اليمن والسعودية.. رهان المصير المشترك واستعادة الدولة

في ظل ما تمر به الجمهورية اليمنية من تحولات وتصعيد، تظل الأزمة اليمنية التي انفجرت في سبتمبر 2014م جرحاً نازفاً ومعادلة معقدة، ولن تجد طريقها للحل الجذري إلا بإنهاء سيطرة مليشيات الحوثي على العاصمة صنعاء، واستعادة الدولة المختطفة من يد أخطر أذرع المشروع الإيراني في المنطقة.

لقد تجاوزت جماعة الحوثي في نفوذها وخطورتها وكلاء إيران في لبنان والعراق، وباتت تمتلك أدوات تهديد تتجاوز أحياناً ما يملكه بلد المنبع الذي يصدر فكرة «الولاية» العابرة للحدود.

دون استعادة العاصمة وبسط نفوذ الدولة، سيظل اليمن قنبلة موقوتة تهدد أمن الجزيرة العربية والملاحة الدولية، خاصة وهو يمتلك ثاني أكبر مساحة جغرافية في الجزيرة، وشريطاً ساحلياً طويلاً يتحكم في مضيق باب المندب، أحد أهم ممرات التجارة والطاقة في العالم.

الرياض وبقية العواصم.. مفارقة الثقة

وسط هذا المشهد المعقّد، تتباين مواقف العواصم الدولية تجاه الملف اليمني، لكن الثابت الوحيد أن اليمنيين بجميع مكوناتهم يجمعون على أن الرياض هي المحطة الآمنة والرهان الصادق، بينما يفترقون حول بقية العواصم، فبينما تحضر طهران بمشروع طائفي تدميري، وتحضر عواصم غربية (مثل لندن وواشنطن) بحسابات مصالح انتهازية ومواقف متذبذبة أطالت أمد الحرب، تقف المملكة العربية السعودية بموقف تاريخي ثابت، داعم للدولة اليمنية ومؤسساتها، وحريص على وحدة اليمن واستقراره، انطلاقاً من إدراك عميق بأن أمن اليمن هو أمن للمملكة، وأن استقراره هو استقرار للمنطقة بأسرها.

لقد تجلى هذا التباين بوضوح في تعاطي المجتمع الدولي مع الأزمة؛ ففي حين سعت بعض القوى لاستخدام ورقة المساعدات الإنسانية للضغط السياسي وشرعنة الأمر الواقع، ظلت الرياض متمسكة بالمرجعيات الثلاث (المبادرة الخليجية، ومخرجات الحوار الوطني، والقرار الأممي (2216)) كإطار شرعي وحيد للحل، رافضة أي محاولات لتجاوز الدولة أو خلق كيانات موازية تهدد وحدة اليمن.

ركائز العلاقة الإستراتيجية.. لماذا السعودية؟

إن الرهان اليمني على الدور السعودي ليس وليد لحظة عاطفية، بل يستند إلى حقائق جيوسياسية وتاريخية واقتصادية لا يمكن تجاوزها، تجعل من المملكة الشقيق الأكبر والشريك الحتمي لليمن:

1- وحدة الجغرافيا والمصير الأمني:

تمتد الحدود المشتركة بين البلدين لأكثر من 1400 كيلومتر؛ ما يجعل التداخل الجغرافي والأمني حقيقة راسخة، لا يمكن فصل أمن المملكة عن أمن اليمن، فأي فوضى أو فراغ في اليمن ينعكس مباشرة على المملكة، والعكس صحيح.

هذه الحتمية الجغرافية تجعل السعودية الدولة الأكثر حرصاً على وجود دولة يمنية قوية ومستقرة، خالية من المليشيات الطائفية والجماعات الإرهابية، لضمان أمن البحر الأحمر والجزيرة العربية.

وقد أثبتت السنوات الماضية أن المملكة الدولة الوحيدة القادرة على ملء الفراغ الإستراتيجي ومنع تحول اليمن إلى منصة لتهديد دول الجوار، سواء عبر الصواريخ الباليستية أو المسيرات المفخخة التي استهدفت الأعيان المدنية في المملكة؛ ما يؤكد أن المعركة واحدة والعدو واحد.

2- الشريان الاقتصادي والتنفس الاصطناعي:

تعد المملكة العربية السعودية الرئة الاقتصادية التي يتنفس منها اليمن، خاصة في سنوات الحرب العجاف، ولا يقتصر هذا الدعم على المنح والقروض، بل يشمل دورة اقتصادية متكاملة:

  • تحويلات المغتربين: تستضيف المملكة قرابة مليوني يمني، تشكل تحويلاتهم المالية العمود الفقري للاقتصاد اليمني، وتعيش عليها مئات آلاف الأسر في الداخل؛ ما يمنع انهياراً شاملاً للمجتمع، هذه التحويلات تتجاوز في قيمتها وأثرها المساعدات الدولية المعلنة.
  • الدعم المالي المباشر: لولا الودائع السعودية في البنك المركزي اليمني، التي تجاوزت مليارات الدولارات، لانهارت العملة الوطنية تماماً، ولتضاعفت معاناة المواطن اليمني جراء التضخم وارتفاع الأسعار.
  • التنمية والإعمار: عبر «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، تنفذ المملكة مشاريع حيوية في قطاعات الصحة، والتعليم، والطرق، والمياه في مختلف المحافظات، لتقدم نموذجاً للبناء مقابل نموذج الهدم الذي تقدمه المليشيات، هذه المشاريع تلامس حياة المواطن اليومية وتوفر الخدمات الأساسية التي عجزت الدولة عن توفيرها بسبب الحرب.

3- العمل الإنساني المجرد:

في الوقت الذي تستخدم فيه بعض المنظمات الدولية المساعدات كأوراق ضغط سياسية، يتصدر «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية» المشهد كأكبر داعم إنساني لليمن، مقدماً الغذاء والدواء والإيواء لجميع اليمنيين دون تمييز مناطقي أو مذهبي، بما في ذلك المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين؛ ما يؤكد أن السعودية تقف مع الشعب اليمني ككل.

هذا الدور الإنساني الرائد يعكس البعد الأخلاقي في السياسة السعودية تجاه اليمن، حيث لم تتخذ المساعدات وسيلة للابتزاز السياسي، بل ظلت واجباً أخوياً وإنسانياً.

4- النسيج الاجتماعي الواحد:

تتجاوز العلاقة بين البلدين الأطر السياسية لتصل إلى عمق الروابط الاجتماعية والقبلية، القبائل العربية الأصيلة تمتد فروعها على جانبي الحدود، مشكلةً نسيجاً اجتماعياً واحداً، وعلاقات مصاهرة ونسب تذيب الفوارق السياسية، وتجعل من الشعبين شعباً واحداً في بلدين، هذا الترابط يمثل صمام أمان شعبي يضمن استمرار العلاقات الأخوية مهما عصفت السياسة، ويجعل من المستحيل فك الارتباط الوجداني والاجتماعي بين الشعبين.

المستقبل يبدأ من الرياض

إن ما بلغته المملكة اليوم من ثقل سياسي دولي، وقيادة حكيمة للمنطقة، ورؤية طموحة، يؤهلها أكثر من غيرها لحمل الملف اليمني وتفكيك تعقيداته؛ حيث إن الرؤية السعودية الثابتة تجاه قضايا الأمة، ووقوفها الصادق مع الشعوب (كما نرى في فلسطين والسودان وسورية)، يعزز ثقة اليمنيين بأن طوق النجاة لن يأتي إلا عبر الشراكة مع الرياض.

اليمن اليوم بحاجة ماسة لاستعادة دولته، وترميم اقتصاده، والعودة إلى محيطه الخليجي والعربي، وهذا المسار يمر حتماً عبر بوابة المملكة العربية السعودية، فهي العمق الإستراتيجي، والسند التاريخي، والجار الذي لم يخذل جاره في أحلك الظروف، حيث إن أي رهان على غير الرياض رهان خاسر، وأي محاولة للبحث عن حلول خارج الإطار العربي والخليجي مضيعة للوقت وإطالة لأمد المعاناة. 

اقرأ أيضا:

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة