قبسات من الهدي النبوي في التغذية والتداوي
ينظر الإسلام
إلى الإنسان نظرة متكاملة، فيوازن بين روحه وجسده، لضمان حياة سعيدة وروح مطمئنة؛
ولذلك جاءت تعاليمه شاملة للعناية بكليهما، يظهر ذلك في وجوب الطهارة والنظافة،
والتغذية السليمة، وتحريم الضار، وفي الأمر بممارسة الرياضة، والدعوة إلى التفاؤل
وعدم اليأس.
وأرشدت السُّنة
المطهرة إلى الطرق المثلى في التعامل مع الأغذية النافعة، وفي وجوب التداوي،
والأخذ بأسباب الوقاية والتحصين من الأوبئة والأمراض، وهو ما يغفل عنه الناس
انشغالاً بـ«نظام الطيبات» وغيره من أساليب الحمية الغذائية.
التغذية في الهدي النبوي
التغذية في
الهدي النبوي تشير إلى الأسلوب الذي كان يتبعه النبي صلى الله عليه وسلم في الأكل
والشرب، وهو أسلوب يجمع بين البساطة والاعتدال والوعي الصحي، ويمكن الاستفادة منه
اليوم في تحسين الصحة العامة، وتقليل الأمراض المرتبطة بأنماط تغذوية سيئة.
أما أبرز ملامح
التغذية في هديه صلى الله عليه وسلم فهي:
1- الاعتدال
وعدم الإسراف: فكما كان يتعوذ صلى الله عليه وسلم من الجوع؛ «اللهم إني أعوذ بك من
الجوع، فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة، فإنها بئست البطانة» (ابن ماجه)؛
لما فيه من إضعاف القوى، وتشويش الدماغ، والإخلال بالعبادات وسائر الواجبات؛ فإنه
كان يحثُّ على عدم الإفراط في الطعام، لما فيه من الإضرار الشديد بالبدن.
فيُروى عنه صلى
الله عليه وسلم: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرًّا من بطنه، حسب ابن آدم أكلات يقمن
صلبه، فإن كان لا محالة فثُلثٌ لطعامه، وثلثٌ لشرابه، وثُلثٌ لنفَسِه» (أحمد
والترمذي)، وكان صلى الله عليه وسلم يشرب أيضًا باعتدال، فيشرب على دفعات ثلاث،
ويتنفس خارج الإناء، ويمصُّ الماء مصًّا ولا يعبه عبًّا؛ كي لا يتأذى الكبد، ولا
يقع سوء هضم.
2- تنوع الطعام:
فلم يكن طعامه صلى الله عليه وسلم مقتصرًا على نوع واحد، بل كان يتناول التمر
واللبن والعسل والخل وزيت الزيتون والقرع والحبوب واللحم وغيرها، وهي أطعمة
طبيعية، غنية بالطاقة، قادرة على الشفاء بإذن الله.
3- تنظيم أوقات
الطعام: فلا يأكل باستمرار، بل عند الحاجة، ولا يدخل طعامًا على طعام؛ لما لذلك من
أثر سيئ على أداء الجهاز الهضمي مما أثبته العلم الحديث، بل كان يأكل عند الجوع،
فيما يُعرف اليوم بـ«الصيام المتقطع».
4- الصيام: وكان
جزءًا أساسيًّا من نمط حياته صلى الله عليه وسلم، وقد أرشد إلى فوائده الجسدية
والنفسية والسلوكية، من تحسين عملية التمثيل الغذائي، والوقاية من الأمراض، ودفع
العجز والكسل والوخامة عن صاحبه.
5- وكان له صلى
الله عليه وسلم آداب رفيعة عند تناول الطعام؛ فكان يسمّي قبل الأكل، ويأكل بيده
اليمنى، ويأكل مما يليه؛ «سمِّ الله، وكُل بيمينك، وكل مما يليك» (متفق عليه)، وكان
يحمد الله عند الفراغ من الطعام؛ «الحمد له الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين» (ابن
ماجه).
ولم يكن صلى
الله عليه وسلم يعيب طعامًا قط، وكان يغسل يديه قبل الطعام وبعده، وينظّف فمه
بالسواك، وكان لا يأكل متكئًا، أو منبطحًا، ولم يكن يرد موجودًا، أو يتكلف
مفقودًا، فما قُرّب إليه من الطيبات أكله، إلا أن تعافه نفسُهُ فيتركه من غير
تحريم.
التداوي في الهدي النبوي
وردت أحاديث
نبوية عدة تحثُّ على التداوي، وأن الأدوية وسائل جعلها الله سببًا للشفاء، منها
قوله صلى الله عليه وسلم: «تداووا يا عباد الله، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له
شفاء، إلا داء واحدًا: الهرم» (متفق عليه)، «لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء
برئ بإذن الله تعالى» (مسلم)، «ما خلق الله من داء إلا وجعل له شفاء، علمه من
علمه، وجهله من جهله، إلا السام» (رواه البخاري).
وكان من هديه صلى
الله عليه وسلم فعل التداوي في نفسه، والأمر به لمن أصابه مرضٌ من أهله وأصحابه، ولم
يكن من هديه ولا هديهم استعمال الأدوية المركبة، بل كانت أدويتهم بالحمية
والمفردات من الغذاء، أي بالطعام الواحد، وربما أضافوا إليه مفردة أخرى تكسر
سورته، أي ما به من حُرقة أو مرارة أ أو ميوعة وخلافه.
وثبت أنه صلى
الله عليه وسلم تداوى بالعسل، الذي جعل الله فيه شفاء للناس؛ (يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ
مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ) (النحل: 69)، وتداوى
بالحبة السوداء؛ «إن هذه الحبة السوداء شفاء من كل داء، إلا السام» (رواه البخاري)،
وأوصى صلى الله عليه وسلم باستعمال زيت الزيتون؛ «كلوا الزيت وادهنوا به، فإنه من
شجرة مباركة» (رواه الترمذي)، وقال صلى الله عليه وسلم لعلي: «كُلِ الثوم، فلولا
أني أناجي ربي لأكلته» (أبو نعيم في الحلية).
ومعلوم أن هذه
الأصناف من الأغذية وغيرها، مما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، كالخل
والتين والشعير والبطيخ واليقطين والرمان، قد أثبتت الأبحاث الحديثة فوائدها في
علاج العديد من الأمراض، وتأثيراتها في مقاومة أنواع البكتريا والجراثيم.
وتداوى صلى الله
عليه وسلم بالحجامة، وهي إخراج الدم الفاسد من الجسم باستخدام أدوات خاصة؛ «إن
أفضل ما تداويتم به الحجامة» (رواه أحمد)؛ لتحسين الدورة الدموية وتخفيف الآلام، وتداوى
بالأعشاب، كالحناء، لعلاج الصداع والجروح، والقسط الهندي؛ «عليكم بهذا العود
الهندي، فإن فيه سبعة أشفية» (رواه البخاري)، لعلاج أمراض الجهاز الهضمي والتنفسي،
وعالج صلى الله عليه وسلم من أصابته الحمى بالماء البارد.
وكان صلى الله
عليه وسلم يعوِّذ بعض أهله، يمسح بيده اليمنى ويقول: «اللهم رب الناس، أذهب البأس
واشفِ، أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا» (أبو داود)، وكان إذا
دخل على المريض قال: «لا بأس، طهور إن شاء الله» (رواه البخاري)، وشكا له بعض
صحابته وجعًا فقال له: «ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل سبع مرات: أعوذ بعزة
الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر» (رواه مسلم).
البعد الوقائي في الهدي النبوي
لم يقتصر الهدي
النبوي على التغذية والتداوي لعلاج المرض، بل سبق إلى الوقاية منه، عبر منظومة
متكاملة تتوافق مع مبادئ الطب الحديث في تعزيز الصحة، وتشمل:
1- النظافة
الشخصية والعامة: مثل غسل اليدين، والوضوء والاستحمام، ونظافة الفم بالسواك.
2- الحجر الصحي
ومنع العدوى: للحد من انتشار الأوبئة والطواعين، لما ورد في الحديث: «إذا سمعتم
بالطاعون في أرضٍ فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرضٍ وأنتم فيها فلا تخرجوا منها» (رواه البخاري)،
«لا يوردنّ ممرضٌ على مصحٍّ» (رواه الشيخان)، ونهى صلى الله عليه وسلم عن الزنى
واللواط وسائر الفواحش، وحرّم الشرع أكل الميتة والدم ولحم الخنزير.
3- النهي عن
الأنواع الغذائية الخبيثة: لخطورتها على الصحة؛ «كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن
شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها لم يتب، لم يشربها في الآخرة» (رواه مسلم).
4- تجنّب مصادر
التلوث: حيث نهى صلى الله عليه وسلم عن التبول في الماء الراكد، وفي الطرقات،
للمحافظة على البيئة وعدم تلويثها وإيذاء الآخرين بذلك.
5- تنظيم أوقات
النوم والراحة: مما يساعد في الحفاظ على توازن الجسم.
6- ممارسة
النشاط البدني: التشجيع على تقوية الجسم، بالرمي وركوب الخيل؛ ما يحافظ على
اللياقة.
7- الوقاية
النفسية: دعا صلى الله عليه وسلم إلى التفاؤل، ونهى عن اليأس والتشاؤم، كجزء من
الوقاية الشاملة، التي تعزّز التوازن النفسي وتقوِّي مناعة الجسم، وتقي من
الاضطرابات.
كلمة لا بد منها
أحيانًا ما يثار
أن الهدي النبوي في مجال التغذية والتداوي بديل عن الطب الحديث، وهذا خطأ ونقص في
الفهم، فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر بالتداوي على العموم، ولم يقصر ذلك على
توجيهاته، وهو ما سار عليه علماء الأمة من بعده، يقول الشافعي: «صنعتان لا غنى
للناس عنهما: العلماء لأديانهم، والأطباء لأبدانهم»، ويقول أيضًا: «لا أعلم علمًا
بعد الحلال والحرام أنبل من الطب»، وقد جدّت البشرية في إنتاج نظريات وتطبيقات
طبية أنقذت الملايين من آلام المرض وعلاج المستعصيات، وهو ما لا ينكره الشرع
الحنيف، بل يحضُّ عليه، من ثم، يمكن التوفيق بين التراث النبوي والطب الحديث،
خصوصًا أن كليهما يقرّ مبدأ الوقاية والعلاج وتحسين جودة الحياة، فيمكن استخدام
الوصفات النبوية كعلاجات تكميلية أو وقائية بالتوازي مع الأدوية الحديثة وتحت
إشراف أطباء متخصصين.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً