من معالم الدرس اللغوي عند ابن عادل الحنبلي (2 - 3)

في «اللباب».. كيف تصير القاعدة النحوية أداة لفهم القرآن؟

د. رمضان فوزي

28 سبتمبر 2026

44

عنوان السلسلة والموضوع واسم الكاتب ولوحة تعبيرية لعالم يتدارس العلم ويدونه

القاعدة النحوية عند ابن عادل ليست حكمًا يورده في تفسير «اللباب» ثم يمضي؛ بل أداة ينظر بها في تركيب الآية ومعناها، وقد تعرفنا في الحلقة الأولى من هذه السلسلة إلى «اللباب في علوم الكتاب» بوصفه تفسيرًا جمع علوم القرآن والعربية، ونقترب في هذه الحلقة من عمل ابن عادل داخل صفحاته: كيف يعرض القاعدة، ويناقش وجوه الإعراب، ويتتبع اشتقاق الألفاظ، ويحتكم إلى السماع؟

ولأن «اللباب» أوسع من أن تحيط بمباحثه اللغوية صفحات معدودات، نكتفي بنماذج تكشف ملامح منهج ابن عادل، وتدعو إلى مزيد من البحث في هذا السفر، فأول ما يلحظه قارئه أنه أمام مفسر ذي عناية بالنحو وأصوله؛ لا يورد الأقوال لمجرد جمعها، بل يناقشها، ويبين عللها، وقد يختار ما يخالف به بعض النحاة؛ فنجده يقول مثلا: "وللاستثناء أحكام كثيرة تأتي مفصّلة في مواضعها إن شاء الله تعالى"(1).

القاعدة النحوية بين التقعيد والاختيار

 وابن عادل في مجال التقعيد ليس مجرد ناقل أو مطبق لما قاله النحاة على القرآن الكريم؛ بل له اختياراته الخاصة التي قد يخالف فيها النحاة؛ فنجده مثلا يتحدث عن الجمل التي لا محل لها من الإعراب فيقول: "والجمل التي لا مَحَلَّ لها من الإعراب أربع لا تزيد على ذلك - وإن توهّم بعضهم ذلك - وهي: المبتدأ والصِّلة والمُعْترضة والمفسّرة، وسيأتي تفسيرها في مواضعها"(2).

فهو هنا اختار مذهبا قد يكون تفرد به في عدد الجمل التي لا محل لها من الإعراب؛ حيث قصرها على أربع فقط في حين نجد من النحاة من أوصلها إلى اثنتي عشرة جملة (مثل أبي حيان في "ارتشاف الضرب")، ومنهم من جعلها سبع جملة (كابن هشام في "مغني اللبيب"، والسيوطي في "همع الهوامع")، ومنهم من جعلها تسع جمل (كابن أم قاسم في "توضيح المقاصد والمسالك).

كما أننا نجد أنفسنا أمام نحوي يهتم بعلل الإعراب والبناء، وهو ما لا يراعيه إلا نحوي أصولي؛ فعند تفسيره قوله تعالى {قَالُوا الآَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ}، قال: "واختُلف في علّة بنائه (الآن)؛ فقال الزَّجَّاج: لأنه تضمن معنى الإشارة؛ لأن معنى أفعل الآن، أي: هذا الوقت.

وقيل: لأنه أشبه الحرف في لزوم لَفْظ واحد، من حيث إنه لا يُثَنَّى ولا يُجْمع ولا يصغّر.

وقيل: لأنه تضمّن معنى حرف التعريف، وهو الألف واللام كـ"أمس"، وهذه الألف واللام زائدة فيه بدليل بنائه، ولم يُعْهَد مُعرفٌ بـ"أل" إلا معرباً، ولزمت فيه الألف واللام كما لزمت في "الذي والّتي" وبابهما، ويعزى هذا للفارسي، وهو مردود بأن التضمين اختصار، فكيف يختصر الشيء، ثم يؤتى بمثل لفظه.."(3).

وفيما يلي بعض التطبيقات اللغوية في تفسير "اللباب":

دور الاشتقاق والوزن في بيان المعنى

يلاحظ عند ابن عادل أنه يحرص على تتبع اشتقاقات الكلمة وتصريفاتها وأوزانها الصرفية وعلاقة كل هذا بالمعنى، منطلقا من القاعدة النحوية، ويتضح هذا مثلا في حديثه عن الاستعاذة؛ حيث تتبع تصريفات كلمة "الشيطان" فقال:

"وَاخْتلف أهل اللُّغَة فِي اشتقاقه:

فَقَالَ جمهورهم: هُوَ مُشْتَقّ من: "شطن - يشطن" أَي: بعد؛ لِأَنَّهُ بعيد من رَحْمَة الله تَعَالَى؛ وَأنْشد:

نأت بسعاد عَنْك نوى شطون *** فَبَانَت والفؤاد بهَا رهين

وَقَالَ آخر:

أيما شاطن عَصَاهُ عكاه *** ثمَّ يلقى فِي السجْن والأكبال

وَحكى سِيبَوَيْهٍ: "تشيطن" أَي: فعل فِعل الشَّيَاطِين؛ فَهَذَا كُله يدل على أَنه من "شطن"؛ لثُبُوت النُّون، وَسُقُوط الْألف فِي تصاريف الْكَلِمَة، ووزنه على هَذَا: "فيعال ".

وَقيل: هُوَ مُشْتَقّ من "شاط - يشيط" أَي: هاج، وَاحْتَرَقَ، وَلَا شكّ أَن هَذَا الْمَعْنى مَوْجُود فِيهِ، فَأخذُوا بذلك أَنه مُشْتَقّ من هَذِه الْمَادَّة، لَكِن لم يسمع فِي تصاريفه إِلَّا ثَابت النُّون، مَحْذُوف الْألف؛ كَمَا تقدم، ووزنه على هَذَا "فعلان"، وَيَتَرَتَّب على الْقَوْلَيْنِ: صرفه وَعدم صرفه، إِذا سمي بِهِ، وَأما إِذا لم يسم بِهِ، فَإِنَّهُ متصرف أَلْبَتَّة؛ لِأَن من شَرط امْتنَاع "فعلان" الصّفة أَلا يؤنث بِالتَّاءِ، وَهَذَا يؤنث بهَا؛ قَالُوا: "شَيْطَانَة ".

قَالَ ابْن الْخَطِيب: و"الشَّيْطَان" مُبَالغَة فِي الشيطنة؛ كَمَا أَن "الرَّحْمَن" مُبَالغَة فِي الرَّحْمَة، و"الرَّجِيم" فِي حق الشَّيْطَان "فعيل" بِمَعْنى "فَاعل ".

إِذا عرفت هَذَا، فَهَذِهِ الْكَلِمَة تَقْتَضِي الْفِرَار من الشَّيْطَان الرَّجِيم إِلَى الرَّحْمَن الرَّحِيم"(4).

تعدد الأوجه النحوية ومناقشة أدلتها

حرص ابن عادل على تتبع الأوجه الكثيرة الواردة في المسألة النحوية تتبعا يدل على كثرة اطلاعه وتنوعه، وهو في هذا لا يكتفي بمجرد النقل؛ بل يحلل كل وجه؛ فيقبل هذا ويرد هذا، ويحشد الأدلة على صحة هذا، وهكذا؛ فهو ناقل بصير.

ومن الأمثلة على ذلك تتبعه للأقوال الواردة في الاستثناء في قول الله تعالى عند الحديث عن خلود أهل الجنة وأهل النار: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ}؛ حيث ذكر فيه ستة عشر وجها وردت عن النحاة، معزيا كلا منها لصاحبه، وهو ما يضيق المقام عن ذكرها هنا(5).

السماع حجة في توجيه القراءة

يعد السماع عما ورد عن العرب في عصور الاحتجاج أحد أهم المصادر التي اعتمد عليها النحاة في تقعيدهم، وقد اعتمد ابن عادل على السماع في كثير من توجيهاته النحوية للآيات، وإذا تعارض السماع مع القياس؛ فإنه يقدم السماع وينتصر له؛ فنجده عند توجيهه لقراءة حمزة بجر "والأرحام" في قوله تعالى {وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ}، بالعطف على الضمير دون إعادة حرف الجر (وهي من أشهر قضايا الخلاف بين البصريين والكوفيين) يقول مدافعا عن هذه اللغة: "وذلك يوجب القطع بصحة اللغة، ‌ولا ‌التفات ‌إلى ‌أقيسة ‌النحاة عند وجود السماع"(6).

ويرجح السماع في موضع آخر فيقول: "والمصير: اسم مصدر من صار يصير: أي: رجع، وقد تقدَّم في قوله: {المحيض} [البقرة: ٢٢٢] أنَّ في المفعل من الفعل المعتلِّ العين بالياء ثلاثة مذاهب، وهي: جريانه مجرى الصحيح، فيبنى اسم المصدر منه على مفعَل بالفتح، والزمانُ والمكان بالكسر، نحو: ضَرَبَ يَضْرِب مَضْرِباً، أو يُكْسَرُ مطلقاً، أو يُقْتَصَرُ فيه ‌على ‌السَّماع، فلا يتعدَّى، وهو أعدلها"(7).

وفي نهاية هذه الحلقة تكشف هذه النماذج أن الدرس اللغوي عند ابن عادل في «اللباب» يتجاوز شرح المفردة وبيان إعرابها؛ فهو يصل القاعدة النحوية بتطبيقاتها في الآيات، ويتتبع أثر الاشتقاق والوزن في المعنى، ويعرض الأوجه المختلفة للمسألة قبل أن يناقش أدلتها ويرجح بينها، كما يظهر اعتداده بما ثبت سماعًا عن العرب، حتى إذا خالف قياسًا نحويًّا، فلا يجعل القاعدة السابقة حاكمة على النص المسموع.

ومن هنا تبدو القاعدة النحوية في تفسيره أداة لفهم الآية، ومجالًا للنظر والموازنة في الوقت نفسه، وما عرضناه ليس إلا إشارات من مادة لغوية واسعة، تكفي لتدل على غنى «اللباب» وحاجة جوانبه إلى دراسات مستقلة.

وفي الحلقة الثالثة والأخيرة -بمشيئة الله تعالى- نقف عند ميدان تتجلى فيه هذه العناية باللغة، وستكون عن موقف ابن عادل من القراءات القرآنية وطريقته في توجيهها؛ لنرى كيف يتعامل مع اختلاف القراءة، وما يستند إليه من شواهد اللغة ووجوه الإعراب عند بيان معناها.

الهوامش
  • 1 اللباب في علوم الكتاب (1/ 339).
  • 2 المرجع السابق (1/ 336).
  • 3 المرجع السابق (2/ 172).
  • 4 المرجع السابق (1/ 97 – 98).
  • 5 المرجع السابق (10/ 570).
  • 6 المرجع السابق (6/ 146).
  • 7 المرجع السابق (4/ 530).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة