كيف تُدار «حروب الوكالة» لتدمير سيادة الدول العربية؟
تشهد منطقة
الشرق الأوسط والقرن الأفريقي تحوّلات بنيوية عميقة تمسّ جوهر السيادة الوطنية
داخل الدول، حيث لم تعد الأزمات تقتصر على صراعات سياسية عابرة أو حروب أهلية
تقليدية، بل تطورت إلى نمط ممنهج من التفكيك المنظم للدول عبر توظيف فاعلين محليين
مسلحين يُعرفون بـ«وكلاء الحرب»، الذين لا يتحركون بمعزل عن السياق الدولي، بل
يشكلون أدوات وظيفية ضمن صراعات إقليمية ودولية أوسع، تُدار بأقل كلفة مباشرة
للقوى الخارجية وأكثر أثراً تدميرياً على المجتمعات المحلية.
صناعة الفوضى ووكلاء النفوذ
لم يعد انهيار
السيادة في هذه البلدان حدثاً عرضياً ناتجاً فقط عن ضعف داخلي، بل أصبح نتيجة
تفاعل معقّد بين عوامل داخلية، مثل: هشاشة بناء الدولة، والانقسامات القبلية
والطائفية، وغياب العدالة التنموية، وفشل النخب الحاكمة، وعوامل خارجية بنيوية
تتمثل في تدخلات إقليمية ودولية تستثمر في هذا الضعف وتحوّله إلى فرصة إستراتيجية.
بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م، أعادت القوى الكبرى تعريف مفهوم الأمن والاستقرار في المنطقة،
فانتقلت من دعم الدولة الوطنية الموحدة إلى إدارة الفوضى والتحكم بها.
ومع اندلاع
ثورات «الربيع العربي» عام 2011م، في منطقة ذات موقع إستراتيجي استثنائي وتمثل قمة
المطامع الغربية (مضائق النفط، والموارد الهيدروكربونية، والطرق البحرية، وقواعد
نفوذ القوى الكبرى) تسارعت هذه التحولات؛ إذ انهارت أو تآكلت مؤسسات الدولة في عدة
بلدان، وظهر فراغ سياسي وأمني فتح الباب أمام قوى محلية وإقليمية ودولية لاستغلاله
بغرض توسيع نفوذها وتحقيق مصالحها عبر وكلاء محليين، سرعان ما امتلأ بقوى مسلحة
محلية، بعضها نشأ من رحم المجتمع، وبعضها صُنع ورُكّب بعناية ليؤدي دوراً محدداً
ضمن توازنات إقليمية.
القوى الكبرى أعادت تعريف مفهوم الأمن
والاستقرار من دعم الدولة إلى إدارة الفوضى والتحكم بها
في هذا السياق،
لم تعد الحروب تُخاض بجيوش نظامية بين دول، بل عبر حروب بالوكالة تستخدم فيها المليشيات،
وأمراء الحروب، والقوى الانفصالية، كبدائل عن التدخل العسكري المباشر، هؤلاء
الفاعلون يُمنحون شرعية جزئية أو مؤقتة، ويُسوّق لهم بخطابات متباينة (محاربة
الإرهاب، وحماية الأقليات، واستعادة الدولة، وحق تقرير المصير)، بينما الهدف
الفعلي غالباً إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية، والسيطرة على الموارد، وضمان
النفوذ طويل الأمد دون تحمّل كلفة الاحتلال أو المساءلة الدولية.
إضعاف السلطة وتدمير السيادة
وتكمن خطورة هذه
الظاهرة في أنها لا تكتفي بإدامة الصراع، بل تعمل على تفكيك فكرة الدولة ذاتها
بحيث:
- ينتقل
استخدام القوة من يد الدولة إلى فاعلين مسلحين غير رسميين؛ ما يضعف سلطتها وقدرتها
على فرض النظام.
- تتحول
الموارد الوطنية إلى أدوات تمويل للصراع بدل أن تكون ركيزة للتنمية.
- يُعاد إنتاج
الهويات الفرعية (القبلية، الجهوية، الطائفية) كبدائل عن الهوية الوطنية الجامعة.
ومع مرور الوقت،
يتحول وكلاء الحرب من أدوات مؤقتة إلى فاعلين دائمين، يملكون جيوشاً واقتصادات
موازية وعلاقات خارجية مستقلة؛ ما يجعل إعادة بناء الدولة أكثر تعقيداً حتى بعد
توقف القتال، وهكذا تدخل الدول في حلقة مفرغة من العنف، والانقسام، والاعتماد
الخارجي، وتصبح السيادة الوطنية مفهوماً شكلياً أكثر منه واقعاً فعلياً.
لم تعد مشاريع
تفكيك الدول العربية تُدار عبر الاحتلال المباشر أو الانقلابات الكلاسيكية، بل
باتت تُنفَّذ من خلال صناعة فاعلين محليين يتولّون المهمة من الداخل، كلٌّ وفق
بيئته وسياقه، من جنوب اليمن إلى السودان وليبيا وسورية والصومال وغزة، تتكرّر
أنماط متشابهة لوكلاء التفتيت، وإن اختلفت الأدوات والخطابات.
نتيجة واحدة رغم اختلاف الأجندات
في اليمن، يقدّم
عيدروس الزبيدي نموذج التفكيك الانفصالي الصريح، حيث يُستثمر التهميش التاريخي
للجنوب لإنتاج كيان سياسي–عسكري مدعوم خارجياً، يُضعف الدولة المركزية ويحوّل
الجغرافيا إلى ورقة نفوذ إقليمي.
وفي السودان،
يجسّد محمد حمدان دقلو «حميدتي» نسخة أكثر عنفاً، تقوم على مليشيا اقتصادية-عسكرية
تموّل نفسها من الموارد الطبيعية، وتُستخدم كأداة لتفكيك الدولة من الداخل وربطها
بمصالح خارجية عابرة للحدود.
وكلاء الحرب عبر مشاريع التفتيت لا يكتفون
بإدامة الصراع بل يعملون على تفكيك فكرة الدولة
وفي ليبيا، يظهر
نموذج خليفة حفتر بوصفه تفتيتاً مغلّفاً بخطاب محاربة الإرهاب، لكنه في جوهره صراع
على السلطة والثروة، حوّل البلاد إلى ساحة تنازع دولي، وإعادة إنتاج الانقسام
الجغرافي والمؤسسي.
وفي سورية، يتخذ
التفتيت شكلاً أكثر نعومة عبر نموذج حكمت الهجري، حيث تُستبدل سلطات رمزية طائفية بالدولة؛
فتفرغ السيادة من مضمونها دون إعلان انفصال رسمي، وتُطبع اللامركزية كأمر واقع
دائم.
وفي «أرض الصومال» (صومالي لاند)، يبرز نموذج التفكيك الإداري الهادئ، الذي يقوده عبدالرحمن
عبدالله الذي يقوم على إدارة الانفصال عبر المؤسسات والعشائر والاقتصاد، ما يحوّل
الانقسام إلى واقع مستدام بمرور الزمن.
أمّا في غزة،
فتبرز محاولات تصنيع وكلاء محليين من طراز ياسر أبو شباب بوصفه نموذجاً متقدّماً
من التفتيت الاجتماعي، لضرب القاعدة المجتمعية من الداخل، من خلال استثمار الدمار
الواسع، والإنهاك الإنساني، وانهيار المؤسسات، ويُقدَّم للسكان بوصفه بديلًا
عمليًا لإدارة شؤون الحياة اليومية في ظل غياب الدولة وتحت ضغط الحاجة.
وبهذا، يتحول
التفتيت من مشروع سياسي معلن إلى عملية بطيئة لإعادة تشكيل المجتمع، تُضعف التضامن
الداخلي، وتزرع الشكوك، وتفتح الباب أمام صراعات داخلية تُكمل ما عجزت القوة
العسكرية عن تحقيقه.
تجمع هذه
النماذج، رغم اختلافها، وظيفة واحدة؛ تفكيك الدولة الوطنية، وتحويلها إلى كيانات
مجزأة قابلة للإدارة الخارجية، وهنا تكمن خطورة هذه المشاريع؛ فهي لا تُسقط الدول
دفعة واحدة، بل تستنزفها تدريجياً، إلى أن يصبح التفتيت الوضع الطبيعي، لا
الاستثناء.
أهداف متعددة ودوافع متشابكة
تحمل مشاريع دعم
وكلاء الحرب أهدافاً تتداخل فيها دوافع محلية وإقليمية ودولية، منها:
- أهداف
خارجية/ جيوسياسية: الهيمنة على مواقع إستراتيجية (الحدود، المضائق البحرية)،
وتأمين خطوط نفوذ ومصالح الطاقة (النفط في ليبيا واليمن)، ومنافسة قوى إقليمية على
النفوذ والسيطرة.
- أهداف محلية/
داخلية: السيطرة على الموارد الاقتصادية (الذهب في السودان، النفط في ليبيا)،
وإعادة تشكيل السلطة السياسية لصالح فصيل معين على حساب الدولة المركزية، وتحويل
المليشيات لقوة موازية للدولة تؤمن مصالح ضيقة لفئات صغيرة على حساب الاستقرار
العام.
وتقوم مشاريع
التفتيت المعاصرة على منظومة متكاملة من التمويل والدعم العسكري والسياسي، تُحوِّل
الفاعلين المحليين إلى أدوات مركزية في إعادة إنتاج الصراع، ويُوفَّر لهذه القوى
تمويل مستقل عبر استغلال الموارد الطبيعية، كالنّفط والذهب، وشبكات مالية وتجارية
عابرة للحدود، بما يسمح لها بالاستمرار والتوسع خارج رقابة الدولة ودون الحاجة إلى
شرعية وطنية.
ويترافق ذلك مع
دعم عسكري ولوجستي يشمل التسليح والتدريب، إضافة إلى حماية سياسية ودبلوماسية في
المحافل الدولية، وتوظيف إعلامي يبرر أدوار هذه الفصائل ويعيد تأطيرها كفاعلين ضروريين
في إدارة الواقع القائم.
وغالباً ما تنشأ
هذه النماذج في لحظات الفراغ الأمني التي تعقب انهيار الدولة أو تآكل سلطتها، حيث
تتحول المليشيات وقادتها، بمرور الوقت، من أدوات مؤقتة إلى فاعلين بنيويين يصعب
تفكيكهم.
اقرأ أيضاً: