فقه الاستشفاء الحضاري (7)

مناعة الاستدامة.. عن الاستقلاب المعتدل وحفظ أصول الأمة

مناعة الاستدامة.. عن الاستقلاب المعتدل وحفظ أصول الأمة

ليست المناعة في وظائف الأعضاء مجرد خط دفاعٍ ضد الغزو الخارجي، بل هي في جوهرها قدرة الجسد الذاتية على حماية توازنه وصيانة أنسجته من التآكل، ولا قوام لهذه المناعة، سواء في جسد الفرد البيولوجي أو في كيان المجتمع الإنساني، إلا بـ«الاستدامة»؛ ونعني بها هنا الاستقلاب المعتدل الذي يوازن بدقة بين استهلاك الطاقة وتجديدها.

ففي علم البيولوجيا، تموت الخلية الحية إذا زاد استهلاكها للطاقة عن قدرتها على التعويض فيما يُعرف بـ«الإجهاد التأكسدي»، كما تتحول إلى ورم خبيث إذا التهمت موارد الجسد بنمو عشوائي جائر، وهذا عينه ما يقع في المجتمع الإنساني؛ إذ تسقط الأمم وتتحلل حين تُصاب بعوز مناعي استنزافي، فتستهلك أصولها لإشباع شهوة اللحظة الحاضرة، وتُورث أجيالها ديوناً وبواراً، فكيف نحمي الفرد والمجتمع من هذا الخطر القاتل؟

1- الوقاية من النمو السرطاني بالاستقلاب المعتدل:

تقوم فلسفة الاستدامة على الميزان القرآني الصارم: (وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ {7} أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ) (الرحمن)، فالطغيان في استنزاف الموارد هو تفككٌ أيضي يُدمر البيئة الحيوية للأمة.

ولقد وقع الفكر الاقتصادي الحديث في فخ النمو الأعمى الذي يُعامل كوكب الأرض كخزنة لا تنفد، أما فقه الاستدامة، فهو حفظ التوازن الدقيق بين البناء والهدم؛ امتثالاً لقوله تعالى: (وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (الأنعام: 141)؛ فالإسراف هنا ليس مجرد زلة سلوكية فردية، بل هو جريمة استنزاف للأصول الكلية للأمة.

2- مَهلكتا الموارد.. ميزان التفرقة بين الإسراف والتبذير:

تتآكل مناعة الأمة الاستدامية عبر مسلكين متباينين:

الأول: الإسراف: وهو مجاوزة الحد فيما أصله مباح؛ كاستهلاك الموارد المشروعة بشراهة تفوق طاقتها على التجدد؛ ما يستنزف الثروات ويُفوّت مصالح وضروريات أشد إلحاحاً، فيحدث التآكل البطيء لحقوق الأجيال، وهو بيولوجياً كفرط الاستقلاب الذي يُحرق طاقة الجسد أسرع من دورة تجددها.

الثاني: التبذير: وهو صرف المال وتوجيهه أصالة في غير وجهه المشروع أو في مسارب الفساد والعبث؛ فهو تعطيل صريح لوظيفة المال الاستخلافية، واستبدالٌ للبناء بالهدم؛ ولذا جاء التغليظ القرآني: (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ) (الإسراء: 27)، وهو بيولوجياً يماثل دخول السموم الخلوية التي تُشعل التهابات مزمنة تُعجّل بانهيار الجسد.

3- سواد العراق.. أول هندسة سيادية لحوكمة الأجيال:

يتجلى فقه الاستدامة عملياً في موقف الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين رفض قسمة أراضي سواد العراق بين الفاتحين؛ مستحضراً حق من لم يولدوا بعد استناداً لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ) (الحشر: 10).

قال عمر كلمته الخالدة: فماذا لمن جاء بعدكم من المسلمين، فيجدون الأرض قد قُسمت ووُرثت؟! فقرر وقف رقبة الأرض للأمة، وجعل خراجها عائداً مستمراً لنفقات الدفاع والمصالح العامة، لقد رسخ عمر قاعدة حيوية: «لا تأكلوا بذور المواسم القادمة»؛ فحماية الأصول التأسيسية الحصن المناعي الأول ضد فقر المستقبل.

4- الوقف والاقتصاد الدائري.. بطارية الحضارة المتجددة:

في عام 2016م، مُنحت جائزة «نوبل» في الطب لكشف آلية «الالتهام الذاتي الخلوي»؛ حيث تُعيد الخلية تدوير أجزائها التالفة لإنتاج طاقة جديدة وتجديد شبابها؛ وهو عين ما يُعرف اليوم بـ«الاقتصاد الدائري» القائم على التدوير ومحاربة ثقافة الرمي والاستبدال.

وقد سبقت الحضارة الإسلامية هذا المعنى بابتكار منظومة «الوقف»؛ بوصفها البطارية الدائمة التي تُحبس أصولها وتُسبل منافعها، فتخلق أماناً اجتماعياً مستقلاً عن تقلبات الموازنات السنوية، ويتوج ذلك الهدي النبوي المعجز: «إن قامت الساعةُ وفي يد أحدكم فسيلةٌ، فإن استطاع أن لا تقومَ حتى يغرِسَها فليغْرِسْها»؛ ليرسخ أن الإنتاج وحفظ ديمومة الحياة وظيفة تعبدية مستمرة حتى النفس الأخير من عمر الكون.

5- حوكمة الاستدامة ومكافحة الخداع التجميلي:

وحتى لا تضيع الاستدامة في دهاليز الشعارات، تقتضي الحوكمة الرشيدة مواجهة ما يُعرف عالمياً بـ«الخداع الأخضر»؛ حين تتستر بعض السياسات أو المشاريع بطلاء تجميلي خادع يحمل شعار البيئة أو التطوير، بينما هي في الحقيقة تستنزف الأصول الضرورية للدولة.

وهنا يُحكم الفقه المقاصدي المسألة بالقاعدة الشاطبية الصارمة: «التَّحْسِينِيُّ إذا عادَ على الضَّرُورِيِّ بالإبطالِ؛ بَطَلَ»؛ فكل بذخٍ في كماليات المشهد وزخارفه إذا جاء على حساب الأولويات الوجودية خلل وظيفي يُسقط شرعية المشروع في ميزان المقاصد؛ إذ لا يجوز تجميل الواجهة بينما عظام الجسد تنخرها الهشاشة.

6- استدامة الطاقة المعنوية.. ومكافحة الإرهاق المناعي:

ولا يكتمل مفهوم الاستدامة إلا إذا تجاوز الموارد المادية ليعتني بـ«استدامة رأس المال البشري وطاقة الإصلاح» في الأمة؛ حماية لها من الاحتراق النفسي والفكري.

ففي علم المناعة، تُصاب الخلايا الدفاعية بما يُعرف بـ«الإرهاق المناعي» إذا تم استدراجها المتواصل لمعارك تحسسية جانبية، فتفقد قدرتها على التصدي للأمراض الحقيقية، وهذا عينه ما يقع فيه المصلحون والدعاة حين يُستنزفون في معارك دونكيشوتية ضد طواحين الهواء؛ في سجالات ماضوية أو نزاعات وهمية تستهلك الوقت والجهد دون بناء أو ثمرة!

وهنا يضع القرآن الكريم ميزاناً حاسماً لصيانة طاقة المجتمع:

أ- تحييد النزيف الجدلي: في قوله تعالى عن عباد الرحمن: (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) (الفرقان: 63)؛ أي قالوا قولاً طلباً للسلامة وحفظاً للنفس من الانجرار إلى السفه، صيانةً للطاقة النفسية والفكرية من شوارد العبث.

ب- صيانة رأس مال الزمن: في قوله سبحانه: (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) (المؤمنون: 3)؛ بالإعراض الواعي عن كل ما لا ثمرة تحته، وتوجيه الجهد نحو البناء الحقيقي المثمر.

إن «مناعة الاستدامة» هي سياج الأمان الذي يضمن للأمة سلامة مخزونها؛ تضبط استهلاكها فلا تقع في إسراف أو تبذير، وتحمي أصولها ومواردها للأجيال القادمة، وتصون طاقة مصلحيها من الاحتراق.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة