لا لتعنيف الأطفال.. نعم لتأديبهم
هناك فرق كبير
بين تأديب الأطفال، الذي أمر به الإسلام، وتعنيفهم؛ فالإسلام يدعو إلى الرأفة بهم والصبر
عليهم، قاصداً تنشئة أجيال سوية، قادرة على البناء لا الهدم، والعطاء لا المنع،
وهو يقيم علاقة الأبوة والبنوة على أساس متين من البرِّ والترابط، والود والرحمة،
وقد جعل لكل من الطرفين حقوقاً، وعليهما كذلك واجبات متبادلة.
من ثم، فنحن مع
أي قوانين أو اتفاقيات أو معاهدات، محلية أو دولية، تراعي حقوق الآباء في إصلاح
الأبناء وحسن تنشئتهم، وضد أي إجراءات أو سلوكيات تهين كرامتهم، أو تجرح مشاعرهم،
أو تسبب لهم أي شكل من أشكال الأذى.
وإذا كانت المساعي الدولية تنكر حقوق الآباء على أبنائهم، وتعطي للأخيرين الفرصة للتمرد والفساد، فإننا نعتبر هذا سلوكاً شائناً وعجيباً، وأن وراءه ما وراءه من محاولات القضاء على أبنائنا ودفعهم دفعاً إلى العقوق والعصيان.
اتفاقيات أممية منصفة
إننا مع اتفاقية
«حقوق الطفل» الصادرة عن الأمم المتحدة عام 1989م، التي جاء فيها: «تتعهد الدول
الأطراف بأن تضمن للطفل الحماية والرعاية اللازمتين لرفاهه، مراعية حقوق وواجبات
والديه أو أوصيائه أو غيرهم من الأفراد المسؤولين قانوناً عنه».
ومع «العهد
الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية» الذي جاء فيه: «تتعهد الدول الأطراف في
هذا العهد، باحترام حرية الآباء أو الأوصياء عند وجودهم، في تأمين تربية أولادهم
دينياً وخلقياً، وفقاً لقناعاتهم الخاصة».
نعم
للتأديب
إن التأديب، كما
يقول علماء السلوك، يحترم ذاتية الطفل ويحتويه، ويحافظ على العلاقة الإنسانية معه،
ويزرع الثقة في نفسه، ويعينه على الضبط الذاتي، ويكون الطفل فيه مسؤولاً عن سلوكه
الخاطئ.
والتربية الأساسية للطفل تتطلب تأديبه بآداب الإسلام ومكارم الأخلاق، وتعويده اجتناب المحرّمات وسائر السلوكيات والعادات السيئة، والبُعد عن قرناء السوء، وتعميق شعوره بالمسؤولية، ولن يكون ذلك إلا بالعقاب الصحي المشروع، مع اجتناب المبالغة في العقاب، ودوامه، ومع تقديم الزجر والتخويف على العقاب المادي، على طريقة الفاروق عمر رضي الله عنه، وهي الشدة في غير عنف، كما يقول: «علِّقوا السوط حيث يراه أهل البيت، فإنه أدبٌ لهم» (رواه الطبراني).
خطوات العقاب التربوي
لقد ثبت أن عقاب
الطفل بطريقة عشوائية تفسد نفسه، وتحطمها، إضافة إلى فشل المعَاقِب في الوصول إلى
مبتغاه من إصلاح سلوك المعَاقَب، بــل قد يــؤدي العقـاب إلى تمرد الطفل، وربما
انحرافه وخروجه من دائرة السيطرة الوالدية، وتتنوع طرق عقاب الطفل بطريقة تربوية
كما يلي:
- النظرة الحادة
التي تحمل أمارات اللوم والعتاب.
- الهمهمة
الدالّة على غضب المربي وضيقه بسلوك معين.
- مدح الغير
أمامه؛ لتصله رسالة مفادها أن ما قام به لا يلقَى القبول.
- الإهمال؛
ليعلم أن سلوكه يجلب له النقمة وعدم التقدير.
- الحرمان، وهو
درجة أقسي من سابقتها، ويبدو فيه العقاب الحقيقي.
- الهجر
والخصام، كدليل على عِظم ما ارتكب من خطأ، وما في هذا الإجراء من خطورة شرعية
تنطوي على التخويف من عقاب الله.
- التهديد
بالضرب، وإرهابه بالصراخ في وجهه؛ تخويفاً له، وفي هذا تنبيه له على أن الضرب ليس
بعيداً عنه.
- وأخيراً
الضرب، وهذه مرحلة لا ينصح باللجوء إليها إلا إذا تمادى الطفل في سلوكه المُعوَج،
رغم ما دار معه من حوارات، ورغم ما نُفِّذ فيه من مراحل العقاب السابقة.
ويلاحظ عند
الضرب ما يلي:
- نعرّف الطفل
بأسباب ضربه، وهذا يعطيه فرصة أخيرة للتفكير، وربما انتزع منه الأب اعتذاراً أو
وعداً بعدم العودة لما يفعل.
- أن يتجنب
الضارب الوجه وأماكن الكسر، وألا يترك أثراً أو يخلّف عاهة.
- أن يكون الخطأ
مستحقاً للضرب، وهذا يتطلب حكمة من الأب أو من يقوم بالضرب، فلا يكبِّر الصغيرة،
ولا يفرِّط في الوقت ذاته، وإنما يعلم أن الضرب أمرٌ خطير في التربية، فلا بد أن
يكون فعل الطفل على قدر هذه الخطورة.
- ألا يكون
الضرب انتقامياً؛ إذ الفعل نفسه -أي الضرب- ولو كان رمزياً، فإنه كافٍ لحثِّ
المخطئ على تصحيح أخطائه، وإلا فإنه مريض يستحق العلاج.
وتؤتي وسائل
العقاب التربوي المنهجي أُكلَها، إذا اتُّبعت بعض الخطوات، مثل:
- غرس السلوكيات
السليمة في نفوس الأبناء، قبل كل شيء.
- ألا يعاقب
الأب ويحسم الموقف، ثم تتسامح الأم، فيضيع ما فعله الأب، فإن هذا السلوك يساعد في
خلق شخصيات مترددة، غير ناضجة.
- ألا يعاقب
الأبوان على أمر يفعلانه هما أو أحدهما، كأن يعاقب الأب ابنه المدخن، وهو لم يقلع
عن هذه العادة السيئة.
- عندما يخطئ
الطفل نوضح له خطأه، فإذا كرره نصبر عليه ولا نتعجـل العقوبة.
- أحياناً يخفي
الطفل سلوكاً شائناً قام به، المفيد -أحياناً- تجاهل هذا السلوك، ففي إخفائه له
دليل على أنه يسبب له حرجاً، وأنه مقلعٌ عنه يوماً ما، فلا تُعنِ الشيطان عليه.
- يستحب عدم
الإكثار من التوبيخ، أو التهديد، فإذا هدد الأب مرة فيجب أن ينفذ تهديده، كما
يستحب ألا يهدد بأمور وهمية.
- الإثابة على
الأعمال الناجحة، وعدم تخويف الطفل بالفشل، يدفعانه إلى اجتناب ما يغضب الأبوين،
كما يحثّانه على تعزيز إيجابياته، والثواب عموماً أكثر فائدة من العقاب.