العنوان اللسان العربي: «سيرة» الألفاظ
الكاتب عبدالوارث سعيد
تاريخ النشر الثلاثاء 13-يوليو-1993
مشاهدات 35
نشر في العدد 1057
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 13-يوليو-1993
اللسان العربي: «سيرة» الألفاظ
لكل من البشر سيرة ذاتية تضم أحداث حياته البارزة الإيجابي منها
والسلبي، ومن خلال التعرف على سيرة الشخص نتعرف على شخصيته وعلى مجرى التطور فيها،
صاعدًا أو هابطًا، نقف على الأسباب والملابسات التي تقف وراء كل تغير.
والألفاظ اللغوية كالأشخاص لكل منها سيرة ذاتية، انتقلت خلالها من حال
إلى حال، في هيئتها الخارجية "الأصوات" أو في مضمونها ومعناها،
والانتقال قد يكون سموًا وارتقاء أو هبوطًا وانحطاطًا والتعرف على سيرة اللفظة
يزيدنا ألفة بها وفقهًا وحسن تذوق لمعناها.
وهناك فـروع من علم «اللغويات» "العلوم المعنية بدراسة اللغة من
كل جوانبها" تهتم بجوانب «سيرة» الألفاظ، فمنها ما يهتم بجانبها الصوتي:
أصلها الأول والتطورات التي أصابته حتى انتهى إلى صورته الحاضرة، ومنها ما يتناول
«نسب» اللفظة: أهي أصيلة أم دخيلة، ومنها ما يتناول دلالتها وما لحقها من تغيير
ضيقًا أو سعة رقيًّا أو انحطاطًا، أو انقلابًا - أحيانًا - من النقيض إلى النقيض
هذه التغيرات والتطورات في «سيرة» اللفظة لا تسير - كما يقول أهل الاختصاص -
عشوائيًّا «بل يحكمها في هذا وذاك قوانين تكاد ترقى إلى مكانة القوانين الطبيعية
ثباتًا وقوة.. ومهمة العلم البحث عن هذه القوانين» [1].
واللافت للنظر، والمثير للعجب، أن أهل الاختصاص في التطور اللغوي
يقررون أن العربية الفصحى تأبَّت - بسبب ارتباطها بالقرآن الكريم - على هذه
القوانين اللغوية الصارمة، وصارت حالة استثنائية لا تقاس بسواها من اللغات [2].
رحلة الأصوات والهمزة
ولنلق نظرة على نماذج من الألفاظ تصور هذه القضية الطريفة في باب
النداء نجد أدوات عدة تسبق الاسم المنادى أ - ا - يا – أيا – أي الأرجح أن أبسطها
هو الأصل (أ) والباقيات صور متطورة صوتيًّا عنه والعجيب أن لغات أخرى تستخدم الصوت
نفسه للنداء أيضًا "!" في الإنجليزية".
الهمزة نفسها، وصور أخرى متطورة عنها، تستخدم في التعبير عن معان
انفعالية أخرى فعندنا أه "بسكون الهاء أو كسرها"، أه "مكسورة الهاء
أو منونة بالكسر". آهًا: اسم فعل للتوجع.
كذلك، فإن: إيه بسكون الهاء أو كسرها "صوت يدل على الزجر وطلب
السكوت وكذلك إيهًا بالتنوين". أما إيه "بكسر الهاء بدون تنوين أو
معه" فتدل على طلب الاستزادة من الحديث ولا ننس همزة الاستفهام، «وإيه» التي
للإيجاب ﴿وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ ۖ قُلْ إِي
وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ (يونس: 53).
وتطالعنا الهمزة في أول الضمائر أنا وأنت وأنتما إلخ.
وليس ببعيد - صوتيًّا - أن تكون هي نفسها قد تحولت إلى هاء لتعطينا
ضمائر الغائب هو هي هم هن كما لا يستبعد تطور بعض الضمائر في اللغات الأخرى عن
الهمزة أو عن صورها الأخرى قارن مع: "1. You, He, She. Who.. etc". هذا ضرب من تحليل «مسيرة» الألفاظ
يدعوه بعض الباحثين باسم علم "الترسيس"، أو "علم التأثيل" [3]
وهو - كما نرى - يركز على المسيرة الصوتية للفظة.
تطور الدلالة المعنوية
2- أما التطور في «سيرة» الألفاظ من ناحية الدلالة فباب واسع نكتفي
منه بأمثلة فبعض الألفاظ نرتقي في معناها من مدلول بدائي مادي هين القيمة إلى
مدلول فكري مجرد رفيع المستوى يليق بأشرف ما في الإنسان تأمل، مثلًا العقل - أشرف
ملكات الإنسان - من العقال وهو قطعة حبل صغيرة لا قيمة لها تعقل بها رجل البعير
إلى رقبته لمنعه من القيام إلا حين يشاء صاحبه "والله لو منعوني عقال بعير
كانوا يؤدونها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليها" والحكمة - التي
هي ضالة المؤمن ودليل كمال الفهم، والتصرف من «الحكمة» "بفتح الحاء والكاف"
وهي جزء من لجام الفرس يحيط بحنكه للسيطرة عليه [4].
أما البعض الآخر فينحدر معناه فـ "الكنيف"، كانت في الأصل
ما يوفر الستر والحماية ومن ذلك قولهم: «فلان يعيش في كنف فلان» فانحط معناها إلى
المرحاض، "بيت الخلاء". و«الحاجب»، كانت تعني في بعض الدول الإسلامية
أقرب الناس إلى الخليفة أو ما يشبه "رئيس الوزراء"، ثم آل معناها إلى ما
نعرفه اليوم في المحاكم وكلمة «فقيه»، ذات المعنى الراقي والكريم - صارت "في
نطقها العامي المصري فقي بكسر الفاء" تعني «المسترزق بقراءة كتاب الله دون
فقه» و«الحريم»، كانت تعني كل ما تجب حمايته وصونه فصارت - بسبب الغزو الفكري
الغربي الحاقد - وصمة وعارًا تشوه بها صورة خلفاء المسلمين وسيرتهم.
وعبارة: «إن شاء الله» الدالة على عمق الإيمان والثقة بالله وتفويض
مصائر الأمور إليه، صارت - على ألسنة البعض - دالة على نية التسويف وعدم الوفاء
حتى صار المسلمون يوصمون بأنهم شعوب «إن شاء الله» [5].
وهكذا، الأيام دول في عالم
الألفاظ كما في عالم الناس.
ــــــــــــــــــــــــ
هوامش المقال
[1] د. رمضان عبد
التواب، التطور اللغوي مظاهره وعلله وقوانينه - مكتبة الخانجي (1981) ص 3.
[2] السابق، ص 8-9.
[3] عبد الحق فاضل،
مغامرات لغوية (بيروت – دار العلم للملايين (د.ت، ص 201 وما بعدها.
[4] السابق، ص
75-79.
[5] د. إبراهيم
أنيس، دلالة الألفاظ
، مكتبة الأنجلو المصرية" (1963).
انظر أيضا:
تَعريفُ فِقْهِ اللُّغةِ باعتِبارِ مُفرَدَيه؛ (فقه)، (اللغة)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل