أدب على خط النار.. كيف ألهمت الحربُ المبدعين؟

غالبًا ما يتجلّى وحيُ الإبداع في موكب الصَّدَمات والأوجاع؛ فجسد الخيال الهفيف يتقوّت على ذبذبات الدهشة والأحوال غير الاعتيادية وأصداء المكلومين المظلومين، فيصيبه المس الجميل الذي يحوِّله فارسًا نبيلًا يُشهر سيفه مدافعًا عن العُزل في زحام الدنيا. إن روح المبدع تصير أكثر حساسية وقدرة على الترقب والالتقاط وجمع مادة الحياة وأحرص على النقش والرسم وتسجيل اللحظة، ليس فقط عندما ينساب الندى من جسد الضباب، ولا عندما يسمع خريرًا هادئًا للمياه، بل عندما يعلو الضجيج وينتشر العفار في الأجواء. 

وغالبًا ما يكون الوقت الحرج، خاصة الحروب وصخب الفواجع، أكثر إيحاء للأديب من حياة الاسترخاء، وقد تكون الأنفاس المفجوعة بين أزيز الطائرات وطلقات الرصاص أعلى إيحاء من لحظات الجلوس على المكتب الهادئ وانبعاث الأنغام.

عنترة وامرؤ القيس.. آه يا غوايات المعارك

جزء كبير من فاعليات الأدب العربي الأول جاء تعبيرًا عن النزاع اليومي بين القبائل على القوت والحدود والمأوى والشرف والألقاب والثارات؛ وقد كان كثير من أدباء العربية الأوائل أصحاب حضور قوي في تلك المعارك والاشتباكات، بل كانوا فوارس مقدمين في الهيجاء يُسمع لسيوفهم صليل، وقد كانت تلك المعارك تترك صيدًا هائلًا من النُّدبات البدنية والمعنوية في نفوس هؤلاء فتشحذ أدوات التعبير وتحرضهم على القول الجميل.

ويأتي على قائمة هؤلاء الشعراء أرباب السيف والقلم الفارس عنترة بن شداد، الذي اقتطع لقطة عجيبة من وسط الغبار والصهيل والنزيف، ليرسله لنا من زمانه إلى زماننا كأغرب بيت غزل في موضع لا تتغزل فيه إلا السيوف في الأجساد.. ولكنه عنترة الذي تذكَّر عبلته بهذه الطريقة:

وَلَقَد ذَكَرْتُكِ والرّمَاحُ نَواهِلٌ * مِنّي وبِيضُ الهندِ تَقْطُرُ من دَمي

فَوَدِدْتُ ‌تَقبيلَ ‌السّيُوفِ لأنّها * لَمَعَتْ كَبَارِقِ ثَغْرِكِ ‌المُتَبَسِّمِ

لكن على نحو مغاير قليلًا تسلم امرؤ القيس راية الإبداع عن الحرب والضرب، فتجربته كانت أطول وأعمق وأوسع إدراكًا للأهوال التي تجنيها غضبات الرجال؛ لذا كان أكثر ميلًا للحكمة والتعقُّل من عنترة العاشق، فصوّر امرؤ القيس لنا ألسنة الحرب الأولى المغرية للنزال والقتال، ثم نهاياتها الكئيبة المزلزلة للنفوس، فقال وصفًا لا تزال تتردد أصداؤه في أروقة التراث العربي القديم والحديث، وسياقات الأدب والشرع:

‌الحَرْبُ ‌أوّلَ ‌مَا ‌تَكونُ فُتَيّةً * تَبْدُو بِزِينَتِهَا لِكُلّ جَهُولِ

حتى إذا حَمِيَتْ وَشُبّ ضِرَامُها * عادتْ عَجوزاً غيرَ ذاتِ خليلِ

شَمطاءُ جَزّتْ رَأسَها وَتَنَكّرَتْ * مَكْرُوهَة ً للشَّمِّ والتّقْبِيلِ

ويدخل قطري بن الفجاءة على خط النار برائعته الشعرية التي تظل من أعظم شواهد الثبات والصبر على أقدار الزمان التي تفرض علينا أحيانًا المواجهات، حاملًا دعوة جميلة للنفس للتحمُّل والثبات:

‌أقولُ ‌لها ‌وقد ‌طارتْ ‌شعاعًا * من الأبطالِ ويحكِ لنْ تُراعِي

فإنكِ لو سألتِ بقاءَ يومٍ * على الأجَلِ الذي لكِ لم تُطاعِي

فصبْرًا في مجالِ الموتِ صبرًا * فما نَيْلُ الخلودِ بمستطاعِ

همنغواي.. دماء لم تجف

كان الكاتب الأمريكي الشهير "أرنست همنغواي" عامل الإسعاف الذي خرج يلهث ليبحث في الهواء المخنوق عن دعم لأنفاسه، لقد كانت محاولة أخيرة للهرب من الموت المحتوم، لكن فجأة تناثرت الشظايا من حوله، وانغرست في جسده لقيمات حديدية خطيرة، لكنه ينجو بأعجوبة، وعندما ينفرد بقلمه يرسم لنا عدة لوحات عن الحرب ومآسيها، كان أهمها روايتان من أبرز كتاباته، الأولى: "وداعًا للسلاح"، وهي وداع للحرب وآلامها، والثانية: "لمن تقرع الأجراس"، وفيها كانت تجربته الخاصة جدًّا، وهو يراقب حربًا أهليًّة طاحنة، أراد أن ينحاز فيها للضعفاء بقلمه وكاميرته، فكانت سطورًا جديدة في مذكراته الحربية.

في "وداعًا للسلاح" يستحضر لقرائه مشهدًا يسجل فيه إلهامات الاشتباكات بعمق من خاضها وآلام من طالته السهام.. "وضعوني على منضدة خشبية جافة منحدرة، تفوح من حولها روائح قوية، رائحة الأدوية، وعبير الدم الشهي، نزعوا سروالي، وشرع الضابط الطبيب يفحصني ويملي على الضابط المختص صفات الإصابات التي بي، فقال وهو يزاول عمله (جروح سطحية كثيرة في الفخذين والركبتين والقدم اليمنى، جروح عميقة في الركبة اليمنى والقدم اليمنى، تمزّق في فروة الرأس!)"!

إسماعيل وكنفاني.. العربيان اللذان رسما "الموت"

سلسلة من الظهور الفارس في مضمار الحرب والموت وصعقات الفراق للروائي الكويتي الكبير إسماعيل فهد إسماعيل، لقد ظل ذلك الملف يؤرق الأديب في غالب أعماله، شاغلًا خواطره مرسومًا في تصويراته، فتتابع ذكر الحرب في إنجازاته الأدبية الرفيعة التي منها "ملف الحادثة 67"، و"السبيليات" وسباعية "إحداثيات زمن العزلة"؛ حيث يستطيع أن يسمع مطالعها صدى الأنين والتشتت وضياع المصير، ثم النكسة العربية التي تلقتها من عدوها الأول. إن تلك الأعمال، رغم مضامينها التي تبدو قاتمة أحيانًا،، لكنها مفيدة للروح محذرة من تكرارات الحروب وما تجره من شقاء، وفي الوقت نفسه تجهيز الجيل الجديد للحذر من عكار المصير.

يقول في "السبيليات" عن وجع "أم قاسم"، المرأة التي هصرتها الحروب حتى شردتها وطردتها من الديار، فلم تستطع أن تترك عظام عزيزها الراحل وحيدة في الخلاء، فلملمتها وأخذتها في بقجتها.. "لو واجهها أحدهم سائلًا: ماذا تُخفين في لفافة قماش تحضنينها لصدرك؟ لن تسعفها جرأتها ..(ما تبّقّى من رُفات زوجي)... بعد وفاته ومراسم دفنه التي تمّت على عجل واصلوا سيرهم شمالًا، وقتها شملها شعور طاغ بالفقدان، رغم هذا لم تراودها فكرة نقله من مكانه ريثما راودها حلمها إيّاه، أن يشكو لها معاناته شعور غربةِ دفنِه في مكان قفر، الحال الآن هي لا تملك جوابًا عن جدوى حملها لعظامه لولا شعورها بحيازة شيء يخصّها، ويقينها بإمكانية مبادلته الحديث متى شاءت".

وكان حضور المبدع الشهيد الفلسطيني غسان كنفاني شبيهًا بحضور "إسماعيل"؛ حيث قدم كنفاني رائعته "رجال في الشمس"، على أبهى ما يكون الإبداع فرسم رجالًا ضاع منهم الظل في أثناء جريهم بحثًا عن بقعة أمان، تجربة سخية لغسان كنفاني تظل من أقوى الروايات حضورًا في أدب الاغتراب والموت والحرب فهي ممسوسة بضحايا النزاعات والدم والفقر والموت في خزانات الصهد.

السويس.. غني يا سمسمية لرصاص البندقية

كانت المدينة المصرية الباسلة السويس إحدى بطلات مشاهد الحروب وكان إنتاجها في الإبداع سخيًّا قويًّا، وكان من أشهر مبدعيها الكابتن غزالي الذي سطر بعاميته الحماسية الجريئة، جواهر إبداعية لا تزال ساكنة في الذاكرة المصرية والعربية في حروبها مع الكيان، ومن أجمل تجليات إبداعات الروح السويسية تحت ضغط الواقع الأليم، رائعته الغنائية. 

يا بيوت السويس يا بيوت مدينتي

أستشهد تحتك وتعيشي أنتي

هيلا هيلا هيلا هيلا ياللا با بلديا

شمّر دراعاتك الدنيا أهيَّا

ريمارك.. نزيف في الجبهة الغربية

يزاحم أدب الألماني إريك ريمارك (1898 – 1970م) أدب همنغواي الحربي، فريمارك باشر الحرب جنديًّا في الحرب العالمية الأولى، ورأى الموت عيانًا وأوشك أن يحادثه، فظلت ذكراه تتسلل إلى ذاكرته في كثير من أعماله كان على رأسها "كل شيء هادئ على الجبهة الغربية" تلك التجربة التي حذرت من إفرازات الحروب وما تفعله بالأجيال التالية، إن ذكراها تظل عالقة مقلقة "لم ينقطع صفير الرصاص ولو للحظة واحدة.. انتبهت لمنظر يدي الملطخة بالدم، وشعرت فجأة بمعدتي تتقلص، فالتقطت بعض التراب من حولي لأجفف به يدي، فكستها طبقة من الطين أخفت الدماء تحتها طيلة ذلك الوقت لم تنقطع طلقات النيران، التي انصبت حامية من الجانبين وعلى الجانبين.. ولا أستبعد أن رفاقي قد يئسوا من وجودي على قيد الحياة هذا لو كانوا هم على قيد الحياة من الأصل".

وفي الختام تبقى التحية خاصة جدًّا لأصدقاء الإنسانية من أهل القلم الذي التقطوا من جوف الحروب خيالًا وإبداعًا وعبرًا لينقذوا بها أجيالًا على حواف الألم.. 

اقرأ أيضًا:

فقه الحرب في الإسلام.. قراءة بيانية في دستور الأخلاق النبوية 

«حين تبلغ القلوب الحناجر».. إشراقات بلاغية في آيات «الأحزاب»


الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة