من وصايا الرسول ﷺ في الحروب (9)
الإصلاح والإحسان بعد انتهاء القتال
في سنن أبي داود
بسند حسنه الشيخ شعيب الأرنؤوط وغيره عن أَنَس بْن مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَنْفَرَهُمْ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ، فَقَالَ:
«انْطَلِقُوا بِاسْمِ اللَّهِ وَبِاللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، وَلَا
تَقْتُلُوا شَيْخًا فَانِيًا وَلَا طِفْلًا وَلَا صَغِيرًا وَلَا امْرَأَةً، وَلَا
تَغُلُّوا، وَضُمُّوا غَنَائِمَكُمْ، وَأَصْلِحُوا وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ
يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ».
ففي الحديث بيان
لما بعد الحرب، فالمعارك في الإسلام ليست للهدم والدمار، وإنما للإصلاح والبناء،
لذلك جاءت خاتمة الوصية داعية إلى الإصلاح والإحسان.
والإصلاح نقيض
الفساد، ومعناه: إقامة الشيء بعد فساده، ويقصد به المسالمة والمصالحة ورفع النزاع.
والإحسان نقيض
الإساءة، ومعناه: فعل ما ينبغي فعله من المعروف.
وفي الحديث
الشريف دعوة إلى إقامة ما أفسدته الحرب، وحث على تقديم كل معروف وجميل، والسبب في
ذلك ما أوضحه الحديث الشريف اقتباساً من القرآن الكريم، فقد جاءت خاتمة الوصية
النبوية بقوله صلى الله عليه وسلم: (وَأَصْلِحُوا وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)
(البقرة: 195).
مظاهر الإصلاح بعد الحرب
لا يدعو الإسلام
إلى استمرار الحروب، وإنما يدعو إلى إحلال السلم والإصلاح، قال تعالى: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ
فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (الأنفال:
61)، ولا يكتفي الإسلام بالدعوة إلى السلم، بل يدعو إلى الإصلاح وإزالة
آثار الحروب من النفوس والمجتمعات، ومن مظاهر الإصلاح التي دعا إليها الإسلام ما
يأتي:
1- إصلاح ذات
البين، حيث إن الحروب تزرع الكراهية وتثير الأحقاد والأضغان في النفوس، ومن هنا
دعا الإسلام إلى الصلح بين المتخاصمين، ورغب في الإصلاح بين المتقاتلين
والمتنازعين؛ قال تعالى: (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى
فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ
فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
الْمُقْسِطِينَ {9} إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ
أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الحجرات).
2- إقامة العدل
وإعطاء كل ذي حق حقه، قال تعالى: (فَأَصْلِحُوا
بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)،
فالاستقرار بعد الحرب مرهون بإقامة العدل، وإعطاء الحقوق لأصحابها، حتى وإن بقيت
العداوة، حيث قال عز وجل: (يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا
يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ
لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المائدة:
8).
ومن مظاهر العدل
بعد الحرب ما يجري من محاسبة المعتدين، فإنه يكون وفق ميزان الشرع الحكيم، ولا
يخضع للأهواء أو الظروف.
3- إعادة الحياة
إلى مسارها المعتاد، حيث لا يتوقف التعليم، ولا يتعطل الاقتصاد، ولا يسود الخوف
بين عامة الناس.
4- إصلاح ما فسد
من العمران، وبناء ما انهدم من الجدران.
مظاهر الإحسان بعد الحرب
إذا تحقق
الإصلاح بعد الحرب من خلال إقامة العدل وإقامة العمران المادي، فإن القلوب في حاجة
إلى التواصل وإزالة الضغائن، ولا يكون هذا إلا بالإحسان، ولهذا حث الإسلام على
الإحسان، ورغب فيه من خلال إعلان محبة الله للمحسنين، ومن مظاهر الإحسان بعد الحرب
ما يأتي:
1- العفو عند
المقدرة، وهو علامة على القوة والانتصار، وقد فعله النبي صلى الله عليه وسلم بعد «فتح
مكة»، حيث أحسن إلى المشركين بقوله: «يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل فيكم؟»،
قالوا: خيراً، أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء» (سيرة ابن
هشام، 2/ 412).
2- إكرام الأسرى،
فقد حث القرآن الكريم على ذلك في قوله تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا
وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) (الإنسان: 8)، وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
يحسنون إلى الأسرى إحساناً منقطع النظير، إما بالمعاملة الحسنة أو بإطلاق سراحهم.
3- مساعدة
المتضررين، وذلك من خلال إطعام الجوعى وعلاج الجرحى ورعاية الأيتام والأرامل.
4- عدم الانتقام،
ويظهر ذلك في نهي الإسلام عن النهب والتمثيل بالجثث، ففي صحيح البخاري عن عَبْد
اللهِ بْن يَزِيدَ الْأَنْصَارِيَّ قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ النُّهْبَى وَالْمُثْلَةِ».
5- حسن معاملة
المغلوبين، وفتح أبواب العفو والصلح، قال تعالى: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا
وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (الأنفال: 61).
دواعي التكامل بين الإصلاح والإحسان بعد الحرب
لا ينفصل
الإحسان عن الإصلاح، فهما جناحان متكاملان، حيث إن الإصلاح يعين على وضع الأسس
الشرعية والقانونية للاستقرار بعد الحرب، أما الإحسان فإنه يضيف إلى الإصلاح
أبعاده الإنسانية والأخلاقية، فلو قمنا بالإصلاح فقط فإنه يكون جافاً وصارماً، لكن
الإحسان يضيف إليه الروح والإحساس.
وإن العالم
اليوم في حاجة إلى الإصلاح والإحسان في إقرار السلام المجتمعي، بحيث يرتكز على
العدل، وينمو بالفضل.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً