التكتيك الغربي الجديد
لماذا يبحث عن قيادات جديدة تقود الأمة باسم الدين؟
يبدو أن حركة
البعث الإسلامي بدأت تشكل خطورة عظيمة في منظور الأحلاف الغربية، ولعل البعث
الإسلامي الحاضر-الذي تحول من الاقتصار على الطقوس إلى شمول أيديولوجي- بدأ يزاحم
الفكر الغربي والثقافة الاستعمارية الوافدة، مشكلًا ظاهرة جديدة استحوذت على الفكر
السياسي في الغرب، وجعلته يفسر هذه الظاهرة تفسيرا مصلحيًّا ويقول: «إن ما يحدث في
الدول الإسلامية رفض للغرب ورفض لاستراتيجيته ورفض لمصالحه» وذلك على حد تعبير
صحيفة «الإيكونوميست»، ولئلّا تحقق المنطقة الإسلامية رفضها للغرب ومصالحه، بدأ
العقل الغربي بدراسة ظاهرة البعث الإسلامي الحاضر، وخرج بنتيجة تفيد أن العلاقات
الدولية في المنطقة لا بد وأن تجد نفسها في مطلع الثمانينيات محكومة باتجاه عالمي
جديد، يتمثل بدخول العامل الديني المتشدد كقوة ضغط سياسية، تستطيع تحريك الشعوب
بفاعلية إسلامية أقوى من فاعلية النزاعات القومية، وأقوى من فاعلية المصالح
والأيديولوجيات الاقتصادية.
إن دراسة أوضاع
المنطقة الإسلامية في ماضيها وحاضرها، جعلت المفكرين السياسيين في الغرب يقفون على
حقيقة الإفلاس الذي أحاط بالفكر الغربي في المنطقة الإسلامية، فانهزمت بسببه كل
الطروح التي أتى بها الغرب من قبيل التعويض، بعد إزاحة الدين وفصله عن الدولة،
إذًا فليس للغرب أمام الجنوح الإسلامي العارم أن يعود إلى أسلوب القهر النفسي
والإرهاب الثقافي والفكري، فقد أثبتت هذه التجربة فشلها في تركيا أتاتورك ومصر عبد الناصر وباكستان وبنغلادش، وما على الغرب إذًا إلا أن يبحث عن أساليب تكتيكية
جديدة، تضمن له تمرير مصالحه في المنطقة الإسلامية المترامية الأطراف، تُرى هل
يستطيع الغرب أن يركب موجة البعث الإسلامي المتعاظمة يومًا بعد يــوم؟
وللإجابة عن هذا
السؤال نسوق ما أثاره مصدر عربي دبلوماسي في لندن في نهاية الشهر الماضي، حيث قال:
«إن الولايات المتحدة الأمريكية نصحت حاكم باكستان الجنرال ضياء الحق بإعلان عزمه
عن إقامة حكم إسلامي في باكستان تمهيدًا لتوسيع قاعدته الشعبية».
وإذا صحت هذه
المقولة فإن ذلك يعني أن الثقل الغربي سوف يدخل هذه المرة من بوابة الشريعة الإسلامية، التي تحن إليها الأجيال حنين الظامئ إلى قطرة ماء، وإذا أردنا أن نفسر
خلفيات التكنيك الغربي الجديد في محاولة الركوب على ظهر الموجة الإسلامية، فلا بد
من ملاحظة الأمور الآتية:
1- إن التجربة
العلمانية التي حاول الغرب أن يفرضها على الشعوب المسلمة باءت بالفشل، ابتداء من
محاولات فرض البديل القومي أو الإقليمي في استيعاب الاتجاهات السياسية
والاجتماعية، والثقافية للشعوب المسلمة، وانتهاء
بالأيديولوجيات الثورية واليسارية التي حاول الغرب فرضها على الأمة، بواسطة
حكومات عميلة لبست قميص اليسار والثورة تارة، ولباس التحرير والتقدم تارة أخرى.
2- الردة
الحضارية التي ترافق البعث الإسلامي، والتي تستهدف الانسلاخ من واقع الحضارة
الغربية المادية، بغية البحث عن الذات الحضارية الأصيلة في مجتمع إسلامي حديث،
يأخذ بأسباب الاستقلال والاعتماد على النفس، وبناء الشخصية المتميزة المستقلة،
ولعل هذا الاتجاه يتمثل في حركة البعث الإسلامي.
هذه الردة
الحضارية الأصيلة تشكل في الذهنية الغربية ظاهرة هي أقرب للصراع بين حضارة البعث
الإسلامي والحضارة الغربية، التي بدأت ذيولها تنحسر عن بلدان العالم الإسلامي
رويدًا رويدًا، الأمر الذي يدعو الغرب ليكون أكثر جدية في التفكير، إذا أراد أن
يحافظ على مصالحه واستراتيجيته في البلدان الإسلامية.
3- لقد شعر
الغرب بأن الفكر الثوري اليساري -الذي ساهمت دول الغرب الاستعماري جمعاء في نقله
كعقيدة تتبناها الأنظمة العميلة في المنطقة الإسلامية- قد أثار النوازع الإسلامية
في ردة فعل عقائدية، بحيث يقوى الشعور الديني عند المسلمين مطردًا بازدياد حدة
الطروح الثورية، وهذا من شأنه أن يثير تكتلات إسلامية قادرة على دحر الفكر الثوري
ثقافيًّا وأيديولوجيًّا وحضاريًّا، الأمر الذي يجعل المعارضة الإسلامية ذات أثر
بالغ في تغيير المعادلات الغربية المفروضة مهما اختلفت أشكالها، هذا من ناحية، ومن
ناحية أخرى فإن الغرب الذي بات يخشى من تغلغل الزحف السوفييتي في قلب المنطقة
الإسلامية، يعرف تمامًا أن الإسلام هو المؤهل الوحيد للتصدي للرغبة السوفييتية،
التي لا يمكن أن تحقق نفسها إلا من خلال أيديولوجية فكرية يتولى برامجها العسكر في
غالب الأحيان، وقد ظهرت في أمريكا وأوروبا الغربية دراسات حول قدرة الأيديولوجية الإسلامية في مواجهة الأيديولوجية الشيوعية، الأمر الذي يجعل الغرب أقرب إلى
التفكير للإفادة من قدرة التوجه الإسلامي في إبعاد خصم لدود عن المنطقة.
4- إن الغرب
يعرف تمامًا أن هذه الأمة لا تخضع تحت كلية شمولية إلا إذا كانت نابعة من التراث
العقدي الإسلامي، ولقد أثبتت جميع القيادات التي أقصت الإسلام فشلها في تسويس
المنطقة تسويسًا يضمن استمرارية المصلحة الغربية في هذه المنطقة الهامة من العالم؛
لذا فإن البحث عن قيادات تحمل اليافطة الإسلامية على رؤوس الأشهاد أمر يبدو أنه لا
مفر منه، بحيث بدأ يستحوذ على شتى أشكال الفكر السياسي في الغرب، ومن أجل ذلك فإن
قوى الغرب تحاول الآن شد الأواصر مع أنواع المعارضات المحافظة، والتي تعتمد في
استراتيجيتها الظاهرة على دوافع إسلامية، وهذا هو الذي جعل كلًّا من الرئيس
الفرنسي والمستشار الألماني شميت أن يطالبا في مؤتمر القمة الرباعي الذي عقد في
غواديلوب بعدم نسف الجسور مع المعارضة الدينية في إيران، والتي قال عنها كل من
الزعيم الفرنسي والزعيم الألماني إنها تمثل الأكثرية الساحقة، وفضلًا عن هذا فإن
الإعلام الغربي بدأ يمجد بعض الزعامات الدينية التي قد تكون داخلة ضمن زوايا
المعادلة الغربية في المنطقة.
ومن أجل ضمان
مرونة المعارضات التي لها جسور مع الدول الغربية، تحرص أحلاف الاستعمار على ربط
زعامات هذه المعارضات على اختلاف أشكالها بمخابراتها، مباشرة أو عبر المخابرات
المحلية، التي نستطيع أن نضرب عليها مثلًا بارتباط السافاك الإيراني بازدواجية
ثنائية، ضمنت لها تحريك الأصابع المحترقة في إيران، وفقًا لتعليمات وكالة
المخابرات المركزية الأمريكية، وهذا يفسر لنا السبب الذي عينت من أجله الولايات
المتحدة رئيس مخابراتها السيد هولمز سفيرًا في إيران، قبل اشتعال الإمبراطورية
الشاهنشاهية بفترة ليست بعيدة.
ومن هنا يبدو أن
التكتيك الغربي الحالي يعمل بجميع طاقاته وقواه لاحتواء المناطق الإسلامية بوسائل
مختلفة، يمكن أن تحقق له غاياته حتى ولو كانت بعض الزعامات الدينية من جملة تلك
الوسائل.
لكن هل ستقتصر
الاستراتيجية الغربية في تمرير مصالحها على هذا النوع من التكتيك الجديد؟ وإذا كان
المرء يعرف أن الهدف من ذلك هو الانتقال بالمنطقة إلى شكل علماني خبيث، فإن الغرب
سيفكر بالتخلص من العوائق التي سوف تواجهه لدى تبنيـه الزعامات الدينية التي تسير
في فلكه، ولن يتأخر عن الاتجاهات الإسلامية التي تنبع معارضتها من خلفية عقدية
محضة، كما هو حال المعارضة الإسلامية في كل من مصر وتركيا ودول شرق آسيا
الإسلامية، تلك التي ترفض الدخول في مساهمات مع الغرب وعملائه ومجازفات لن تعود
على هذه الأمة إلا بالوبال، وهنا يطرح سؤال نفسه: كيف ستتجاوز الحركات الإسلامية
رغبة الغرب في ركوب موجة المد الإسلامي وتطويعها؟
إن ذلك لا يكون إلا بمزيد من الوعي والتصميم على العمل المخلص الذي لا يراد منه إلا وجه الله (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحج: 40)([^1]).
للمزيد:
- إثيوبيا تسعى لفصل جزء جديد من الصومال في الجنوب الغربي
- السقوط المدبَّر.. هندسة التفتيت من التقسيم إلى خرائط الدم.
- كيف تُدار «حروب الوكالة» لتدمير سيادة الدول العربية؟
- مشاريع التفتيت.. قراءة مقاصدية في واقع العالم العربي.
- أرض الصومال على وشك السقوط في المستنقع الصهيوني!
- تفتيت الدول العربية والإسلامية.. من سايكس- بيكو.. إلى أمريكا- بيكو!
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً