافاتهم، فزادت مخاوفهم».

كما يكون من أسباب التنافر -أيضًا- توالي الأفعال مع إضمار معمولاتها، ومن ذلك توالي أفعال الأمر في بيت المتنبي (ت 354هـ/ 965م) المعدود من غرائبه وعجائبه:

عِشِ اِبقَ اِسمُ سُد قُد جُد مُرِ اِنهَ رِهْ فِهْ اِسرِ نِلِ     غِظِ اِرمِ صِبِ اِحمِ اِغزُ اِسبِ رُع زَع دِهِ اِثنِ بَلِ

ومن ذلك في لغتنا العصريّة قول القائل: «أَقِمْ أدِّ حافظْ على صلاتك»، والأفصح أن يقال: «أقم صلاتك، وأدِّها، وحافظ عليها».

وضع الألفاظ في موضعها الصحيح حفاظًا على دقة المعنى

ومن تَبِعَات الفصاحة أن يكون الكاتب أو المـُسمعُ حريصًا على وضع الألفاظ في موضعها الصحيح، مُحافظًا على دقة المعنى، «ومِنْ وَضْع الألفاظ في موضعها ألا يكون الكلام مقلوبًا، فيُفْسدُ المعنى، ويَصْرفه عن وجهه» كما يقول ابن سنان الخفاجي في أسرار الفصاحة، ومن ذلك أن رجلًا مرَّ على أبي بكر الصديق ت ومعه ثوب، فقال له أبو بكر: أتبيعه؟ فقال: «لا يرحمك الله»، فقال أبو بكر رضي الله عنه: «لو تستقيمونَ لقُوّمت ألسنتُكم، هلَّا قلت: لا، ويرحمك الله».

وقد يكون من هذا القبيل في استخدامنا المعاصر فكرة الربط بين العنوان الرئيسي والعنوان الفرعي؛ لأن هذا الأمر كثيرًا ما يؤدي إلى قلب المعنى، ومن ذلك –مثلًا– نجد هذا العنوان في ديوان الشاعر خليل مطران (ت 1368هـ/ 1949م):

كارثة

كوكب الشرق في لبنان

وغاية الأمر أن للموضوع الشعريّ الذي تطرحه القصيدة جانبين؛ أولهما وقوع كارثة إنسانية في لبنان، والجانب الآخر هو قيام المطربة أم كلثوم الملقبة بكوكب الشرق بزيارة هذا البلد الشقيق ومواساة أهله، وقد رأى الشاعر أن كلا الطرفين جدير بأن يُتـَّخذ عنوانـًا؛ فجعل من الكارثة عنوانـًا رئيسـًا، ومن زيارة أم كلثوم عنوانًا فرعيًّا؛ وأدى تجاور العنوانين إلى قلب المعنى، ومن ثمّ الخروج عن الفصاحة.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة