حين يصبح العلاج حلماً.. مرضى السرطان في غزة يواجهون المصير وحدهم
يعيش مرضى
السرطان في قطاع غزة منذ أكثر من عامين واحدة من أسوأ الأزمات الصحية والإنسانية
في العالم، نتيجة الحصار الشديد وإغلاق المعابر وتدمير البنى الصحية، ونقص الأدوية
والمستلزمات الطبية الحيوية، كما أن غياب الوقود يجبر المستشفيات على الحد من
تشغيل المعدات الأساسية مثل أجهزة المعالجة الإشعاعية والتبريد للأدوية، وكل ذلك
يجعل فرص العلاج تتناقص يوماً بعد يوم، حتى في الحالات التي كان يمكن علاجها نظرياً
قبل الأزمة؛ ما حول المرض من تحدٍّ صحي إلى قضية بقاء على قيد الحياة.
وتشكل معاناة
مرضى السرطان في غزة رمزاً إنسانياً صارخاً على مدى الأزمة الحادة التي يعيشها
القطاع، وبسبب الظروف الحالية يفقد آلاف المرضى فرص العلاج والمرض، ويتحول في كثير
من الأحيان إلى حكم قاس بالموت البطيء.
ووفق وزارة
الصحة، فإن هناك أكثر من 12 ألف مريض سرطان في غزة يحتاجون للرعاية والعلاج، في
حين توفي المئات من المرضى منذ بداية الحرب، بسبب عدم تلقي العلاج المناسب، كما أن
هناك آلافاً آخرين من المرضى في مراحل متقدمة من المرض بلا علاج أو أدوية كافية.
منظومة طبية منهكة
ومنذ اندلاع
الحرب على غزة مطلع أكتوبر 2023م، يشهد القطاع انهياراً شبه كامل في نظامه الصحي،
نتيجة القصف والتدمير، كما أن الإجراءات العسكرية والحصار أديا إلى نقص حاد في
الوقود الأدوية والمستلزمات الطبية، حيث تعاني المنظومة الصحية في غزة من نقص أكثر
من 70% من أدوية السرطان الأساسية؛ ما يعني أن المرضى لا يستطيعون تلقي جرعات
العلاج التي تعتمد عليها أي خطة علاجية ناجحة، بالإضافة إلى أن الأطباء يكافحون
بلا موارد في محاولة لتخفيف أوجاع المرضى.
قبل الحرب، كانت
غزة تمتلك بعض المرافق القادرة على تقديم علاج السرطان، مثل مستشفى الصداقة
التركية - الفلسطينية، الذي كان يوفر العلاج الإشعاعي والكيماوي، إلى جانب مرافق
أخرى مثل قسم الأورام في مستشفى ناصر والحلو، لكن الغالبية العظمى من هذه المرافق
توقفت عن العمل، بسبب القصف ونقص الوقود والمواد وتدمير المباني؛ ما ترك المرضى
بدون مراكز متخصصة للعلاج تقريباً.
منظمات حقوقية
في غزة تدق ناقوس الخطر بعد تصاعد معاناة المرضى وتجاهل الاحتلال معاناتهم.
وأشارت الهيئة
الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني (حشد) إلى أن حرمان المرضى من العلاج الطبي في
مثل هذه الظروف، يشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، الذي ينص على
حماية المرضى والجرحى في النزاعات، حيث تستنكر الهيئة إجراءات الاحتلال في تأزيم
معاناة مرضى السرطان، خاصة في الوقت الذي يعيش فيه مرضى السرطان في غزة أخطر
الأزمات الإنسانية في العالم المعاصر، حيث تعرضت مرافق العلاج لتدمير شبه كامل،
ونقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، بالإضافة إلى توقف العلاج الكيماوي
والإشعاعي داخل القطاع، إضافة إلى قيود صارمة على السفر للعلاج خارج غزة.
خطر داهم
يقول طبيب
الأورام د. بيان السقا: يواجه المرضى معاناة قاسية نتيجة تدهور أوضاعهم الصحية،
وصعوبة توفر العلاج الكيماوي الوريدي، كما أن المخزون من أدوية السرطان وصل إلى
مستويات خطيرة من النقص، بسبب سياسة الاحتلال المتعمدة في الضغط على السكان في
غزة، وحرمانهم من أبسط الحقوق، حيث يموت المرضى واحداً تلو الآخر يومياً، بسبب انعدام
العلاج ومنع تحويل المرضى للعلاج في الخارج.
وبين السقا، في
حديث لـ«المجتمع»، أن هذه المعاناة تفوق الحدود الطبية إلى ما هو إنساني واجتماعي
وسياسي، وتستدعي وقفة ضمير من المجتمع الدولي، للتدخل وإطلاق آليات علاج فوري،
وإعادة تأهيل النظام الصحي وفتح المعابر، لضمان الحق الأساسي في الصحة، وإنقاذ
أرواح الآلاف من المرضى، وسد العجز في نقص الأدوية والعلاج الكيماوي والوقود الخاص
بتشغيل الأجهزة.
ولفت إلى أن قبل
الحرب كانت الوزارة في غزة تحول أعداداً كبيرة من المرضى لتلقي العلاج في مستشفيات
الضفة الغربية ومصر، إلى جانب مستشفى الصداقة التركي الفلسطيني، الذي كان يعد
المركز الرئيس لعلاج مرضى السرطان في غزة وتعرض للقصف وتضرر بشدة، لكن مع توقف
التحويلات وتدمير المرافق، يكون الاحتلال قد حكم على المرضى بالإعدام.
صعوبة التشخيص
وأضاف السقا أن هناك
العشرات من الحالات المصابة بالسرطان في غزة لم يكشف عنها بعد، بسبب توقف أجهزة
التشخيص عن العمل، حيث أفرزت الحرب واستخدام «إسرائيل» صواريخ وقنابل سامة ومحرمة
دولياً أعداداً كبيرة من الإصابات، وهناك الكثير من حالات الموت المفاجئ في غزة، يعتقد
أنها ناتجة عن تدهور أوضاع المرضى بسبب إصابتهم بالأورام وصعوبة الكشف عنها مسبقاً.
وتحدثت عائلة
المريضة إيمان حسنى أن ابنتها تعاني من مرض السرطان منذ 7 سنوات، وكانت تخرج إلى
مستشفى المطلع في مدينة القدس لأخذ جرعات العلاج، لكن منذ أن بدأت الحرب المستعرة
على غزة، أغلق الاحتلال المعابر ومنع إدخال الأدوية، وتركت تواجه المصير وحدها، إلى
أن توفيت قبل أيام بعد صراع مع المرض.
يقول أبو علي
شقيق المريضة، في حديث لـ«المجتمع»: كنت أدعو ليل نهار أن تُقبض روح شقيقتي لعل
الموت ينهي وجعها، حيث لم تكن تعرف طعماً للراحة والنوم بسبب الآلام، كما أن
الحياة داخل الخيمة غير مناسبة لها للراحة والهدوء، بل أن الضجيج والازدحام
وانتشار الأمراض زاد من وجعها.
ويأمل أن تنتهي
معاناة السكان في غزة قريباً، وإعادة تهيئة وترميم القطاع الصحي المنهك بالكوادر
الطبية والمقرات، وفتح المعابر لإنقاذ السكان بشكل عام سواء مرضى وغيرهم من الضغوط
والحصار، وخطر تفشي الأمراض المعدية والقاتلة، وعدم توفر العلاجات الأساسية التي
تهدد حياة السكان بالموت البطيء.
اقرأ أيضاً:
حين يصبح الغسيل معركة.. مأساة مرضى الكلى في غزة تتفاقم
من قسم «الأورام» بغزة.. «المجتمع» توثق معركة إيمان ضد السرطان والفقْد
أطباء زاروا غزة.. شهادات مهمة على معاناة الغزيين وجرائم الكيان الصهيوني
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً