من «سكن المعتدة» إلى «تقديم المشيئة»..
ميزان الاستثناء اللغوي ودوره في ضبط العلاقة مع الله والناس
اللغة العربية ليست مجرد أداة للتعبير؛ بل
مفتاح محكم لفهم الشريعة؛ فكل قاعدة نحوية تُعد بوصلة ترشد إلى مراد الله عز وجل في
كتابه، ومراد رسوله في سنته، وفي هذا السياق، يبرز علم النحو بصفته أداة مهمة لعلم
التفسير؛ فهو يكشف عن دقة التعبير القرآني وعمق الأحكام الفقهية.
ولعلّ قاعدة الاستثناء بـ«إلا» خير دليل على
التلاحم العميق بين العلمين؛ فهي ليست مجرد عملية إخراج نحوية، بل هي في القرآن الكريم
إطارٌ يضبط أقدس العلاقات، منها على سبيل المثال العلاقة مع الله في أدب المشيئة، والعلاقة
مع الناس في حفظ كرامة المعتدة.
فكيف تتحول هذه الأداة النحوية البسيطة إلى
ميزان دقيق يضبط السلوك الإنساني ويحمي الأسرة والمجتمع، ويكشف عن إعجاز البيان القرآني
في ربط الكلمة بالتشريع؟! هذا ما سنتناوله في هذا المقال.
تعريف «الاستثناء»
«الاستثناء» أحد الأساليب العربية البارزة،
يُعرّفه النحاة بأنه «إخراج لما بعد أداة الاستثناء من حكم ما قبلها»، وهو يقوم على
ثلاثة أركان أساسية، هي: المستثنى منه، وأداة الاستثناء، والمستثنى.
والأداة الأصلية لهذا الأسلوب هي «إلا»، وينضم
إليها مجموعة من الأسماء التي تؤدي المعنى ذاته، مثل: غير، وسوى، وكذلك بعض الأفعال
مثل: لا يكون، وليس، وعدا، وخلا.
والأصل في الاستثناء أن يكون المستثنى قليلًا
من كثير؛ فلا يجوز أن يستغرق المستثنى المستثنى منه أو يزيد عليه، وهذا ما يتفق عليه
أغلب النحاة، استنادًا إلى آيات كريمة مثل قوله تعالى في قصة نوح عليه السلام: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى
قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَاّ خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ
وَهُمْ ظَالِمُونَ) (العنكبوت: 14).
وقد أنكر البصريون بشدة جواز استثناء الأكثر،
لكنّ بعض الكوفيين خالفوا هذا الرأي، وجوّزوا استثناء الكثير من القليل، مستدلين بقوله
تعالى في خطاب إبليس: (إِنَّ عِبَادِي
لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) (الحجر:
42)، حيث يرون أن الغاوين -وهم المستثنى- غالبًا ما يكونون أكثر من الراشدين.
(الجنى الداني للمرادي، ص515، وهمع الهوامع للسيوطي، 2/ 267).
ولا شك أن هذا الاختلاف النحوي يكشف عن المرونة
والعمق في فهم اللغة وتطبيقاتها؛ حيث تتجلّى أهمية الوعي الدقيق بقواعد اللغة العربية
في استنباط الأحكام الشرعية التي تمس واقعنا، ومن أبرز هذه القضايا على سبيل المثال
في مجالي التعامل مع الله والتعامل مع الناس ما يلي:
1- أدب المشيئة.. الاستثناء الذي يعلمنا التواضع لله:
استنبط العلماء من قاعدة الاستثناء اللغوية
قضية مهمة، هي وجوب تقديم المشيئة الإلهية في الوعود والأقوال المتعلقة بالمستقبل،
وذلك استناداً إلى الاستثناء في قول الله تعالى: (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً
{23} إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ) (الكهف)؛ حيث ترشد الآية الكريمة أن أي فعل
مستقبلي يجب أن يُقيّد بمشيئة الله تعالى، وهذا النهي في الآية يحمل معنى العموم، ويوجب
على الواعد أن يقرن وعده بقوله: «إن شاء الله»، إنه تأديب رباني للمؤمنين ليتعلموا
التواضع، ويدركوا أن أمر الغد كله بيد الله.
يقول الزَّمَخْشَرِيُّ: «إِلَّا أَنْ يَشاءَ
اللَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّهْيِ لَا بِقَوْلِهِ إِنِّي فاعِلٌ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ:
إِنِّي فاعِلٌ كَذَا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ كَانَ مَعْنَاهُ إِلَّا أَنْ تَعْتَرِضَ
مَشِيئَةُ اللَّهِ دُونَ فِعْلِهِ، وَذَلِكَ مَا لَا مَدْخَلَ فِيهِ لِلنَّهْيِ وَتَعَلُّقُهُ
بِالنَّهْيِ عَلَى وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: وَلَا تَقُولَنَّ ذَلِكَ الْقَوْلَ إِلَّا
أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ أَنْ تَقُولَهُ بِأَنَّ ذَلِكَ فِيهِ، وَالثَّانِي: وَلَا
تَقُولَنَّهُ إِلَّا بِأَنْ يَشَاءَ اللَّهُ أَيْ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ وَهُوَ فِي
مَوْضِعِ الْحَالِ، أَيْ إِلَّا مُلْتَبِسًا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ» (الكشاف، 2/ 714).
وقد ذهب بعض العلماء -كالعلامة الجصّاص- إلى
القول بأن ترك الاستثناء مكروه، بل وقد يصل إلى الحرمة، استنادًا إلى هذا النص القرآني.
(أحكام القرآن، 3/ 277).
والراجح ما نص عليه أغلب الفقهاء؛ بضرورة
الاستثناء في الوعد بـ«إن شاء الله»، ليس فقط لتأكيد الأدب مع الله وإزالة كراهية ترك
الاستثناء، بل أيضًا حفظًا لكرامة الواعد؛ فعندما يعلق الواعد فعله بالمشيئة الإلهية،
فإنه يخرج عن صورة الكذب أو خلف الوعد إذا تعذر عليه الوفاء؛ لأن الأمر قد خرج عن إرادته
وقُدِّر بمشيئة الخالق.
2- سكن المعتدة.. حين يحكم النحو الواقع:
ومن العلاقة مع الله إلى العلاقة مع الناس،
من خلال قضية خروج المرأة المعتدة من مسكن الزوجية؛ حيث يأتي النص القرآني ليضع القاعدة
بوضوح في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا
النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا
الْعِدَّةَ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ ۖ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ
وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ۚ) (الطلاق: 1).
موطن الشاهد هو الاستثناء في قوله عز وجل:
(إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ
مُّبَيِّنَةٍ)؛ حيث نهى الله تعالى الأزواج عن إخراج زوجاتهم المطلقات أثناء
العدة، ونهى الزوجات عن الخروج أيضًا، وهذا الاستثناء يُخرج الحكم من دائرة النهي إلى
دائرة الإباحة، ويعطي إشارة إلى جواز الخروج في حال ارتكاب فاحشة ظاهرة كالزنى (حيث
تخرج لإقامة الحد عليها)، أو حتى سوء الخلق الشديد والنشوز، بحسب بعض التفاسير.
وقيل: استثناء من الجملة الثانية؛ والمعنى:
(ولَا يَخۡرُجۡنَ): للمبالغة
في النهي عن الخروج من البيت. (اللباب لابن عادل، 19/ 152).
ولعل الحكمة الإلهية في منع المطلقة من الخروج
أو الإخراج هي حفظ عفتها وكرامتها، وصيانة المجتمع من أسباب الفساد؛ فإلزامها السكنى
يحفظها من تكاثر الاختلاف عليها أو سوء الظن بها، خاصة إذا لم تجد مسكنا آخر غير بيت
الزوجية.
وهكذا تتضح دقة البيان وشمولية التشريع الإسلامي؛
حيث يُرسّخ هذا التناول العلاقة العضوية بين النحو والتفسير، ويؤكد أن إعجاز القرآن
يكمن في كل حرف وأداة؛ وهو ما يدعونا إلى قراءة القرآن بعين النحوي والبلاغي والفقيه؛
لإدراك علاقة التأثير والتأثر بين علوم اللغة وعلوم الشريعة.
اقرأ
أيضاً:
- عطف الجمل المتباينة وحكم الأكل من متروك التسمية
- الفصل بين المتعاطفين وحكم غسل الرجلين