ثلاثية تهزم الخوف خلال أوقات الحروب
في سكينة ليالي
رمضان التي تهفو فيها أرواح المسلمين للوصل بخالقها وطلب غفرانه؛ كانت سماء العرب
على موعد مع صواريخ الحرب تشق سكونها وتحيلها لكتلة من اللهب، حرب ضروس بدأتها
القوى الصهيوأمريكية الغاشمة وردت عليها طهران بروح انتقامية لم تفرق بين العدو
الأزرق في عقر كيانه الغاصب بـ«تل أبيب»، وجيران طهران المسلمين في الخليج العربي،
بحجة القواعد الغربية على أرضهم!
في هذه الأجواء
التي ترتج فيها النوافذ والقلوب وتتعالى الصلوات بالنجاة، ويلتصق الأطفال بآبائهم
خوفاً من زئير السماء ليلاً، يصبح الأمان أغلى رجاء، ويستعيد العرب ذات المشاعر
التي يقاسيها أبناء غزة المحاصرون الذين يعدون ساعات الليل بعدد الانفجارات، وكأن
الخوف قادر على أن يعبر المدن ويذكرها بأن الحرب تهدم النفوس أولًا قبل الجدران.
نشر الذعر
ينتشر الخوف
فيصبح بمرور الوقت جمعياً وليس فردياً؛ خوف تولده حالة اللايقين فيما سيحدث غداً،
وهل ستزداد الهجمات وتهدد الأرواح أو تفرض معادلات سياسية جديدة؟ وهل ستتأثر
الأسواق والاقتصاد والطاقة؟ وهل سينقطع الناس عن عملهم والطلاب عن مدارسهم؟ وألف
هل قلقة ترافق شبح الحرب.
إن أبشع تأثيرات
الحرب على الإنسان أنها تحطم افتراضاته الثلاثة الأساسية؛ العالم الآمن، والحياة
ذات المعنى، والقدرة على التحكم، ومن هنا فبعد الحرب يبدأ الإنسان في البحث على
أساليب التكيف مع سقوط جدران الأمان في حياته وقبل أن يتعرض للانهيار الكامل؛
ويكمن دور مؤسسات الدولة والمجتمع المدني في تلك اللحظة تحديداً في اللعب على
تعزيز المشاعر الثلاثة بشكل عكسي؛ بث الطمأنينة، وإيجاد غاية للمقاومة، وأمل
بالمستقبل، مع تعزيز الأنشطة التطوعية الجماعية والمبادرات لتوفير حاجات الناس
الإغاثية، من جهة أخرى توفير معلومات دقيقة عن الأحداث تقلل من الشائعات والخوف
عبر إعلام يتمتع بالشفافية والمصداقية.
الردع النفسي
يعد إدراك
المجتمع لطبيعة الحرب النفسية عنصراً فاعلاً في مواجهة مخاوفه زمن الحرب؛ فأجهزة
استخبارات الدول الكبرى من خلال لجانها الإلكترونية وطابورها الخامس من التابعين
لها داخل الأوطان الذين يبثون يومياً شائعات ومعلومات مغلوطة تهزم الروح المعنوية
للشعوب.
كانت خطة مشروع «الشرق
الأوسط الكبير» التي تم إقرارها علناً في قمة حلف «الناتو» عام 2004م، تقوم على
تدمير الجيوش الوطنية وتغيير عقيدتها وإطلاق حروب الجيل الرابع عبر مواقع التواصل،
وتقوم فلسفتها على امتداد ما فعله النازيون في الحرب العالمية من حرب نفسية ضد
الشعوب في مناطق دول التحالف.
تذكر د. عزة
هاشم، في دراستها حول «الردع الحديث ومواجهة الجيوش للحرب النفسية»، أن الولايات
المتحدة والصين وروسيا تعد أكثر الدول نشاطًا في مجال استخدام الإنترنت والواقع
الافتراضي وألعاب الفيديو لتعديل المشاعر في اتجاه يخدم مصالحها.
وتشمل الحرب
استخدام التزييف العميق عبر الذكاء الاصطناعي لمقاطع فيديو وصوت تبدو كأنها أصلية؛
ما يجعل حملات إعلامية بعينها ذات جاذبية لدخول الجماهير ومن ثم تحدث «عدوى
المشاعر»؛ سواء خوف أو كراهية بين قطاع أكبر يميل لتصديق الأخبار، مع حملات تشويه
للسمعة وإشاعة للفتنة.
سلاح اليقين
من يتأمل السيرة
النبوية سيجد أن حنكة النبي صلى الله عليه وسلم كقائد عسكري شملت آليات الردع
النفسي للخصوم المشركين وتعزيز اليقين عند المسلمين وعدم الاستجابة لحملات
الإشاعات والتهويل والتشكيك والحصار لإضعاف صفوف المسلمين، لقد كانت أولى المهام توحيد
الصف ونبذ أي فرقة مجتمعية أو عسكرية زمن الحرب، يقول الله تعالى: (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ
تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ
الصَّابِرِينَ) (الأنفال: 46).
وتأتي بين آليات
تعزيز المجتمع تدريبه على التمهل في تصديق طوفان الأنباء التي يبثها المنافقون:
يقول تعالى: (وَإِذَا
جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ
إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ
يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ
لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلا) (النساء: 83).
من هنا يبدو
جهاز الإعلام كقائد حقيقي لصوغ مشاعر الجمهور وتساؤلاتهم القلقة في الاتجاه
الإيجابي لا السلبي، اتجاه أكثر مصداقية وبعداً عن الشائعات والتهويل من أجل
الإثارة، واتجاه لتعزيز الثقة الجماعية بديلا للخوف، وتعزيز قيمة الوطن والزود عنه،
ويبدو دور قادة الرأي من أساتذة وخبراء علم نفس واجتماع وكتّاب، في صوغ روح جماعية
تعترف بالخوف لكنها لا تسقط فيه، بل تعبره نحو الثقة في الله وإدراك معنى الحياة
التي نخوضها بروح عالية مهما تعاظمت الخطوب.
الفعل الجماعي
تشير دراسة
نشرتها منظمة الصحة العالمية إلى أن المجتمعات التي تشعر بقدرتها على الفعل
الجماعي تكون أقل عرضة للذعر في زمن الحرب، من جهة أخرى، وبحسب منظمة «يونيسف»؛
فإن للمدارس والمجتمع المحلي دور أصيل مع الأطفال في مناطق النزاع والحرب، وهم
الفئة الأكثر هشاشة وتأثراً بالصدمات، ولذا فإن إشراكهم في أنشطة مختلفة تشمل
القراءة الجماعية والرسم والرياضة ودروس التدبر القرآني، من شأنه أن يعزز سلامتهم
النفسية، خاصة إن دعم الآباء ذلك بالحديث مع أطفالهم بما يرفع الوعي ويبث
الطمأنينة داخلهم.
وتؤكد ذلك دراسة
لبنانية تستند لأبحاث حديثة بعنوان «اكتساب القوة.. نظرة على الصمود والتكيف بين
العرب الذين واجهوا الحرب»، أن العوامل الثقافية والروابط الأسرية والقيم الدينية تؤدي
دوراً مهماً في توفير الأفراد بالقوة في مواجهة الشدائد؛ وضربت الدراسة المثل
باللاجئين الفلسطينيين وكيف أصبح نضالهم أيقونيًا في عيون العالم لأنهم امتلكوا
تلك الروح العالية بفضل يقينهم الديني في النصر، وبرغم تعرضهم لواحدة من أبشع
حملات التطهير والتهجير عبر التاريخ، وبذلك فقد تجاوزوا سريعاً أعراض ما بعد
الصدمة التي ترتبط بالاكتئاب والاحتراق النفسي والعجز التام التي تتبدى مظاهرها
مثلاً في دول غربية تعرضت للحرب ومنها أوكرانيا.
هكذا، فإن
الإيمان يكسب المرء منظومة نفسية وروحية متكاملة في مواجهة الأزمات الوجودية
الكبرى مثل الحروب، ويعد الصبر أحد أسس الثبات النفسي الذي يرتبط في القرآن الكريم
بالنصر والبشرى، يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا) (آل
عمران: 200)، وبهذه الروح لم ينهار المسلمون في غزوة «أُحد» حين أصيب النبي
صلى الله عليه وسلم وكُسرت رباعيته واستشهد عدد من الصحابة، وواصلوا انتصارهم في
الفتوحات اللاحقة.
كما يعزز الدين
شعور التوكل على الله أمام الشعور بالعجز أمام الأحداث، ويعزز الطمأنة الروحية عبر
الذكر والعبادة لقول الله تعالى: (أَلَا
بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد: 28)، وخاصة مع شعور
المرء بالرضا لما يصيبه ضمن فهم أعمق للحياة كرحلة إلى الدار الآخرة ورضوان الله.
ومن يتأمل غزوة «الخندق»
وكيف استطاع النبي صلى الله عليه وسلم أن يحول خوف المسلمين فيها لشعور آخر يسري
فيهم بالتكافل والتضامن والعمل على الأخذ بالأسباب وعدم الهلع أمام حصار الأحزاب
لهم، وهكذا بعد أن امتلك المؤمنون زمام قلبهم وتمكن منهم اليقين في الله، تحقق
النصر.
بل إن الدين هو
ما يجعل فلسطين تشيع شهداءها كل يوم بدموع حارقة مختلطة بكلمات الحمد والبشرى فهم
أحياء عند ربهم يرزقون، وتلك الروح الإيمانية هي مكمن قوة تلك الأمة العصية على
أعدائها.
اقرأ
أيضاً:
حماية أطفال
الحروب.. تحديات وحلول
كيف نبني ملاجئ
نفسية لأطفالنا وسط شظايا القلق الإقليمي؟
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً