الطريق إلى الإبداع..

مشروب ساخن على طاولة المبدعين (3).. صراع القلم والرغيف!

سؤال يهرب منه المبدعون

في سكَّة الكُتاب والمبدعين، استفهام يطل دومًا بإلحاح بارد، يقتحم خلوة كل أصدقاء القلم والفكرة والكِتاب، يناورهم ويحاورهم ويفاجئهم في مواضع الحُفر وثنيَّات الطريق، فإن أغلقوا الباب ليرتاحوا من ريحه، ويُسكتوا خوفهم، أتاهم من النافذة ملوحًا بشعلة من نار.

قد يحضرهم في البدايات ليخنق الحُلم قبل تضخُّمه، فينفخ في الشغف حتى يُطفئه، وقد يأتيهم في وسط المسافة بين الانطلاقة والاستقرار؛ فيكون القرار أصعب والقلق أوسع، وأحيانًا يأتي في النهاية بعد غفلة طويلة وشرود؛ حيث يفيق الكاتب على السؤال بعد فوات الأوان.

ويصوغ الاستفهامُ نفسَه في بضع كلمات: يا هذا؛ هل تصلح الكتابة مصدرًا للثراء؟ أو فقط للاكتفاء؟ أو حتى لأكل العيش؟

قضية منظورة في محاكمنا القديمة

الأدب، والإبداع في عمومه، ركيزة في عمارتنا العربية منذ بزوغها، وأحد مكونات الاجتماع العربي السحيق؛ لذا كان تصوير حال الشعراء والأدباء لحالهم حاضرًا بشكل متكرر في أدبهم وحياتهم، وكذلك كانت إجابة السؤال جاهزة مناسبة للواقع وكُومة التجارب التي مر بها هؤلاء المبدعون.

لكن اللافت أن الإجابة كانت دومًا صادمة مقلقة؛ فقد ظهر احتراف الأدب قرينًا للفقر والحاجة، وأحيانًا للشؤم المتعلق به.

والبعض يقول: إن بداية ذلك الإقرار كانت من عند الشاعر ابن بسام البغدادي، وهو يرثي عبدالله بن المعتز الخليفة العباسي الذي لم يمكث في خلافته سوى ليلة، ثم مات أو قُتل، وكان أحد رجالات الأدب، فقال يرثيه:

لله دَرك من ميت بمضيـعة

         ناهيك في الْعلم والآداب والحسبِ

مَا فِيهِ لَو وَلَا لَيْت فتنقصه

                  وَإِنَّمَا أَدْرَكته حِرْفَة الْأَدَبِ

كأن شؤم الأدب لاحق الشاعر المسكين، حتى بعدما جلس على مقعد الخليفة!

وقد تدحرج ذلك التصور وهذا التصوير في عمق الأدب، واقتنع به الزائرون لسوق الأدب والمبدعون عبر القرون، بعدما رأوه حقيقة ماثلة أمامهم متكررة بتواتر يصعب معه التواطؤ؛ حيث لازمت أغلبهم الصعلقة، وقلة ذات اليد وجفاوة الحظ، فالتصق بالأدب صفة الفقر والاحتياج، وترجَّحت إجابة السؤال بالسلب.

حتى إن الثعالبي، في «تحسين القبيح»، قال -كأنه يقرر مصير محترفي الأدب-: «حِرفة الأدب حُرفة لا يسلم منها أديب»؛ والحُرفة تعني الحرمان والبؤس، وتبعه الباخرزي فوصف الأدب في «دُمية القصر» بأنه: «صنعة لا تنجو من ضرعة، وبضاعة لا تسلم من إضاعة، ومتاع ليس لأهله استمتاع».

جورج أورويل ومحاولته الضاحكة

لم تنحصر تلك الإجابة بتلك الصياغة في دفاترنا القديمة فقط، بل ولا عند العرب بشكل خاص؛ بل تسربت إلى عصرنا في مجمله، وإلى الجغرافيا البعيدة عنا؛ فإن الاعتماد على الأدب مصدرًا للدخل كان خطة جميلة مغرية تتراءى للكثيرين من سالكي مجالات الإبداع، في الكتابة أو الفنون عمومًا، فيحلم المبدع أن يغادر مقعد الوظيفة الضيق الخانق، لينطلق حرًّا في ساحة الإبداع مستأنسًا بخيال يحفزه بأن موهبته نفسها ستصير باب سعده ومصدر رزقه، وبناء عليه سيضرب غرابين بحجر واحد.

فهل هذا ممكن؟

في كتاب «رؤية الأشياء على حقيقتها» يجيب جورج أورويل عارضًا المسألة بطريقة ضاحكة وموجعة أيضًا في الوقت نفسه: «قدمتُ استقالتي على أمل أن أستطيع كسب رزقي من الكتابة، ونجحتُ في ذلك بقدر ما ينجح أغلب الشباب الذين يسلكون طريق الأدب! أي: لم أنجح إطلاقًا!».

لكن هل الأمر فعلًا بهذا السوء والإغلاق؟ هل يغلب واقع الرغيف دومًا خيال القلم؟

إجابة محفوظ مختلفة

للإنصاف وللحقيقة ولصيانة كرامة الإبداع، يجب علينا أن نعيد تفتيت السؤال ثم ننزع منه الفتيل؛ حيث يمكن قراءته من عدة مستويات بعضها يحتمل الإجابة بالإمكان؛ فصحيح قد لا تصلح الكتابة مصدرًا للثراء، وقد لا تصلح بوصفها وظيفة مستقرة يمكن الاتكاء عليها وحماية الظهر وصناعة الأمان، لكن يمكن للكتابة أن تكون مرافقًا على هامش الوظيفة، فليس المطلوب من الكتابة أن تشبع الحاجتين إشباعًا كاملًا، إشباع التحقُّق بفعل شيء تحبه، وإشباع المادة والثراء، كذلك لستَ مجبرًا على نقل موهبتك من مساحة المتعة والشغف الذاتي إلى مساحة التوظيف وإدرار المال بشكل مطلق، ولعل في سيرة أحد أكبر أدباء العرب مفتاحًا لما نريد الوصول إليه.

فبنظرة على حياة رائد الرواية العربية نجيب محفوظ، نجد عنده إجابة مختلفة قليلًا، وإجابة محفوظ أثقل وأقوى وأصدق؛ لأنها إجابة عملية واقعية مارسها بشكل حركي، ثم تحدث عنها في نهايات أيامه؛ فأوحى للمبدعين أن ذاك الخيال البعيد أمر ممكن مع بعض التعديل في الكيفية والوجهة.

فقد استمر محفوظ مستقرًّا في وظيفته الحكومية رغم شهرته الكبيرة ورغم استطاعته تغطية احتياجاته، ولم يترك كرسي الدرجة الوظيفية حتى خرج إلى المعاش، لكن نجد أنه في الوقت نفسه استطاع أن يجعل الكتابة مصدرًا مناسبًا لدعمه المادي ومساندته في طريقه، وأن تخدم الكتابة نفسها، وذلك لأنه استطاع أن يحترفها بشكل إيجابي؛ فبعيدًا عن شهرته الاستثنائية والتوفيق الكبير الذي ناله، لكن خطته العملية لافتة ملهمة في سياقنا الذي نناقشه، فمحفوظ جعل وظيفته خادمة لموهبته؛ فاستطاع أن يؤمِّن روحه ويوفر لبدنه وأهله فضاء يمكنه من الانفراد بالقلم دون قيد أو ضغط أو رغبة ملحة، فحقق المعادلة بشكل جيد.

وفي الغرب نماذج كثيرة صار الأدب يُشكل مصدر دخل لها، ولا نعني الأثرياء منهم، فهؤلاء مهما كثر عددهم سيظلون قلة، أصحاب مواهب خارقة، وطفرات فجائية، وضربات حظ أحيانًا، لكن المقصود هنا أن الفقر ليس لزامًا على رقاب المبدعين خاصة في عصرنا الحديث، فهناك وسائل يمكن أن يؤانس المبدع فيها بين القلم والرغيف، كما فعل محفوظ.

وعندما قال والد خليل مطران لابنه، بحسب ما يُحكى: «ابحث لك عن حرفة تتكسب منها، فما وجدنا شاعرًا على ظهره قميص» كان الرجل واقعيًّا إلى حدٍّ بعيد ولم تكن نصيحته مُجحفة أو كيدية، فهو لم يقل له: دع الشعر، ولكن أراد له أن يحميه بداعم دنيوي، فكان يدرك أن الأدب يحتاج مساندًا على الأقل في بدايات الطريق، ويا حبذا لو استمر الدعم طول الطريق!

وفي هذا المعنى يقول الكاتب الشاب أحمد دسوقي بحثًا عن حل للكاتب الجديد «الكتابة نوع واحد من أنواع الإبداع، وقد تحقق عائدًا ماديًّا عادلًا لكنه ليس الأعلى دخلًا للكاتب، ولكن إن أردت أن تحقق دخلًا جيدًا فعليك بـ«الاشتقاق» من عملك؛ أي تحويله لأعمال درامية أو إذاعية أو غيرها مما له مردود مادي كبير، كذلك بيع حقوق الترجمة، كل ذلك يحقق قيمة اقتصادية كبيرة يمكن للكاتب الاستفادة منها».

وأخيرًا.. احذر الزنزانة الذهبية!

من المهم التنويه إلى نقطة محورية في مسألة القلم والرغيف، وهي أن تحوُّل الكتابة إلى مصدر رزق قد يكون مغامرة بالقلم في سبيل الرغيف، فيدخل المبدع زنزانته الذهبية بقدميه؛ فقد يصل المبدع إلى مراده ويصير قلمه باب ثرائه، لكن هذا الواقع يحمل عدة أخطار، أولها -وهذا شيء بشري طبيعي-  أن المبدع سيكون خاضعًا لمديره الوظيفي الجديد ومصدر تمويله بل ستكون الكتابة نفسها هي الخاضعة، وهذا المدير أحيانًا سيأمر الموظف بما لا يرتضيه ضميره، فقد يأمره بركوب الموجة من أجل الانتشار، وقد يأمره بالتصفيق وسط الهوجة ترضية لذي سلطان، هنا يعود الكاتب لنقطة البداية، بل لنقطة اللارجوع، ويصير بين خيارين أحدهما الجوع.

ولعل جملة جيمس فري التي قالها عفوًا، في كتاب «لماذا نكتب؟»، تعكس ما يمكن أن يشكله الاحتياج في الأدب من خطورة، فعندما سُئل لماذا تكتب؟ قال: «بصراحة لديَّ عائلة وأحتاج إلى نقود!».


اقرأ أيضاً:

مشروب ساخن على طاولة المبدعين (1) ... إبداع من رحم الوجع

مشروب ساخن على طاولة المبدعين (2).. العَجَلة.. ذلك الفخ الكبير!


الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة