كيف تكون ناجحاً اجتماعياً؟ (2)

كن إنساناً يترك أثراً

التقاء_الأجيال

في صباح 25 أغسطس 2025م، كان موعد الإفطار مع د. عمر، الأستاذ الجديد في جامعة الكويت، بدأت الحكاية قبل ذلك بيوم، حين التقيته مصادفة في أحد فروع بنك كبير في الكويت، بادر د. عمر بالتعريف بنفسه، وكانت معرفتي بوالده د. صلاح سبباً إضافياً لتقديره، فدعوته إلى الإفطار في صباح اليوم التالي.

كان يمكن أن ينتهي اللقاء بمصافحة وكلمات مجاملة، لكن تحويل اللقاء العابر إلى جلسة حوار هو ما يمنح القصة معناها، فالنجاح الاجتماعي لا يبدأ من امتلاك قائمة طويلة من المعارف، بل من القدرة على تحويل اللقاء إلى علاقة إنسانية، والعلاقة إلى مساحة للتعلم والعطاء.

النجاح الاجتماعي أعمق من الشهرة الشعبية

هناك فرق بين أن تكون مشهوراً بين الناس، وأن تكون ناجحاً معهم، فقد يعرفك المئات دون أن يشعروا بالقرب منك، وقد لا يعرفك إلا عشرات، لكن وجودك في حياتهم يحمل معنى وأثراً.

ولهذا قيل: «الألفة ثمرة حسن الخلق، والتفرق ثمرة سوء الخلق»، فالنجاح الاجتماعي في جوهره أخلاق قبل أن يكون مهارات، تستطيع أن تتعلم كيف تبدأ الحديث وتوسع شبكة علاقاتك، لكن هذه الأدوات تفقد قيمتها إذا لم يكن وراءها صدق واحترام ورحمة.

بادر ولا تنتظر

في جلسة الإفطار سألت د. عمر: هل سبق أن دعاك أحد إلى مثل هذا الإفطار بعد حصولك على الدكتوراه؟

أجاب بروح جميلة: أنت الأول، وأنت عن مائة شخص!

تكشف هذه الإجابة معنىً مهماً؛ أن المبادرة الصغيرة قد تكون كبيرة في نفس الآخر؛ لذلك، إذا انضم زميل جديد إلى مكان عملك، فاقترب منه، وإذا حقق صديق إنجازاً، فهنئه، وإذا تولى شخص تعرفه مسؤولية جديدة، فأرسل إليه كلمة تشجيع، لا تنتظر المناسبات الرسمية لكي تكون إنساناً جميلاً.

اجعل خبرتك جسراً لا جداراً

كانت الجلسة مع د. عمر لقاءً بين جيلين وتجربتين؛ خبرتي التي امتدت نحو 40 سنة في كلية الهندسة، وتجربة أكاديمية حديثة عاشها د. عمر في طريقه إلى الدكتوراة وحصوله عليها.

وهنا تظهر صفة مهمة للناجح اجتماعياً؛ أنه لا يدخل اللقاء وهو يسأل فقط: ماذا سأعلم هذا الإنسان؟ بل يسأل أيضاً: ماذا سأتعلم منه؟

فجيلنا الذي عرف لغة فورتران والبطاقات وأجهزة قراءة البطاقات عاش عالماً مختلفاً عن عالم الباحثين اليوم، لكنها ليست منافسة بين جيل قديم وجديد، وإنما تكامل خبرات، الكبير يقدم خلاصة السنوات، والشاب يقدم معرفته بالعالم الجديد وأدواته.

استمع لكي تعرف عالماً آخر

وفي 27 أغسطس 2025م، كانت تجربة أخرى، حين دعوت حفيدي زيداً إلى الإفطار بعد عودته من رحلة صيفية علمية إلى الولايات المتحدة، حيث ذهب طالباً للعلم في مدينة بوسطن بولاية ماساتشوستس.

كانت قيمة الجلسة في الاستماع إلى زيد وهو يتحدث عن الجامعة والطب ونقاشاته مع أستاذ المقرر والأسئلة الفكرية التي دارت بينهما حول نظرية التطور لتشارلز داروين.

وهنا درس للشباب والشابات، وللآباء والأجداد أيضاً: لا تجعل الحوار مع الجيل الآخر محاضرة من طرف واحد، اسأل ثم استمع، ودع الآخر يشرح رؤيته وتجربته.

وقد قرر بن خلدون في «مقدمته» أن الاجتماع الإنساني ضروري، فالإنسان لا يبني حياته منفرداً، وإنما يتشكل جانب كبير من وعيه من خلال الاجتماع والتفاعل والحوار.

تعلم كيف تختلف دون أن تخسر الإنسان

الحوار الذي نقله زيد عن نقاشاته مع أستاذه حول أفكار داروين يفتح باباً آخر للنجاح الاجتماعي؛ إدارة الاختلاف.

لسنا مطالبين بأن نتفق مع الجميع، فالإنسان سيقابل من يخالفه دينياً وفكرياً وعلمياً واجتماعياً، لكن الاختلاف لا يمنحه الحق في احتقار الآخرين أو الإساءة إليهم.

وقد نُقل عن الإمام محمد بن إدريس الشافعي قوله: «ما ناظرت أحداً قط إلا أحببت أن يوفق ويسدد ويعان، ويكون عليه رعاية من الله وحفظ، وما ناظرت أحداً إلا ولم أبال، بين الله الحق على لساني أو لسانه».

إنها روح راقية للحوار؛ أن تدخل النقاش راغباً في الوصول إلى الحقيقة، لا في سحق الطرف الآخر، خصوصاً في زمن تحولت فيه بعض النقاشات على وسائل التواصل إلى معارك شخصية.

الكلمة الطيبة استثمار اجتماعي

وفي 26 أغسطس 2025م، أرسلت رسالة إلى د. بدر، الذي كان يوماً طالباً متميزاً عندي في كلية الهندسة، ثم مضت السنوات حتى تقلد منصباً رفيعاً في دولة الكويت.

قلت له: أنت أهل لهذه المسؤولية، وعهد علينا أن نعينك على تحقيق أهدافك في هذا المنصب.

كانت كلمات قليلة، لكنها تركت أثراً طيباً؛ فليس كل عطاء مالاً، وليست كل هدية شيئاً مادياً، أحياناً يحتاج الإنسان إلى من يقول له في اللحظة المناسبة: أنا أثق بك.

والعلاقة الحقيقية لا تقوم على المنصب أو المصلحة، فالإنسان الناجح اجتماعياً يحترم الشخص قبل المنصب وبعده، لأن العلاقات الأصيلة تُبنى على الإنسان، لا على الكرسي الذي يجلس عليه.

اترك أثراً

يا شبابنا وشاباتنا، إذا أردتم النجاح اجتماعياً، فلا تجعلوا هدفكم أن يعرفكم أكبر عدد من الناس، بل أن يخرج الإنسان من لقائكم وهو أكثر تفاؤلاً أو معرفة أو ثقة أو سعادة.

بادروا، وأكرموا الناس دون انتظار مقابل، واستمعوا قبل أن تتكلموا، وتعلموا من الكبير والصغير، ولا تجعلوا الاختلاف الفكري خصومة شخصية، ولا المنصب معياراً لقيمة الإنسان.

تعلموا من د. عمر أن المبادرة تصنع الود، ومن زيد أن الأجيال تتقارب حين يصغي بعضها إلى بعض، ومن د. بدر أن الكلمة الطيبة قد تكون هدية لا تُنسى.

فالنجاح الاجتماعي الحقيقي ليس أن تدخل مجلساً فيلتفت الجميع إليك، وإنما أن تغادره ويبقى منك في القلوب شيء جميل.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة