460 حضانة في مواجهة الرقابة والتأهيل..
حضانات الكويت تحت الاختبار
لم تعد حماية
الأطفال في حضانات الكويت قضية تتعلق بشروط الترخيص وسلامة المباني وحدها، بل
أصبحت سؤالاً عن قدرة منظومة الرعاية والرقابة على ضمان أمن الطفل في الساعات التي
يقضيها بعيدًا عن أسرته.
فقد أعاد مقطع
متداول عبر مواقع التواصل الاجتماعي، في أكتوبر الجاري، ملف تعنيف الأطفال داخل
الحضانات إلى الواجهة، ودفع وزارة الشؤون الاجتماعية إلى فتح تحقيق في شبهة تعنيف
طفل بإحدى الحضانات، مع التأكيد على اتخاذ الإجراءات القانونية بحق كل من تثبت
مسؤوليته.
وأعلن وكيل
وزارة الشؤون الاجتماعية بالتكليف فيصل الكندري، في 10 أكتوبر 2026م، استدعاء ولي
أمر الطفل والمسؤول عن الحضانة للتحقيق في ملابسات الواقعة، مشدداً على إلزام
الحضانات بتركيب كاميرات مراقبة وفق التعميم الصادر بهذا الشأن.
وبينما ينتظر
حسم التحقيق تحديد ما حدث والمسؤوليات المترتبة عليه، تتجاوز القضية حدود الواقعة
نفسها إلى أسئلة عن كفاءة الرقابة وتأهيل العاملين، وقدرة الأسر على رصد مؤشرات
الخطر والإبلاغ عنها.
وتكتسب هذه
الأسئلة أهمية إضافية في ضوء حجم القطاع، حيث كشف مدير إدارة الرقابة على الحضانات
الخاصة نايف الصواغ، في حوار مع صحيفة «الأنباء»، نشر في 19 يناير 2026م، أن عدد
الحضانات المسجلة بلغ 460 حضانة، بينها 431 حضانة عادية، و29 حضانة لذوي الإعاقة،
تتولى فرق تفتيش متابعة أوضاعها في المحافظات الست.
رقابة فعالة على حضانات الكويت
وتخضع الحضانات
في الكويت للتفتيش الدوري والمفاجئ، كما أعلنت وزارة التربية، في يوليو 2025م،
التنسيق مع وزارة الشؤون الاجتماعية لتشكيل فرق تفتيش مشتركة ورصد الحضانات غير
المرخصة والمخالفة للاشتراطات.
وبالرغم من أن
تلك الإجراءات تشير إلى تعدد أدوات الرقابة، فإنها تطرح سؤالاً حول كيفية قياس
فاعلية الرقابة، وهل يكون بعدد الزيارات والتراخيص، أم بقدرتها على منع المخالفات
واكتشافها مبكراً؟
وجود فرق
التفتيش لا يكفي وحده ما لم يصاحبه نظام واضح لتقييم جودة الرعاية اليومية،
والتأكد من كفاءة العاملين، والتحقق من الشكاوى، ومتابعة المخالفات حتى إزالتها، كما
أن نشر بيانات دورية عن الزيارات والمخالفات والإنذارات والإيقافات يساعد الأسر
على تكوين صورة واقعية عن أداء المنظومة، ويتيح للجهات المعنية تحديد مواطن الخلل
وتطوير الرقابة بناء على مؤشرات قابلة للقياس.
ولا ينبغي أن
تنحصر المتابعة في سلامة المبنى واستيفاء شروط الترخيص؛ فحماية الأطفال في
الحضانات تتطلب أيضًا تقييم طريقة تعامل العاملين مع البكاء والغضب والسلوكيات
الطبيعية للطفل، والتأكد من عدم استخدام العنف أو الإهانة وسيلةً للضبط، فالمكان
قد يستوفي الاشتراطات المادية، بينما تظل جودة التعامل الإنساني داخله بحاجة إلى
متابعة وتدريب مستمرين.
اكتشاف إيذاء الأطفال والإبلاغ عنه
وفي سياق يتصل
بكيفية اكتشاف إيذاء الأطفال والإبلاغ عنه، نشر مكتب حماية الطفل في الكويت، قبل
أيام، مقالاً توعوياً بعنوان «ليس من شأني»، تناول فيه ظاهرة تشتت المسؤولية التي
قد تدفع الأفراد إلى انتظار مبادرة الآخرين بدل التحرك عندما يشتبهون في تعرض طفل
للأذى.
وأوضح المقال
مستندًا إلى تجارب في علم النفس الاجتماعي، أن وجود عدد كبير من الشهود قد يجعل كل
فرد يعتقد أن شخصًا آخر سيتدخل، وأن المواقف الغامضة قد تزيد التردد؛ لأن المحيطين
ينتظرون من بعضهم إشارات تحدد ما إذا كان الأمر يستدعي التدخل، لافتاً إلى أن
مؤشرات إيذاء الطفل قد لا تكون دائمًا واضحة، بل قد تظهر في صورة خوف غير معتاد،
أو تغير مفاجئ في السلوك، أو صمت وانسحاب، أو ارتباك عند التعامل مع شخص بعينه.
ولا تعني هذه
العلامات، بمفردها، أن الطفل تعرض للتعنيف، كما لا يجوز تحويلها إلى أحكام مسبقة
على أي شخص؛ لكنها قد تستدعي الانتباه وطلب التقييم المختص، ويشدد المقال على
التمييز بين الإبلاغ عن الاشتباه وإصدار حكم بالإدانة؛ فمهمة الأسرة أو الشاهد نقل
ما لاحظه إلى الجهات المختصة، أما التحقق من الواقعة وتحديد المسؤولية فيبقيان من
اختصاص الجهات المعنية.
وتكتسب هذه
النقطة أهمية خاصة داخل الحضانات، حيث قد لا يمتلك الطفل الصغير القدرة اللغوية
على وصف ما حدث له بدقة؛ لذلك، فإن تأهيل العاملين على ملاحظة التغيرات السلوكية،
وتوثيق الوقائع، والتعامل المهني مع الشكاوى، ينبغي أن يكون جزءًا من منظومة
الحماية، لا مجرد إضافة اختيارية إلى إجراءات الترخيص.
الحضانات وكاميرات المراقبة
يمثل إلزام
الحضانات بتركيب كاميرات المراقبة أداة مهمة للتوثيق وتعزيز الرقابة، لكنه لا
ينبغي أن يُعامل بوصفه ضماناً مكتملاً لسلامة الأطفال، فالكاميرا تسجل ما يقع ضمن
نطاقها، ولا تمنع بالضرورة كل أشكال الإهمال أو الإساءة، كما أن وجود التسجيل لا
يحقق الحماية إذا لم توجد آلية واضحة لمراجعته عند الحاجة والتعامل مع البلاغات
بجدية وسرعة.
ومن ثم، فإن
فاعلية المراقبة ترتبط بوجود إجراءات محددة لحفظ التسجيلات، وتحديد الجهات المخولة
بالاطلاع عليها، والاستجابة للشكاوى، مع حماية خصوصية الأطفال وأسرهم، كما يجب ألا
تحل الكاميرات محل الرقابة البشرية والتأهيل المهني.
وفي مقال نشرته
صحيفة «تايمز كويت»، في 17 أكتوبر 2026م، أكدت الشيخة سهيلة الصباح، مديرة تحرير
الصحيفة، أن حقوق الطفل لا تتوقف عند حدود المنزل، وأن الإيذاء لا يقتصر على العنف
الجسدي الظاهر، بل قد يشمل التهديد والإهانة والإهمال وما يترتب عليها من آثار
نفسية.
كما أشارت إلى
أن التغير المفاجئ في سلوك الطفل أو خوفه غير المعتاد قد يستدعي الانتباه، مع
التأكيد على أن هذه المؤشرات لا تكفي وحدها لإثبات وقوع الإساءة.
ويعزز هذا الطرح
ضرورة أن تتعامل الحضانات مع سلامة الطفل باعتبارها مسؤولية يومية تشمل الحماية
الجسدية والنفسية معًا، وأن تكون هناك سياسة واضحة لمنع العنف، وآلية داخلية لتلقي
الشكاوى، وتدريب للعاملين على الانضباط دون إيذاء، فضلاً عن رقابة خارجية مستقلة
عن إدارة الحضانة نفسها.
بلاغ وحماية أسرية ومجتمعية
ولا تتوقف
مسؤولية حماية الأطفال في الحضانات بالكويت عند الوزارة أو إدارة المنشأة؛ إذ تؤدي
الأسرة دوراً مهماً في ملاحظة التغيرات التي تطرأ على الطفل بعد عودته، والاستماع
إليه بهدوء إذا عبّر عن خوف أو ألم، دون تلقينه إجابات أو الضغط عليه، وعند وجود
اشتباه جدي، ينبغي تجنب نشر صور الطفل أو تفاصيله الشخصية على منصات التواصل،
وإحالة الأمر إلى الجهات المختصة بدل تحويله إلى محاكمة جماهيرية قد تضر بالطفل
وتؤثر في مسار التحقق.
وفي هذا الإطار،
أعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية في مارس 2026م اعتماد لائحة تنظم استقبال بلاغات
العنف ضد الطفل وإجراءات الإيواء والحماية، بما يحدد آليات التعامل مع الحالات
بدءًا من الرصد والإبلاغ وصولا إلى التدخل والحماية.
كما يتيح خط
حماية الطفل في الكويت، رقم (147)، الإبلاغ وطلب المساعدة على مدار الساعة، وفق
المعلومات المنشورة من مكتب حماية الطفل التابع لوزارة الصحة.
ويبقى التحدي
الحقيقي تحويل هذه الأدوات إلى منظومة متكاملة تتبادل فيها الجهات المعلومات
وتستجيب للبلاغات بفاعلية وتتابع سلامة الطفل بعد التدخل، مع نشر مؤشرات شفافة عن
الأداء من دون المساس بسرية الحالات، فحماية الطفل لا تتحقق بقرار تركيب كاميرا
وحده، ولا بزيارة تفتيشية عابرة، بل بتأهيل من يتولى رعايته، ومحاسبة من يثبت
تجاوزه، وتوفير طريق واضح وآمن للإبلاغ.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً