من وصايا الرسول ﷺ في الحروب (2)

إصلاح النية في القتال

حين تتعدد الرايات وتشتعل النزاعات يكون المسلم في أشد الحاجة إلى مراجعة نيته، حتى لا تختلط الأمور، فليس كل من رفع شعار الدين كان على حق؛ بل الحق ما وافق الشرع.

وأكد الشرع أن ميدان القتال يضم رايات متعددة داخل النفوس حتى وإن اتحدت الراية الظاهرة، فبعضهم يقاتل للمغنم، وبعضهم يقاتل للعصبية، وبعضهم يقاتل للشجاعة، وبعضهم يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا.

ففي الصحيحين عَنْ ‌أَبِي مُوسَى الأشعري قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلذِّكْرِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَاتَلَ ‌لِتَكُونَ ‌كَلِمَةُ ‌اللهِ ‌هِيَ ‌الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ».

وهنا كان إصلاح النية أصلاً من أصول الجهاد، حتى لا يتحول من عبادة إلى عادة، أو من طاعة إلى معصية، كما لا يتحول من وسيلة لإعلاء الحق إلى أداة لتحقيق الأهواء.

ولهذا كان التوجيه النبوي الكريم مهمّاً في وصيته لكل أمير على جيش أو سرية، حيث جاء في صحيح مسلم عَنْ ‌سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ ‌أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ، أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللهِ، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ: «اغْزُوا بِاسْمِ اللهِ، فِي سَبِيلِ اللهِ..»؛ ففيه توجيه لإصلاح النية وضبط المسيرة الجهادية.

النية ميزان العمل في الإسلام

قرر الإسلام قاعدة أصيلة في الأعمال تؤكد أن النية أساس العمل ودليل القبول، ففي صحيح البخاري عن ‌عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِنَّمَا ‌الْأَعْمَالُ ‌بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فمن كانت هجرتُهُ إلى اللَّهِ ورسولِهِ فَهجرتُهُ إلى اللَّهِ ورسولِهِ ومَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ».

فالأعمال كلها مردها إلى النية، ومن أهم أعمال المؤمن الجهاد، وتظهر أهمية النية فيه كونه ذروة سنام الإسلام، ومع هذا، فإن ميدان الجهاد يضم نوايا متعددة، بعضها خالصة لوجه الله، والبعض الآخر مدخول ومغشوش، فما كان لوجه الله فهو المقبول، وما كان لوجوه أخرى فمردود عليها.

القتال.. بين الدافع الإيماني والمادي

في وصيته صلى الله عليه وسلم للمجاهدين أن «اغْزُوا بِاسْمِ اللهِ، فِي سَبِيلِ اللهِ..» بيان للخط الفاصل بين الغزو تحت راية الحق أو الباطل، والغزو لرفع كلمة الله، أو رفع راية أخرى، كما تحث الوصية على نزع وطرد للدوافع الدنيوية، فلا سعي نحو عصبية ولا غنيمة دنيوية ولا انتقامات شخصية، بل هو انتقال من أسر الشهوة إلى العبودية الخالصة لله وحده.

كما تعد هذه الوصية بمثابة إعلان لرفض الحروب القائمة على الطمع أو الاستيلاء على الثروات أو تحقيق الهيمنة والاستبداد والسيطرة على الناس، فالوصية تقطع الطريق أمام كل دافع غير مشروع، وتعيد التوجيه نحو إخلاص العمل لله وحده.

النيات الشرعية للقتال في سبيل الله

أغلقت الوصية النبوية كل باب أمام الصور المنحرفة للقتال، فلا يقبل عند الله تعالى إلا ما كان في سبيله، أي للمقاصد الآتية:

1- نصرة الدين وتأمينه.

2- دفع العدوان.

3- حماية المستضعفين.

أما ما كان لأغراض دنيوية، من عصبية أو غنيمة، فليس من الجهاد في شيء، وإن بدا في ظاهره جهاداً.

أثر النية الصالحة في سلوك المجاهدين

1- الإخلاص وحسن التوجه إلى الله تعالى.

2- الالتزام بالأخلاق الإسلامية في الحروب.

3- الابتعاد عن الظلم والبغي والعدوان.

4- الصبر والثبات وعدم الفرار من أجل الدنيا.

5- الزهد في الغنيمة والمطامع الدنيوية.

صلاح النية في القتال سبيل إلى النجاة من النار

مما يدفع المسلم في القتال إلى إصلاح نيته أنه يسعى إلى النجاة من النار، فهو في عمل شريف وعظيم، لكن نيته إذا فسدت وانحرفت فإن مصيره يختلف من الثواب إلى العقاب.

ومن أوائل من يدخلون النار يوم القيامة مقاتل انحرفت نيته إلى طلب الجاه والسمعة، ففي صحيح مسلم عَنْ ‌أَبِي هُرَيْرَةَ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ، رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ ‌فَعَرَّفَهُ ‌نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ ‌فَعَرَّفَهُ ‌نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ ‌فَعَرَّفَهُ ‌نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ».

قال النووي: في الحديث تغليظ تحريم الرياء وشدة عقوبته، ‌والحث ‌على ‌وجوب الإخلاص في الأعمال، وفيه أن الثواب الوارد في فضل الجهاد إنما هو لمن أراد الله تعالى بذلك مخلصاً، وكذلك الثناء على العلماء وعلى المنفقين في وجوه الخيرات كله محمول على من فعل ذلك لله تعالى مخلصاً، (شرح النووي على مسلم، 13/ 51).

صلاح النية في القتال سبيل إلى دخول الجنة

وفي صحيح البخاري عَنْ ‌أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «تَكَفَّلَ اللهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ، لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ ‌وَتَصْدِيقُ ‌كَلِمَاتِهِ، ‌بِأَنْ ‌يُدْخِلَهُ ‌الْجَنَّةَ، أَوْ يُرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ، مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ»، وفي رواية عند مسلم: «‌تَضَمَّنَ ‌اللهُ ‌لِمَنْ ‌خَرَجَ ‌فِي ‌سَبِيلِهِ ‌لَا ‌يُخْرِجُهُ ‌إِلَّا ‌جِهَادًا فِي سَبِيلِي، وَإِيمَانًا بِي، وَتَصْدِيقًا بِرُسُلِي، فَهُوَ عَلَيَّ ضَامِنٌ أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ أُرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ نَائِلًا مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ».



اقرأ أيضاً:

9 أخلاقيات للحروب في الإسلام.. كيف غيَّر النبي ﷺ مفهوم القتال؟

أثر الوصية بالتقوى في ميدان القتال

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة