من معالم الدرس اللغوي عند ابن عادل الحنبلي (3 - 3)

القراءات القرآنية.. من صحة الرواية إلى سعة المعنى

د. رمضان فوزي

07 أكتوبر 2026

14

عنوان السلسلة وعنوان الحلقة واسم الكاتب ورسم تعبيري للقرآن يخرج منه إشعاعات

القراءات القرآنية تكشف جانبًا مهمًّا من منهج ابن عادل الحنبلي في تفسيره «اللباب في علومالكتاب»؛ ففي توجيهها يلتقي احترام الرواية بسعة المعرفة بالعربية، ويظهر أثر السماع في النظر إلى القواعد والأقيسة.

وبعد أن تعرّفنا في الحلقة الأولى من سلسلة «من معالم الدرس اللغوي عند ابن عادل الحنبلي» إلى هذا التفسير الموسوعي، ووقفنا في الثانية عند بعض إشاراته اللغوية ومنزلـة السماع في توجيهاته، نختتم السلسلة بهذه الحلقة، نلقي فيها الضوء على موقفه من القراءات القرآنية، وحرصه على بيان وجوهها، والدفاع عن الثابت منها، وصيانة تنوعها من المفاضلة التي تنتهي إلى إسقاط بعضها.

ولا يستوي في هذا الباب توجيه القراءة والحكم بثبوتها؛ فقد يكون للقراءة وجه صحيح في العربية، دون أن تكون من القراءات المتواترة، وهذه التفرقة ضرورية لفهم عناية ابن عادل بتخريج بعض القراءات الخارجة عن القراءات المشهورة؛ إذ يكشف التخريج عن إمكان الوجه اللغوي، ولا يكفي وحده لإثبات جواز القراءة به، كما أن «اللباب» كتاب جامع لأقوال العلماء؛ فمن الدقة أن نميّز ما يعرضه مؤلفه أو ينقله عن غيره مما يصرح باختياره.

القراءات القرآنية.، رواية تُتَّبع ووجوه تُفسَّر

من الشواهد الكاشفة عن منزلة النقل في «اللباب» ما أورده عند قوله تعالى: (فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا) (البقرة: 182)؛ إذ عرض قراءتي «مُوصٍ» و«مُوَصٍّ»، وربطهما بالفعلين «أوصى» و«وصّى»، ثم قارن هذا الموضع بقوله تعالى: (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ) (البقرة: 132)، وبيّن أن بعض القراء الذين قرؤوا بالفعل المضعّف في الموضع الثاني لم يقرؤوا اسم الفاعل بالتضعيف في الأول؛ فالقراءة لا تُبنى على إلزام القارئ بقياس صيغة على أخرى، وإنما على الرواية، ولذلك قرر أنها «سُنَّةً متبعة لا تجوز بالرأي» (اللباب، 3/ 245).

وهذا شاهد دقيق؛ لأن القياس الصرفي قد يفسر بناء الكلمة، لكنه لا يختار للقارئ ما يقرأ به، فمهمة اللغوي هنا أن يبين وجه الصيغة المروية، ومهمة النقل أن يثبت ورودها، ومن ثم لا يصح تحويل ما يبدو تناسقًا صرفيًّا إلى سبب لردّ رواية أو إنشاء قراءة.

وتتجلى عنايته بتخريج القراءات القرآنية في قوله تعالى: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ) (البقرة: 173)؛ فعلى قراءة الجمهور بالنصب تكون «ما» كافّة، و«الميتةَ» مفعولًا به، أما قراءة ابن أبي عبلة برفع «الميتةُ» وما بعدها، فيوجّهها بجعل «ما» موصولة، والموصول اسم «إنّ»، و«الميتةُ» خبرها، والعائد في الصلة محذوف؛ أي: إن الذي حرّمه الله عليكم هو الميتةُ وما عُطف عليها (اللباب، 3/ 170).

واللافت في هذا المثال أن اختلاف الحركة استدعى إعادة النظر في وظيفة «ما» وفي بناء الجملة كلها؛ فما كان مفعولًا به صار خبرًا، وما كان حرفًا كافًّا صار اسمًا موصولًا، وبذلك يقدم التخريج درسًا عمليًّا في الصلة بين الإعراب والمعنى، ويُظهر أن النظر في القراءة يبدأ بفهم تركيبها، لا باستنكار صورتها لمخالفتها الوجه المألوف.

حين يتقدّم السماع على القياس

إذا كانت القاعدة النحوية مستنبطة من كلام العرب، فكيف يُردّ بها نقل ثابت يمثل وجهًا من وجوه العربية؟ هذا السؤال يبرز في دفاع «اللباب» عن قراءة حمزة بجر «الأرحامِ» في آية النساء الأولى، وهي قراءة أثارت خلافًا في مسألة عطف الاسم الظاهر على الضمير المجرور من غير إعادة الجار.

فالبصريون الذين منعوا هذا العطف يطلبون، في نظيره، إعادة الباء، فيقال: «به وبالأرحام»، أما القراءة فجاءت بالجر من غير إعادتها، وهو وجه أجازه غيرهم، وفي سياق الدفاع عنها ورد في «اللباب»: «ولا التفات إلى أقيسة النحاة عند وجود السماع»، مع الاستشهاد بما ورد في الشعر من نظائر هذا الاستعمال (اللباب، 6/ 146).

ولا تعني هذه العبارة إلغاء القياس، وإنما تحدد موضعه؛ فالقياس وسيلة لتنظيم الاستعمال وتفسيره، فإذا ضاق عن شاهد ثابت كان الشاهد داعيًا إلى مراجعة حدود القاعدة، وعلى هذا يمكن أن يُقرأ الدفاع عن حمزة بوصفه دفاعًا عن أمانة النقل، وعن سعة العربية التي لا تستوعبها قاعدة مدرسية واحدة.

تنوع القراءات واتساع المعنى

لا يكتمل الدفاع عن القراءات القرآنية الثابتة إلا بصيانة غيرها من القراءات الثابتة أيضًا، ومن أوضح الشواهد موقف «اللباب» من قراءتي «مالك» و«مَلِك» في قوله تعالى: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) (الفاتحة: 4)، فقد عرض حجج المفاضلة بينهما، واعترض على الترجيح الذي يكاد يُسقط القراءة الأخرى، مؤكدًا تواترهما، ومستأنسًا بما نُقل عن ثعلب في الامتناع عن تفضيل إعراب على آخر في القراءات المنقولة عن السبعة؛ إذ يقول: "وقد رَجَّحَ كُلُّ فَرِيقٍ إِحْدَى القراءتين على الأُخْرَى تَرْجِيحاً يكادُ يسقط القِرَاءَاتِ الأُخْرَى، وهذا غَيْرُ مَرْضيٍّ؛ لأنَّ كِلْتَيْهِما مُتَوَاتِرةٌ، ويدلُّ على ذلك ما رُوِيَ عن ثَعْلَب -رَحِمَهُ اللهُ تعالى- أنه قال: إِذَا ‌اخْتَلَفَ ‌الإِعْرَابُ ‌في ‌القرآن عن السَّبعةِ، لم أُفَضِّل إِعْرَابًا على إعراب في القرآنِ، فإذا خرجتُ إلى كلامِ الناسِ، فصَّلْتُ الأَقْوَى" (اللباب في علوم الكتاب، 6/ 146).

والدقة هنا أن الاعتراض متجه إلى المفاضلة المُفضية إلى التوهين أو الإسقاط؛ فلا يصح أن نستخلص منه -دون استقراء أوسع- منع كل مقارنة دلالية أو لغوية بين القراءات؛ فبيان ما تحمله كل قراءة من معنى يزيد الفهم، أما اتخاذ ذلك ذريعة إلى إضعاف القراءة الأخرى فيخلط بين تفسير الدلالة والحكم على الرواية.

ومن جهة المعنى تتيح القراءتان تأمل دلالتي المِلك والمُلك، وما يتصل بهما من الاختصاص والتصرف والسلطان، ويمكن للقارئ أن يستفيد من هذا التنوع في تدبر الآية دون أن يجعل إحدى الدلالتين حجة لنفي الأخرى؛ فثبوت القراءتين يدعوه إلى استيعاب ما تضيفه كل منهما إلى فهمه.

وبهذه الحلقة التي تنتهي رحلتنا في بعض معالم الدرس اللغوي عند ابن عادل، وقد بدأت بالتعريف بـ«اللباب»، ثم اقتربت من طرائق النظر اللغوي فيه، وانتهت إلى القراءات التي يظهر عندها أثر ذلك النظر في أوضح صوره، ولعل ثمرة الرحلة أن نقرأ كتب التفسير اللغوي بعينين متكاملتين: عين تتثبت من الرواية ونسبة القول، وأخرى تتأمل الصيغة والتركيب والمعنى.

ولم تكن هذه الحلقات إحاطة بكتاب تتسع مادته لأبحاث كثيرة، وإنما كانت إشارات إلى نفائس تنتظر مزيدًا من القراءة والتحليل، ففي تتبع توجيهاته ومصادره، وتمييز اختياراته من نقوله، مجال رحب للباحثين؛ وفي العودة إليه فرصة للقارئ أن يرى كيف تتعاون علوم العربية على فهم كتاب الله، وكيف يفتح اختلاف القراءة بابًا لزيادة الفهم والتدبر.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة