مراعاة اللفظ أو المعنى.. وأثره في توسيع الدلالة اللغوية

الحمل على اللفظ أو المعنى أسلوب عربي فصيح وشائع في كلام العرب والقرآن الكريم، وهو من أبرز مظاهر المرونة والجمال في اللغة، وهو يسهم في إثراء الدلالة، وإيصال مقاصد المتكلم بدقة، ويسمح بتنوع أساليب التعبير؛ ما يضيف مرونة للكلام ويجعله أكثر فصاحة وجمالًا.

ومعناه: إعطاء كلمة أو تركيب حكماً نحوياً (كالإفراد أو التثنية أو التذكير أو التأنيث) بناء على معنى آخر يشبهه في اللفظ أو المعنى أو فيهما معًا، مع وجود قرينة سياقية تمنع اللبس وسوء الفهم.

أهداف الحمل على المعنى أو اللفظ

استخدم النحويون والبلاغيون هذا الأسلوب لأغراض مختلفة، أهمها:

1- سلامة التركيب وجودة المعنى: كان العرب يحملون على اللفظ أو المعنى لغرض الوصول إلى أعلى درجات السلامة التركيبية وتجويد المعنى وإيضاح المقصود، مع منح المتكلم حرية أكبر في التعبير عن أفكاره.

2- تفسير الشواهد الفصيحة: يُعدّ الحمل أداة نحوية وبلاغية لتسويغ ما قد يبدو إشكالًا نحوياً أو دلالياً في الاستعمال الفصيح، خاصة في الآيات القرآنية والشعر العربي القديم الذي لا يمكن ردّه، ومن الأمثلة على ذلك قول الفرزدق يخاطب ذئباً قابله في الطريق:

تَعالَ فإنْ عاهَدتَني لا تَخونُني      نَكُنْ مِثلَ مَنْ يا ذِئبُ يَصْطحِبانِ

الأصل أن يقول الشاعر: «يصطحب» (بمراعاة لفظ «مَن» المفرد)، ولكنه قال: «يصطحبان» حملاً على معنى «مَن»، لأنها كناية عن اثنين؛ الشاعر والذئب.

3- التفنن والجمالية البلاغية: استخدام الحمل يُضفي على النص جماليات بلاغية، ويحقق التنوع في الصياغة، وهو ما يرفع من مستوى الأسلوب.

أقسام الحمل في اللغة العربية

ينقسم الحمل إلى ثلاثة أنواع رئيسة:

الأول: الحمل على اللفظ، وهو: إعطاء الحكم النحوي للكلمة أو التركيب بما يتفق مع ظاهر اللفظ وقواعده النحوية المباشرة، حتى وإن كان المعنى يقتضي خلاف ذلك، والحمل على اللفظ هو الأكثر قوة وشيوعاً، ومثاله في القرآن الكريم: قوله تعالى: (رِّزْقًا لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَٰلِكَ الْخُرُوجُ) (ق: 11).

فقد جاءت كلمة «بلدة» مؤنثة، لكن صفتها «مَيْتًا» جاءت مذكرة، حُمِلت على لفظ «البلد» أو «المكان»، وهو لفظ مذكر.

الثاني: الحمل على المعنى وهو: إعطاء الكلمة أو التركيب حكماً إعرابياً أو صرفياً مختلفاً عما يقتضيه ظاهر لفظها ويناسب معناها، ويعد الحمل على المعنى أداة فعّالة لتفسير الظواهر اللغوية التي قد تبدو مخالفة للقاعدة النحوية المطردة، ووسيلة لتوجيه القراءات القرآنية وإظهار الإعجاز القرآني.

وفي حالة الحمل على المعنى، يتم تجاهل بعض القواعد الشكلية للفظ المنطوق (مثل التذكير أو التأنيث أو الإفراد أو الجمع) ويُعامل اللفظ بناءً على المعنى الحقيقي الذي يشير إليه السياق، ومثال ذلك قوله تعالى: (وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا) (الأحزاب: 31)، قرأ حَمزَةُ والكِسائي: «يَقْنُتْ ويعْمَلْ» بالياء على التذكير حملًا على لفظ «من» لأنها للمفرد المذكر، وقرأ الباقون من السبعة: «يَقْنُتْ» بالتذكير على اللفظ، و«تَعْمَلْ» بالتأنيث على المعنى معاني. (القرآن للأخفش، 1/ 37).

ومنه تذكير المؤنث: ومثاله قوله تعالى: (فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَى) (البقرة: 275)، فالفعل «جاء» أتى مذكراً مع أن الفاعل «موعظة» مؤنث لفظاً، فحُملت كلمة «موعظة» وهي مؤنثة، على معنى «وعظ» أو معنى «كلام» وهما مذكران.

ومنه حمل المفرد على معنى المثنى، ومثاله قوله تعالى: (فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ) (طه: 117)؛ حيث خاطب آدم وحواء ثم نصَّ في إتمام الخطاب على آدم وأغفل حواء؛ لأن في شقاء الرجل شقاء لها فحمل الكلام عليه في الخطاب.

قال القيسي: «والعرب تفعل ذلك كثيراً، تخرج من الإخبار عن اثنين، إلى الإخبار عن واحد، وذلك أن كل شيئين إذا اصطحبا، وقام كل واحد منهما مقام صاحبه، وجرى على أحدهما ما يجري على الآخر، فإنها تفرد الإخبار عنه، وهي تريدهما معاً» (الإيضاح، 1/ 275).

ومنه حمل المفرد على معنى الجمع: ومثاله قوله تعالى: (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) (الفرقان: 75)، قال بعض المفسرين: حمل المفرد على معنى الجمع فجعل «إماماً» بمعنى «أئمة»، والمعنى: اجعل كل واحد منا إماماً؛ فالمفرد النكرة يؤدي معنى الجمع؛ لأن النكرة تفيد الجنس الذي يدل على القليل والكثير، كما أن الواحد يقع موقع الجمع؛ لأنه أصل له ولعدم حصول اللبس في الكلام.

الثالث: الحمل على اللفظ والمعنى معًا، وهو: جمع بين الحمل على اللفظ والمعنى في سياق واحد، حيث يتم إعطاء الحكم على اللفظ أولًا ثم على المعنى، مع وجود قرينة تمنع اللبس، وإذا اجتمع الحملان (الحمل على اللفظ، والحمل على المعنى) بُدئ بالحمل على اللفظ، ثم يحمل بعد ذلك على المعنى، هذا هو الشائع المستفيض في القرآن الكريم وكلام العرب.

ومثاله قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ) (البقرة: 275)، جاء الفعل «يقول» مفرداً لمراعاة لفظ «من»، ثُمَّ جَمَعَ ثَانِيًا فَقَالَ: (وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ) فَعَادَ الضَّمِيرُ مَجْمُوعًا؛ لمراعاة المعنى، قال ابن جني: «واعلم أن العرب إذا حملت على المعنى لم تكد تراجع اللفظ.. فإذا كان قد انصرف عن اللفظ إلى غيره ضعفت معاودته إياه؛ لأنه انتكاث وتراجع، فجرى ذلك مجرى إدغام الملحق وتوكيد ما حذف» (الخصائص، 420/ 2).

والخلاصة أن أسلوب الحمل على اللفظ أو المعنى أو على كليهما معاً فيه دليل على الثراء اللغوي والفصاحة العالية للغتنا العربية الراقية، وهو مهم جداً للمفسرين والنحاة في فهم دلالات الألفاظ واستنباط الأحكام الشرعية والمعاني الدقيقة.



اقرأ أيضاً:
"النحو".. تعريفه ودوره في فهم النص الديني

- بين أصول النحو وأصول الفقه

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة