من المعجم إلى المائدة
قراءة لغوية في ألفاظ الأطعمة الشرقية.. «الإِقْط»
من بين الأطعمة
المطبوخة التي يزخر بها تراثنا، تتجلى لفظة الإِقْط -بكسرٍ فسكون- على زنة «فِعْل»،
وثمة عدة لغات أوردها بعض أصحاب المعجمات، وهي: أُقْط، وإِقْط، وأَقْط، وأَقَط، وأَقِط،
وإِقِط، وأَقُط، وأفصحها التي اقتصر عليها الجمهور -على حد وصف الزبيدي (ت 1205ه)-
الأَقِطُ ككَتِف والواحدة أقِطةٌ، وجمعها أُقْطَان.
وهي كلمة عربية
أصيلة، ترجع في أصل اشتقاقها إلى الجذر اللغوي «أ ق ط»، وعن التأصيل الدلالي لهذا
الجذر يقول ابن فارس (ت 395ه): «الهَمْزَةُ والقَافُ والطَّاءُ تَدُلُّ على
الخَلْطِ والاِخْتِلاَطِ» (مقاييس اللغة، 1/ 121)؛ ومؤدى كلامه أن هذا الجذر وما
يتفرع عنه من صيغ ومشتقات يدور حول معنى الخَلْط.
وعند البحث في
المعجمات اللغوية؛ للوقوف على مدلول لفظة «الإِقْط» عند علماء العربية، يلاحظ
اتفاق أكثر اللغويين على أنه نوعٌ من الطعام المصنوع من اللَّبن مع تفاوت في شرحهم
ووصفهم له، ففسره الخليل (ت 170ه) في معجمه العين بأنه ضرب من الطعام يُتَّخَذُ من
اللَّبَنِ المَخِيْضِ، يُطْبخ ثم يترك حتى يَجِفٌ من السائل (5/ 194).
ووافقه في ذلك
الأزهري (ت 370هـ)، والجوهري (ت 393هـ)، ونقل تلك الدلالة بشيء من الإيجاز الصاحب
بن عباد (ت 385هـ) في معجمه المحيط في اللغة قال: «الأَقِطُ: يُتَّخَذُ من
اللَّبَنِ المَخِيْضِ» (5/ 482).
وحكي ابن منظور
(ت 711هـ) ما رواه عن ابن الأعرابي بأنه يتخذ من أَلبانِ الإِبِل خاصَّة (لسان
العرب، 7/ 257)، بينما ذكر الفيروزآبادي (ت 817هـ) في «قاموس المحيط» بأنه يؤخذ من
مَخِيْضِ الغَنَم (ص 658).
ويسوق لنا
الزبيدي (ت 1205هـ) في «تاج العروس» جملة من التفسيرات والشروح لهذا اللون من
الطعام فيقول: «أَقِطِهْ شيءٌ يُتَّخَذُ من المَخيضِ الغَنَميِّ يُطْبَخُ، ثمَّ
يُتْرَكُ حتَّى يَمْصُلَ، وَقيل: من اللَّبَن الحَليبِ، وَقَالَ ابْن
الأَعْرَابِيّ: هُوَ من أَلبانِ الإِبِل خاصَّةً، وَقَالَ غيرُه: الأَقِطُ: لَبنٌ
مُجَفَّفٌ يابِسٌ مُسْتَحْجِرٌ يُطْبَخُ بِهِ» (19/ 134).
وجاءت أقوال بعض
علماء اللغة المحدثين في تفسير لفظة الإقط مشابهة لما ذكره أسلافهم القدامى، ومن
ذلك قول البستاني في معجمه محيط المحيط أن الِإقْط هو ما جُمِّد من اللَّبن الحامض.
(ص12)، وتابعه في ذلك الشرتوني، وشرح أصحاب المنجد في اللغة العربية المعاصرة
الإقط بأنه: «لَبن حَليب مُحمّض يُجْمَد حتَّى يُسْتَحْجِر ويُطْبَخ، أو يُطْبَخ
به» (ص31).
ويتفق هذا
التعريف وما ذكره أعضاء المجمع اللغوي في القاهرة في معجمهم «الوسيط»، حيث جاء في
تفسيرهم له بأنه: «لَبن مُحمّض يُجْمَد حتى يُسْتَحْجِر ويُطْبَخ، أو يُطْبَخ به» (ص
22).
وأوضح من هذا
تعريف الشيخ أحمد رضا في معجمه «متن اللغة» حيث قال: «شيء يُتَّخَذ من المَخيضِ
الغَنَميِّ أو اللَّبَن الحَليبِ أَو من أَلبانِ الإِبِل، وقيل: هو لَبن
مُسْتَحْجِرٌ يُطْبَخُ بِهِ» (1/ 189).
وقد عرف العرب
في الجاهلية هذا النوع من الطعام، وذكروا ذلك في قصائدهم، ومن أبرز الأمثلة قول
امرئ القيس وهو يصف كثرة الحليب في غنمه:
فَتَمْلَأُ
بَيْتَنَا أَقِطًا وَسَمْنًا وَحَسْبُكَ مِنْ غِنًى شِبَعٌ وَرِيُّ
كما وردت في
الهدي النبوي الشريف، فقد روى البخاري في صحيحه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أنه قال:
أَهْدَتْ أُمُّ حُفَيْدٍ خَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه
وسلم أَقِطًا وَسَمْنًا وَأَضُبًّا، فَأَكَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنَ
الْأَقِطِ وَالسَّمْنِ وَتَرَكَ الضَّبَّ تَقَذُّرًا.
ولا يزال
الإِقْط طعاماً شعبياً معروفاً ومشهوراً لدى كثير من السعوديين، ويسمى أيضًا
بالبقل في لهجة أهل القصيم، وبالمضير في لهجة أهل الحجاز وبعض مناطق الجنوب، ويطلق
عليه أهل الشمال الجميد والبقل، ويعرف في منطقة نجد بالأَقِط بفتح الهمزة وكسر
القاف، ويعتبر مكوناً أساسياً لأطعمة أخرى كالمنسف المشهور في الأردن وسوريا
والكويت والسعودية، والمليحية وهي تُعد من الأطعمة الشعبية المشهورة في منطقة
الشمال.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً