بين علم النحو وعلوم الشريعة (4 - 6)
بين أصول النحو وأصول الفقه
تناولنا فيما سبق العلاقة بين علم النحو
والقرآن والسُّنة وبعض علومهما، وهما يُعدان على رأس الأدلة الاحتجاجية لدى
الفقهاء والأصوليين في استنباط أحكامهم الفقهية، وقبل الحديث عن العلاقة بين علم
النحو والفقه -في المقال القادم بمشيئة الله تعالى- يجدر بنا إلقاء الضوء سريعاً
على العلاقة بين أصول العلمين (أصول النحو، وأصول الفقه).
فقد أكد الأصوليون منذ فترة مبكرة هذه
العلاقة الوثيقة؛ فها هو الشافعي الذي يعد أول من دوَّن في علم أصول الفقه يؤكد في
رسالته في أصول الفقه أهمية العربية لمن أرد الفتيا في دين الله عز وجل؛ حيث يقول:
«لأنه لا يعلم من إيضاح جمل الكتاب أحد جهل سعة لسان العرب، وكثرة وجوهه، وجماع
معانيه وتفرقها، ومن علمه انتفت عنه الشُّبَهُ التي دخلت من جهل لسانها» (الرسالة،
ص 50).
ولذلك، ربط الشاطبي -الإمام الأصولي- بين
فهم اللغة وفهم الشريعة، وجعل العلاقة بينهما طردية؛ حيث يقول: «وإذا كانت -أي
الشريعة- عربية؛ فلا يفهمها حق الفهم إلا من فهم اللغة العربية حق الفهم؛ لأنهما
سيان في النمط ما عدا وجوه الإعجاز.
فإذا فرضنا مبتدئًا في فهم العربية فهو
مبتدئ في فهم الشريعة، أو متوسطاً فهو متوسط في فهم الشريعة، والمتوسط لم يبلغ
درجة النهاية؛ فإن انتهى إلى درجة الغاية في العربية كان كذلك في الشريعة؛ فكان
فهمُه فيها حجةً كما كان فهم الصحابة وغيرهم من الفصحاء الذين فهموا القرآن حجة؛
فمن لم يبلغ شأوهم؛ فقد نقصه من فهم الشريعة بمقدار التقصير عنهم، وكل من قصُر
فهمه لم يعد حجة، ولا كان قوله فيها مقبولاً، فلا بد من أن يبلغ في العربية مبلغ
الأئمة فيها؛ كالخليل، وسيبويه، والأخفش، والجرمي، والمازني ومن سواهم» (الموافقات:
5/ 35).
وكذلك أكد متانة هذه العلاقة العالم
اللغوي ابن جني الذي يعد أول كتب في أصول النحو؛ حيث يقول: «وكذلك كتُبُ محمد بن
الحسن رحمه الله إنما ينتزع أصحابنا -أي النحاة- منها العلل؛ لأنهم يجدونها منثورة
في أثناء كلامِه فيُجْمَع بعضها إلى بعض بالملاطفة والرفق» (الخصائص: 1/ 163).
وحتى يمكن جمع شتات العلاقة المتشعبة بين
علمي أصول النحو وأصول الفقه في هذه السطور القليلة، فإننا نلخص مظاهرها فيما يلي:
أولاً: تتضح هذه العلاقة بصورة جلية من
خلال طبيعة وماهية كل من العلمين كما يتضح من تعريف كل منهما؛ فأصول النحو هي أدلة
النحو التي تفرعت منها فروعه وأصوله، كما أن أصول الفقه هي أدلة الفقه التي تنوعت
عنها جملته وتفصيله. (لمع الأدلة لابن الأنباري، ص80).
ثانياً: يرى الكثيرون أن تدوين أصول
النحو باعتبارها علماً مستقلاً جاء تأثراً بعلم أصول الفقه؛ حيث رغب النحاة في أن
تكون لهم أصول معلومة يرجعون إليها في استنباط الحكم النحوي على غرار ما يفعله
الفقهاء، ولعل ما يدل على ذلك أن تدوين أصول الفقه جاء متقدماً على أصول النحو؛
حيث يعد الشافعي (ت 204هـ) أول من بدأ التدوين في أصول الفقه، كما يعد ابن جني (ت
392هـ) أول من بدأ التدوين في أصول النحو.
ثالثاً: يعد العلم باللغة العربية
وفروعها من المحتويات الأساسية التي يتألف منها علم أصول الفقه؛ وذلك لتوقف معرفة
دلالات الألفاظ من الكتاب والسُّنة، وأقوال أهل الحل والعقد من الأمة على معرفة
موضوعاتها لغة، من جهة الحقيقة والمجاز، والعموم والخصوص، والإطلاق والتقييد،
والحذف والإضمار، والمنطوق والمفهوم، والاقتضاء والإشارة، والتنبيه والإيماء،
وغيره مما لا يُعرف في غير العربية (الكوكب الدري فيما يتخرج على الأصول النحوية
من القواعد الفقهية للإسنوي، ص45، مقدمة المحقق).
رابعاً: لا تكاد تجد كتاباً في أصول
الفقه يخلو من بعض المباحث اللغوية ذات التأثير في الأحكام الفقهية، التي كانت
تأتي تحت عنوان «المبادئ اللغوية»، ثم توسعوا فيها حتى خرجت عن كونها مبادئ
ومقدمات حتى أصبحت تعرف بـ«الأصول اللفظية» أو «مباحث الألفاظ»، وأخذت تحتل مساحة
كبيرة من هذه المؤلفات؛ بل إن بعض الأصوليين أفرد بحوثاً للحديث عن الإعراب ومعناه
والحركات وحقيقتها، وما ورد في ذلك عن كبار علماء اللغة والنحو، وبعضهم كانت لهم
آراؤهم ووجهات نظرهم في بعض القضايا اللغوية.
خامساً: الناظر للموضوعات المتناولة في
العلمين يجد تطابقاً في بعض هذه الأبواب؛ مثل باب: السماع، والقياس، والاستصحاب،
والاستقراء... وغيرها من الموضوعات المشتركة بين العلمين.
اقرأ أيضا في هذه السلسلة:
- «النحو».. تعريفهودوره في فهم النص الديني