شتاء النازحين.. بين القضية والإنسانية

معاذ البدري

13 يناير 2026

68

حينما تتآزر المصائب والبلايا لتختبر الحالة الإنسانية، ثم لا تجد منه إلا تغافلًا أو صدودًا أو تطرفًا في النكوص؛ فإنّ مفردة «الإنسانية» تتهاوى إلى ما دون القاع، إذ تتجرد عن المضمون وتكتفي بسربال المُسمّى الذي يشفّ عمّا تحته بفضيحة لا تجد لذاتها وِجاءً من ستر!

قسوة الشتاء وانكسار الإنسانية

ليلة شتائية واحدة فقط يُقاسي فيها الملايين من النازحين والمهجّرين -سواء في قطاع غزة المكلوم، أو في السودان الجريح، أو في مخيمات العراق المنسية المبثوثة في شماله وغربه- طغيانَ البرد وفقدانَ وسائل المأوى والدفء؛ كفيلة بأن تجعل «الإنسانية» تنزوي ذليلة وهي تأنف أن ترمي مجرد البصر صوب مظلوم ومستضعف يحتضر في كل ساعة من نهار ألف مرّة، لكنها ترضى أن تخضع لإرادة عدوٍّ ظالم أفّاك، يتمادى جَورًا وسطوة، ويكره للناس الحياة بقدر ما يُحبها لنفسه فقط.

السنن الربانية في واقع الأمة المعاصر

تواجه أمتُنا في واقعها المعاصر أزمات ونكبات شتّى، ومسارات الأحداث فيها تشير بما لا يدع مجالًا للشك أنّها تجري وفق سنن الله تعالى، التي تقتضي عملًا وجهادًا، وصبرًا وثباتًا، وبذلًا وتضحية، وغير ذلك مما يتطلبه الصراع وتوجبه الفطرة الإنسانية.

ولعلّ ما تشهده فلسطين ولا سيّما قطاع غزة من عدوان وبلاء وابتلاء مما لا يخفى دقّه وجلّه على الناس أجمعين حتى وإن تعمّد أحد أن يلوي برأسه عنه، أو ما يحدث في السودان من حرب ضروس يطغى فيها سفك الدماء وانتهاك الحقوق، أو ما يعصف بالعراق من أزمات مركّبة تُخفى عمدًا تحت دثار مشهد سياسي وأمني مصطنع وتطبيع مُتكلّف محبوك؛ هو الشاهد الأكثر أثرًا وأجلى حقيقة للتعبير عمّا سبق من وصف لواقع حال الأمّة.

وحيث تنقضي السنوات سراعًا دون أن تظهر في آفاق المشاهد بوارق أمل أو أمارات حل؛ بل تبدو الحالة الإنسانية في هذه الأقطار وهي تتفاقم على نحو مخيف وتتهاوى على نمط خطير؛ فإنّ ذلك مؤشر على قصور واضح عن القيام بما تتطلبه السنن الربّانية وتقتضيه حالة الصراع، وهذه مرحلة فيها من الإنذار والتهديد ما يشمل الجميع ولا يقتصر على فئة دون أخرى؛ لأن سنن الله تعالى غلّابة ولا قِبَل لمن كان غير مُسلّح بالأسباب بتجاوزها أو النجاة منها.

إنّ القرآن الكريم شخّص ذلك بآيات محكمة وبيّنة، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ {24} وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (الأنفال)، وقال سبحانه: (هَاأَنتُمْ هَؤُلَاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) (محمد: 38)، والأمثلة الأخرى من الآيات الكريمة التي تتعلق بسنن الصراع والتدافع وسائر الحيوات كثيرة العدد، ودقيقة المعنى، وبيّنة الدلالة.

المسؤولية الجماعية وعواقب التخاذل

لقد أمست قضيتنا الكلية اليوم قضية إنسانية في مقامها الأوّل، وفي حالة النازحين ومآسيهم وبلوغهم مستوى متدنياً من الضعف وانعدام الحيلة في مواجهة ظروف الشتاء -على سبيل المثال- والظفر بما يُحقق لهم أمنًا غذائيًا وصحيًا في حده الأدنى؛ ما يُرتّب على جميع مَن في الأمّة مِن أفراد وشعوب، وكيانات ومؤسسات، وأنظمة وصنّاع قرار؛ مسؤوليات قاسية في طبيعتها، شديدة في وقعها، عاجلة في تنفيذها، إذ ليس فيها فاصلة أو استئناف، ولا هامش للعفو أو الاعتذار.

وما لم يؤخذ الأمر على هذا النحو، فإن العقاب بصنفيه المعجل في الدنيا والمصيري في الآخرة، الذي ينتهي إليه من تجرد عن الإنسانية وتوارى في ثوب الأنانية؛ يفوق الوصف ولا تحيط بمضمونه الأخبار.

إنّ مأساة النازحين بجميع ما فيها من معالم ومظاهر، وأسباب ومآلات، وبصفتها نتاج حرب وصراع بين حق وباطل؛ تندرج تحت ضروب المصائب التي جعلها الله عز وجل سببًا ليتمايز أهل الإيمان عن أهل النفاق، فهو سبحانه يقول: (وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ {166} وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ) (آل عمران)، وساحة الابتلاء اليوم واسعة المدى ومتاحة للجميع ليُظهر كلٌّ امرئ أو مجتمع معدِنَه وحقيقتَه.

وإنّ مما ينبغي إدراكه في معالجة مآسي الأمّة بتنوع شعوبها وتكاثر قضاياها، أنّها حين تواجه أعداءً على جبهات متعددة وتكون مراميهم ومسارات حربهم ونتائجها متشابهة هنا مثلما هي هناك؛ فإنّ على الأمّة أن تتعامل مع جبهات العدو على أنّها جبهة واحدة حتى وإن ظهر على السطح خلاف أو شقاق بين هذه وتلك، لأنّ الواقع والحال هذه يتجلى فيما بيّنه الله تعالى لنا: (تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ) (البقرة: 118)؛ فهلّا كانت البوصلة في هذا الاتجاه؟!


اقرأ أيضاً:

برد غزة.. جحيم

شتاء فوق الوجع.. خيام النازحين الهشة تغرق مع أولى موجات الأمطار في غزة


الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة