إعلان «إسرائيل» اللا حسم بغزة.. إقرار بالإخفاق أم تمهيد لجولة جديدة؟
3 سنوات مضت
على 7 أكتوبر 2023م، ذلك اليوم الذي شكّل نقطة مفصلية في تاريخ الصراع، ليس فقط
لما جرى خلاله، بل لوقع ارتداداته الإقليمية والدولية، والأهم على صعيد القضية
الفلسطينية.
وعلى وقع ذلك
اليوم، أعلنت «إسرائيل» أنها ستخرج لمعركة صفرية، ولأول مرة منذ عام 1973م تعلن
بشكل رسمي أنها في حالة حرب، حاشدة بذلك قوتها القصوى ومستمدة أكبر دعم من أكبر
قوة في العالم؛ الولايات المتحدة.
الهدف كان
واضحًا، القضاء المبرم على المقاومة وتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، وإنهاء
القضية وزجها في غياهب التاريخ، فاندفعت «إسرائيل» بروح انتقامية لتفتك بالقطاع
المحاصر، ولم تتورع عن استخدام أكبر قدر من أشكال الإجرام بالإبادة البشرية وحرق
المدن وتدميرها بشكل ممنهج والتجويع والحصار، مقدمة على محرقة هي الأفظع في العصر
الحديث.
الحرب على غزة.. 3 أعوام دون حسم للأهداف «الإسرائيلية»
إستراتيجيًا،
كانت «إسرائيل» تكسب أقل مما تخسر، على الأقل وفق تقديرات قيادتها التي كانت تعتقد
أن 8 أشهر إلى سنة ستكون كافية لاستسلام المقاومة وترحيل الغزيين.
لكنها، بعد 3
أعوام من الحرب التي تضمنت تفاصيل وتعقيدات شتى بين اتفاقيات جزئية وكلية وإدانة
دولية رسمية، وحروب إقليمية على عدة جبهات، بقيت جبهة غزة جبهة القتال الرئيسة،
وظل هدف الحسم، رغم تأخره، قائمًا.
وأمام مَلل
العالم والولايات المتحدة من استمرار هذه الإبادة، التي قُدّر أن جزءًا حاسمًا من
استمرارها يعود لأهداف سياسية لحكومة اليمين المتطرف، وضع العالم قيوده على الحرب
المجنونة، ورغم أن تلك القيود لم تكن كافية لوقف النزيف، لكنها على الأقل شكّلت
كابحًا أمام مسار الإبادة الأبدي الذي اختطه بنيامين نتنياهو واليمين.
أمام هذا
الموقف، وجدت «إسرائيل» نفسها بين خيارين متناقضين؛ مواصلة حرب الإبادة، أو
التماهي مع الإرادة الأمريكية والدولية، ويمكن القول: إن «إسرائيل» اختارت نقطة
وسط بين الخيارين، بحيث تواصل عملياتها بصخب أقل من السابق، وفي الوقت نفسه لا
تستفز الموقف الأمريكي.
والخيار الأوسط
هذا، رغم كمّ المزايا التي يوفرها لـ«إسرائيل» على الصعيد الميداني والدولي، فإنه
لا يجيب عن السؤال الرئيس: ماذا تحقق من أهداف الحرب الإستراتيجية؟ سؤال يظهر فجأة
بإلحاح مع حلول الذكرى الثالثة للسابع من أكتوبر.
الإجابة تأتي من
جهاز الأمن: الحلبة الغزية بعيدة عن الحسم، وهي إجابة تأتي بعد سنتين ونصف سنة عن
إعلان نتنياهو بأن «إسرائيل» على خطو من الانتصار.
إخفاق «إسرائيل» في غزة ومخاوف من تجدد الحرب بعد الانتخابات
ليس سهلًا على
قوة بهذا القدر من الغرور أن تعلن أنها لم تحسم المعركة في غزة، ولهذا من المهم
قراءة حيثيات الإعلان، أولًا: جاء الموقف من المؤسسة العسكرية وليس من المستوى
السياسي، وحديث قيادة الجيش عن الأمر بهذا الشكل ربما يحمل قدرًا من المهنية
والاعتراف بمعطيات الميدان، ويمكن أن يكون رسالة من الجيش للجمهور حول طبيعة
الموقف بعيدًا عن خداع الإنجازات الذي يُتوقع أن يستعرضه نتنياهو في سوق
الانتخابات.
ثانيًا: إن
مفهوم الحسم ما يزال مختلفًا عليه، فبينما ترى أوساط «إسرائيلية» أن الحسم يساوي
استسلام الخصم التام، ترى أوساط أخرى أن الدمار الشامل والضربات التي تعرضت لها «حماس»
هو شكل من أشكال الحسم فعليًا؛ لذلك، فإن رؤية القيادة الحالية للجيش للموقف بغزة
يُبنى عليها تقدير بأن الحسم لم يتحقق.
في هذا السياق،
صرح مسؤول كبير بالجيش «الإسرائيلي»: تسيطر فرقتان عسكريتان في الجيش على 64% من
مساحة القطاع، «حماس» حتى لو أرادت أن تفعل شيئًا، فإنها ستصطدم بقوات الجيش الموجودة
في الجبهة، ونحن نسيطر هنا بشكل مستقر وقوي جدًا.
كافة البضائع
تدخل إلى غزة اليوم من معبر كرم أبو سالم، وهناك يوجد أفضل المراقبين في العالم
لرصد الوسائل التي يحاولون نقلها، ويتم إدخال طعام ومواد غذائية ووقود وغاز، لكن
عندها تستولي «حماس» عليها.
ينتهي كلام
المسؤول العسكري إلى هنا، ويفتح المجال لمجموعة من الأسئلة التي نحاول الإجابة عنها
هنا: هل هذا الموقف اعتراف حقيقي بالفشل، أم هو حلقة جديدة في سلسلة التحريض على
غزة؟ وأمام هذه الفرضية، يمكن رصد العديد من السوابق التي تظهر أن «إسرائيل» عادة
ما تسعى لتضخيم قوة أعدائها والتقليل بشكل مدروس من نجاعة خطواتها، رغبة في
التحريض عليهم والانقضاض عليهم لاحقًا.
ومما يعزز هذه
القراءة إزاء الموقف من غزة، أن الدعاية «الإسرائيلية» بدأت تعمل بالفعل على
التحريض على غزة، عاكفة مؤخرًا على الترويج لفكرة تنامي قوة «حماس»، إذ ظهرت
تقديرات استخباراتية «إسرائيلية» تفيد بأن «حماس» تستغل الفترة السابقة للانتخابات
«الإسرائيلية» والأمريكية لإعادة بناء قدراتها.
وتشير تلك
التقديرات إلى أن «حماس» تكثف استعداداتها لاحتمال تجدد القتال في قطاع غزة،
مستغلة الفترة الحالية لإعادة بناء قدراتها وتجميع السلاح، على أساس تقدير لدى
الحركة بأن «إسرائيل» لن تحصل، قبل الانتخابات «الإسرائيلية» والأمريكية، على ضوء
أخضر أمريكي للعودة إلى العمليات العسكرية الواسعة في القطاع.
ووفق صحيفة «يديعوت
أحرونوت»، فإن الجيش عرض على المستوى السياسي «الإسرائيلي» معلومات تفيد بأن «إسرائيل»
تعمل على تخزين السلاح ونقله، في إطار استعدادها لاحتمال تغير الظروف السياسية بعد
الانتخابات واتساع هامش العمل العسكري «الإسرائيلي» في غزة.
ونقلت الصحيفة
عن مصدر مطلع على التقديرات الاستخباراتية قوله: إن «حماس» تفترض أن «إسرائيل» قد
تحصل بعد الانتخابات على مساحة أوسع للتحرك في القطاع، ولذلك تعمل منذ الآن على
بناء القوة والاستعداد لاحتمال استئناف القتال.
وعليه، فلا يمكن
فصل الحديث المعلن عن الإخفاق في الحسم، والتقدير بأن عودة الحرب بعد الانتخابات
الأمريكية و«الإسرائيلية» باتت تقديرًا شبه مؤكد لدى «إسرائيل».
يمكن الاستنتاج
مما سبق أن كلا الغايتين غير متناقضتين أصلًا، فالحقائق على الأرض تدعم ما تطرحه «إسرائيل»،
فما تزال المقاومة لم تسلّم سلاحها، وهي موجودة على الأرض وتحتفظ بمستوى من
قدراتها العسكرية، ورغم الدمار الكبير الذي تعرض له القطاع وتعرض المقاومة لضربات
قاسية على مدار عامين، فإن نقطة الحسم التي حددتها «إسرائيل» ما تزال فعلًا ليست
بالقريبة من الواقع الإستراتيجي القائم بغزة، إلا أن الاعتراف «الإسرائيلي» بالفشل
في حسم المعركة في غزة لا يشكل إقرارًا موضوعيًا بقدر ما يشكل نقطة انطلاق لنوايا
التصعيد والحرب ضد القطاع.
وأمام ذلك، فمن
المؤسف القول بأن المرحلة القادمة ستحمل اختبارًا جديداً لضمير العالم، وإذا ما
كان سيترك غزة لطور جديد من أطوار الإبادة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً