مديرة معهد ابن بطوطة الأفريقي د. وداد نائبي لـ«المجتمع»: مسلمو بنين يواجهون نشاطاً تنصيرياً واسعاً

محمد العبدالله

10 فبراير 2026

264

يشكل المسلمون النسبة الأكبر في جمهورية بنين، حيث يبلغ سكانها حالياً أكثر من 13 مليون نسمة، وتعتبر إحدى الممالك البارزة في غرب القارة الأفريقية، التي ظهرت في القرن الخامس عشر الميلادي، واستولت عليها فرنسا عام 1872م، وجعلتها مستعمرة فرنسية، وحصلت على استقلالها، في أغسطس 1960م.

يمارس المسلمون شعائرهم مع ازدياد الوعي السُّني بينهم، بالتزامن مع حملات تنصيرية واسعة ومنظمة، وهو ما يعد من أبرز التحديات التي تواجههم.. «المجتمع» تواصلت مع د. وداد نائبي، مؤسِّسة ومديرة معهد ابن بطوطة الأفريقي في بنين، لمعرفة أحوال المسلمين هناك عن قرب، ومدى التحديات التي تواجههم، وكيفية التغلب عليها، ودور التيار السُّني في تثقيف المسلمين.

  • تتميز بنين بالتنوع الثقافي، أين موقع المسلمين من هذا التنوع؟ وما نسبتهم، وأشهر الديانات الأخرى بالبلاد؟

- نعم، يتجلّى هذا التنوع في تعدّد الفئات من متعلّمين وأميّين، ومتأثّرين بالثقافة الغربية أو متمسّكين بالتراث المحلي أو بالثقافة الإسلامية، ويغلب المتعلّمون بالفرنسية على المشهد التعليمي، دون إغفال أهمية حَمَلة الشهادات العربية والإسلامية ودورهم المؤثر.

أما من حيث التدين الإسلامي، فقد كان في بداياته أقرب إلى التصوف، ثم ظهرت لاحقاً، بفعل السفر والاحتكاك بالخارج، تيارات سُنية وسلفية أسهمت في إعادة تشكيل ملامح المجتمع الإسلامي في البلاد، والإقبال على صلاة الجمعة.

وفيما يخصّ النسب الدينية، فإن الأرقام تبقى محلّ جدل ولا يُصرّح بها بدقة، غير أنه على المستوى الوطني يمكن تقدير نسبة المسلمين بنحو 45%، متقدّمين على المسيحيين.

  • اللغة الرسمية في بنين الفرنسية، كيف تنتشر اللغة العربية؟ وما الإسهامات في ذلك؟

- انتشرت اللغة العربية في بنين منذ القرن الخامس عشر، مع دخول الإسلام عن طريق التجّار وتنقّل السكان، ويُعزى انتشار العربية أساساً إلى محبة الإسلام، إذ كان كل ما كُتب بالحرف العربي يُنظر إليه بعين التقديس، حتى وإن كان مجرد قصاصة ورق.

حضور دائم للغة الفرنسية في كل أنحاء البلاد

كما أسهمت المدارس القرآنية في نشرها، أما اليوم، فلم تعد العربية لغة دين فحسب، بل أصبحت لغة أكاديمية ودبلوماسية وثقافية، ويتجلى ذلك في انتشار الأسماء العربية حتى بين غير المسلمين، إذ تجد مسيحيين يحملون أسماء عربية مثل «أسهم» أو «حبيب» أو «طارق».

  • يتردد أن بنين بها 50 لغة محلية، كيف يتواصل المسلمون مع غيرهم؟ وهل هناك معوقات أمام الثقافة الإسلامية بسبب تعدد هذه اللغات؟

- في الواقع، توجد في بنين نحو 62 لغة محلية، إضافة إلى عدد كبير من القبائل، تتقارب بعض لغاتها أو تتباعد تباعداً كبيراً، ويتواصل المسلمون مع غيرهم حسب المنطقة.

ففي كوتونو، العاصمة الاقتصادية، تُستخدم لغة الفون أو الهوسا بحسب الأحياء، وفي بورتو- نوفو، العاصمة السياسية، تسود لغتا الجون واليوربا، مع حضور دائم للغة الفرنسية في كل أنحاء البلاد، كما تُعدّ العربية لغة تواصل بين المسلمين، خاصة حاملي الشهادات العربية والإسلامية، ولا يُشكّل هذا التعدد اللغوي عائقاً أمام الثقافة الإسلامية.

  • يأتي المسلمون كنسبة ثانية من التشكيلة السكانية للبلاد، هل هناك فرص لتواجدهم في مناصب سيادية أو وزارات حكومية؟

- المسلمون حاضرون بعمق في النسيج الاجتماعي، إذ كثيراً ما تجمعهم بغيرهم روابط أسرية واجتماعية متشابكة، تترك أثراً متبادلاً في القيم والتربية.

ومن ذلك قصة أسرة مسيحية سكنت في مجمّع سكني يضم جيراناً مسلمين، حيث سادت بينهم روح حسن الجوار والتكافل، إلى أن أقام الجيران المسلمون عقيقة للطفلة المولودة واختاروا لها اسماً محايداً.

ومع تعاقب السنين، اعتنق ابن هذه المولودة الإسلام، وأصبح اليوم شخصية بارزة في الساحة السياسية، أما من حيث الفرص في المناصب السيادية والوزارات، فهي متاحة من حيث المبدأ، وغالباً ما يُلاحظ ارتياح الفاعلين السياسيين لوفاء كثير من المسلمين عند توليهم المسؤوليات.


  • ما أشهر الصناعات التي يعمل بها المسلمون؟ وهل لذلك انعكاسات على انتشار الإسلام؟

- تشكل التجارة القوة الاقتصادية للمسلمين، وهي عنصر مهم في حضورهم المجتمعي، فرغم ضعف مشاركتهم سابقاً في الجيش والشرطة، فإن هذا الوضع بدأ يشهد تحسناً في الآونة الأخيرة.

المدارس القرآنية تساعد على انتشار اللغة العربية

وساعدت الأعمال الحرة على تسهيل ممارسة الشعائر الدينية؛ ما عزّز الالتزام وساهم في انتشار الإسلام، إلى جانب المعاملة الحسنة والإحسان إلى الفقراء.

  • في وقت تنتشر فيه المدارس التنصيرية في بعض المدن الكبرى، كيف يواجه المسلمون مثل هذه التحديات؟

- تتميّز المدارس التنصيرية بالتنظيم المحكم، والانضباط الصارم، وقوة المناهج والبرامج التعليمية، إضافة إلى وضوح الرؤية التربوية، والاستثمار المستمر في الموارد البشرية والبُنى التحتية.

وفي المقابل، يعاني التعليم الإسلامي من ضعف العمل المؤسسي، وغياب التخطيط طويل المدى، وانتشار ثقافة الاتكال على المجانية تحت شعار «في سبيل الله»، فضلاً عن تراجع ثقة بعض أولياء الأمور في جدية بعض المؤسسات التعليمية الإسلامية من حيث الاستمرارية، وجودة التعليم، والانضباط.

وتكمن المواجهة الحقيقية لهذا التحدي في الانتقال من المبادرات الفردية المحدودة إلى إنشاء مدارس نموذجية قوية، قائمة على أسس مؤسسية واضحة، وإدارة محترفة، ومناهج متطورة، وهيئات تدريس مؤهلة.

  • توجد أضخم إذاعة في بنين أقامتها الكنيسة، في المقابل أين نشاط المسلمين المقابل خاصة الإعلامي ودور المساجد؟

- الإعلام الإسلامي موجود، وكذلك المساجد منتشرة بكثرة، غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في الوجود، بل في الدور والفاعلية، فبعض المبادرات قوية وواعدة عند توفر الدعم، إلا أن ضعف الإدارة وسوء التسيير أضاع كثيراً من الجهود.

كما ترسّخ لدى شريحة من الناس تصورٌ ضيّق لدور المسجد، فحُصر في كونه مكاناً للصلاة فقط، بدل أن يكون فضاءً جامعاً للتربية، والتوجيه، وبناء القيم، وتعزيز المحبة والوحدة.

انتشار ثقافة الاتكال على المجانية تحت شعار «في سبيل الله»

أيضاً ابتُليت بعض الطرق الصوفية، كالتيجانية والقادرية والعلاوية، بتصرفات بعض المريدين التي أساءت إلى جوهرها، ابتُليت كذلك جماعات أخرى -إن صحّ التقسيم- بالهوى، وحب الدنيا، ومظاهر الإفساد؛ ما أضعف أثرها الدعوي والتربوي.

  • حدثينا عن ارتباط مسلمي بنين بالعالم الإسلامي، خاصة منظمة التعاون الإسلامي والدور الإيجابي لها في نشر وتوطيد الإسلام في البلاد؟

- هذا الارتباط يشمل جوانب إيجابية وأخرى شابها الخلل، حيث غلب الطابع الفردي والآني على بعض المشاريع، دون تخطيط إستراتيجي طويل المدى؛ ما أدى إلى ضياع فرص وهدر موارد، ومع ذلك، لا يمكن إنكار الدور الإيجابي الكبير في بناء المساجد، ودور التحفيظ، ودعم الدعاة، وكفالة الأيتام، وحفر الآبار، وإنشاء المرافق التعليمية.

  • أخيراً، نريد أن نعرف عن قرب دور الجمعيات الخيرية، وما إسهامات الدول العربية، وخاصة الخليج في مشاريع التنمية والثقافية بالبلاد؟

- تؤدي الجمعيات الإسلامية دوراً محورياً في تنفيذ المشاريع الخيرية لصالح الفقراء والمحتاجين، في مجالات التعليم، والصحة، والمياه، وبناء المساجد، وفي رمضان والأضحى، وقد كان للدول العربية، خاصة الخليجية، إسهام كبير في دعم هذه الجهود؛ ما عزّز حضور اللغة العربية والإسلام في البلاد.

ولا تزال هذه الجمعيات تواصل عملها رغم القيود الدولية، التي تُعدّ ضرورية لضمان الشفافية ومنع الاستغلال.



اقرأ أيضاً:

جمعية الإصلاح الاجتماعي تستقبل سفير دولة بنين

من أحبط محاولة الانقلاب في بنين؟ ولماذا؟

الأمانة العامة للأوقاف تبحث التعاون مع جمهورية بنين في مجالات العمل الخيري والتنموي

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة